المطلب الثاني: موقف رشيد رضا من ربا الفضل:
ـ تعريف ربا الفضل:
اختلفت ألفاظ التعاريف لربا الفضل عند الفقهاء ﵏ ولكنها في الحقيقة تتواطأ على أنه: زيادة أحد البدلين من الأموال الربوية على الآخر، إذا اتفق البدلان في الجنس ٢، وبصورة أخرى: "الزيادة في أحد البدلين الربويين المتفقين جنسًا" ٣. وعلة الربا عند الحنفية والحنابلة: الكيل والوزن مع اتحاد الجنس ٤، واتحاد الجنس يخرج ما لو باع مكيلًا أو موزونًا بمكيل أو موزون من غير جنسه، كأن يبيع صاعًا من بر بصاعين من
_________________
(١) ٢ انظر: د. عمر المترك: الربا والمعاملات المصرفية (ص:٥٥) دار العاصمة. الثالثة ١٤١٨هـ. ٣ المصدر السابق: نفس الصفحة. ٤ انظر: الاختيار لتعليل المختار، ط. المعاهد الأزهرية (٢/ ٣٩) وابن قدامة: المغني (٤/ ٥) ط. الكليات الأزهرية.
[ ٧٨ ]
تمر، أو يبيع ذهبًا بفضة متفاضلًا يدًا بيد فإنه لا ربا ١. وقوله: "زيادة" يشمل كل زيادة سواء كانت في القيمة أو في المقدار ٢.
وقد ذهب الجمهور إلى تحريم ربا الفضل في الأصناف الستة الآتية: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، فلا يجوز بيع جنس منها بجنسه متفاضلًا، حالًا أو مؤجلًا، فيحرم بيع درهم بدرهمين نقدًا أو مؤجلًا وكذا بيع صاع بر بصاعي بر نقدًا أو مؤجلًا ٣.
واستدل الجمهور بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٤، فأل في قوله: ﴿الرِّبا﴾ لاستغراق الجنس ٥، فيكون لفظ الربا في الآية عامًا يتناول كل أنواع الربا فيدخل في ذلك ربا الفضل كما يدخل ربا النسيئة ٦.
السنة: ومن السنة أحاديث: منها حديث: عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" ٧.ووجه الدلالة أن النبي ﷺ أوجب بيع صنف من هذه الأصناف الستة بجنسه أن يكونا متماثلين وأكد ذلك بقوله:"مثلًا بمثل" و"سواء بسواء" وبين أنه لا حرج في هذا البيع عند اختلاف الأجناس، فدل على أنه عند عدم اختلاف الأصناف ليس لهم الخيار في البيع كيف شاءوا ٨.
_________________
(١) ١ انظر: المترك: مرجع سابق (ص: ٥٤) ٢ المصدر السابق (ص:٥٣ـ ٥٤) ٣ انظر: ابن قدامة: المغني (٤/ ٣) ود. المترك مرجع سابق (ص: ٥٦) ٤ سورة البقرة: الآية: (٢٧٥) ٥ انظر: المترك: مصدر سابق (ص: ٥٧) ٦ المصدر السابق نفس الصفحة ٧ مسلم: الصحيح: ك المساقاة: ح رقم: (١٨١) (١٥٨٧) (٣/ ١٢١١) ط. دار إحياء الكتب العربية، مصر، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. ٨ انظر: د. المترك: مصدر سابق (ص: ٥٨ـ ٥٩)
[ ٧٩ ]
ومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز" ١.
وأما الإجماع على ذلك فقد حكاه غير واحد من أهل العلم ٢. قال شيخ الإسلام: "إن النهي عن الربا في القرآن يتناول كل ما نهى عنه من ربا النسئ والفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله، وإن قصر نصوص النهي على البعض إنما يقع ممن لم يفهم معاني النصوص" ٣.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال بجوازه، ولكنه لم يسمع في ذلك شيئًا من النبي ﷺ وإنما اعتمد في رأيه على حديث أسامة " لا ربا إلا في النسيئة" ٤، ثم رجع عن ذلك بعدما أخبره أبو سعيد بما سمع، وحديث أسامة: إما منسوخ أو معناه الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما المراد نفي الأكمل لا نفي الأصل ٥.
_________________
(١) ١ انظر: البخاري: الصحيح: ك البيوع: باب بيع الفضة بالفضة ح: ٢١٧٧ (٤/ ٤٤٤ مع الفتح) ط. السلفية مع الفتح، مصورة الريان، ط. الثانية، ١٤٠٩هـ ١٩٨٨م. ٢ انظر: ابن قدامة: المغني (٤/ ٣) والنووي: شرح مسلم (١١/ ٩) ط. دار الريان للتراث، الأولى ١٤٠٧هـ والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٥٢) وابن حجر الهيتمي: الزواجر (٢/ ٢٠٥) ط. مصطفى البابي الحلبي، الثانية، ١٣٩٠هـ ٣ الفتاوى الكبرى (١/ ٤١٢)، وانظر: له مجموع الفتاوي (٢٠/ ٣٤٧) ط. عالم الكتب الرياض، ١٣١٢هـ ٤ انظر: البخاري: الصحيح: ك البيوع باب بيع الدينار بالدينار نساء (ح: ٢١٧٨ و٢١٧٩، ٤/ ٤٤٥ـ ٤٤٦ مع الفتح) ٥ انظر: ابن حجر: فتح الباري (٤/ ٤٤٦ـ ٤٤٧) ط. السلفية (مصورة الريان) الثانية. ١٤٠٩هـ
[ ٨٠ ]
رأي الشيخ رشيد في ربا الفضل: لقد جمع الشيخ رشيد فتاواه في الربا والتي كانت منتشرة في مجلة المنار في كتاب مستقل باسم:"الربا والمعاملات في الإسلام" ١.
فذهب الشيخ رشيد إلى أن الربا المحرم تحريم مقاصد هو ربا الجاهلية، وهو ما يؤخذ من المال لأجل تأخير الدين المستحق، وأما ما عداه فيباح للحاجة والمصلحة لأنه حُرِّم لأنه وسيلة للأول - وهو ربا الجاهلية أو ربا النسيئة - فيقول: “وقد علمنا أن الله لم يحرم في كتابه إلا ربا النسيئة الذي هو أخذ الزيادة في المال لأجل تأخير ما في الذمة منه.." ٢. وقال: " وحديث النهي عن بيع النقدين ٣ وأصول الأقوات إلا يدًا بيد مثلًا بمثل ليس تفسيرًا للربا في القرآن ولا حصرًا للربا في البيع، وإنما هو لسد الذريعة لارتكاب ربا القرآن، وإلا فهو لذاته ليس فيه من المفسدة ما يقتضي هذا الوعيد الشديد في آيات البقرة.." ٤. وقال: "..إذا تمهد هذا ظهر به أن الحق في الربا الذي نهى الله تعالى عنه في كتابه وتوعد فاعله بما لم يتوعد على ذنب آخر أنه ربا النسيئة الذي كان معروفًا في الجاهلية ونعيد القول ونكرره بأنه هو ما يؤخذ من المال لأجل تأخير الدين المستحق في الذمة إلى أجل آخر..فلا يدخل في مفهومه ما يزاد في أصل الدين عند عقده على ما يعطي للمدين، وبحاله وإنما هو ما يعطى لأجل تأخير الدين المستحق.." ٥.
_________________
(١) ١ انظر: محمد رشيد رضا: الربا والمعاملات في الإسلام ط. مكتبة القاهرة مع تقديم محمد بهجت البيطار، وانظر: مجلة المنار (٥/ ٥١ـ ٥٥و ٧/ ٢٨و ٢٨/ ٥٧٥، ٣٠/ ٢٧٣ـ ٢٩١، و٣٠/ ٤١٩، و٣٠/ ٥٠١و٥٨٥و٦٦٥و٧٧١و٣١/ ٣٧و٣٣/ ٤٤٩و٣٤/ ٣٦٢و ٣٤/ ٤٦٥) ٢ الربا والمعاملات في الإسلام (ص: ١٣٢) ٣ يعني حديث:" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الحديث، انظر: مسلم: الصحيح: ك المساقاة، ح: رقم (٨١) (١٥٨٤) (٣/ ٣٩٩) . وقد تقدم. ٤ الربا والعاملات (ص: ٨٣) ٥ الربا والمعاملات في الإسلام (ص: ٨٣)
[ ٨١ ]
أدلة الشيخ رشيد:
وقد استند فيما ذهب إليه إلى دلالة اللغة والسنة والعقل.
فأما اللغة، فقد قال الشيخ رشيد محتجًا بها لما ذهب إليه: "ويؤيد هذا أمران: أحدهما: الاستعمال اللغوي، ووجهه أن هذا اللفظ كان مستعملًا عند عرب الجاهلية من المشركين، وأهل الكتاب وغيرهم، وذكر في بعض السور المكية، فهو ليس من الألفاظ التي وضعت وضعًا جديدًا في الشريعة فكانت مجملة ثم فسرت بعد ذلك بالأحاديث عند الحاجة إليها في التشريع العملي، بل اللام في "الربا" للعهد كما صرح به بعضهم" ١.
مناقشة هذا الاستدلال:
ويجاب بأن احتجاجه بالاستعمال اللغوي، بمعنى أن الربا ينصرف إلى ما تعارفوا على استعمال لفظ الربا فيه من معاملة، إنما كان يفيد في وقت تنزل آية تحريم الربا في سورة البقرة، وقبل بيان السنة، إذ ينصرف المقصود في الآية إلى ما عهدوه، أما بعد أن جاء بيان السنة، واستعمل الربا في أنواع أخرى من المعاملة لم تكن معروفة ولا معهودة عند العرب فقد أصبح لفظ الربا حقيقة شرعية وعلى هذه الحقيقة تحمل عبارات الشارع وإطلاقاته في الربا، فكما أفاد العهد حمل الربا على ما كان معهودًا دون غيره مما تناوله مطلق لفظ الربا في وضعه اللغوي، فإن الوضع الشرعي يفيد حمل الربا على ما وضع له شرعًا إذ الوضع الشرعي مقدم على الوضع اللغوي في عبارات الشارع ٢.
واستدل الشيخ رشيد بحديث أسامة المشار إليه آنفًا ٣. وقد تقدم الجواب عنه مختصرًا، وأزيد هنا أجوبة أخرى، منها: إن أسامة رضي الله
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (ص: ٧٥) ٢ انظر: عبد الله السعيدي: الربا في المعاملات المصرفية. بحث للدكتوراه على الحاسب الآلي. بالجامعة الإسلامية، كلية الشريعة قسم الفقه ١٤١٦هـ ١٩٩٦م. (ص: ٦٧)
[ ٨٢ ]
عنه ربما سمع جواب مسألة خاصة، فسمع الجواب دون السؤال ١، ونظير ذلك قوله ﷺ: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" ٢ فظاهر هذا أن الوضوء لا يكون إلا من هذين، والواقع خلافه، وإنما كان هذا اللفظ جوابًا لسؤال معين خرج على هذا النحو، ولا يمنع ذلك وجوب الوضوء من غير هذين. وهناك أجوبة أخرى للجمهور، منها: القول بالنسخ، ومنها ترجيح أحاديث تحريم ربا الفضل على حديث أسامة لرواياتها عن جماعة، وتقديم العمل بالمنطوق فيها دون العمل بالمفهوم في حديث أسامة ٣.
واستدل أيضًا بالعقل: فقال: " وثانيها أن الله توعد على أكل الربا بضروب من الوعيد لم تعهد في التنزيل ولا في السنة، ولا يماثلها إلا في الترهيب والزجر عما عظم أثمه وفحش ضرره من الكبائر ٤.
ويناقش هذا الاستدلال بإنه احتكام للعقل في غير موضعه واحتجاج بالرأي فيما لا مجال للرأي فيه، فإن مما لا مجال للرأي فيه ما جاء به النص، وإن مما جاءت به النصوص وعيد آكل الربا ولعنه وهذا هو ما عرفت به الكبيرة عند العلماء ٥.
إذًا فالراجح هو قول الجمهور بتحريم ربا الفضل للأسباب الآتية:
أولًا: كثرة الروايات الصحيحة التي وردت في تحريم ربا الفضل، وقد خرجت في الصحيحين وغيرهما. ورويت عن عدد كبير من الصحابة وتلقتها الأمة بالقبول حتى حكي الإجماع في ذلك ٦.
_________________
(١) ١ انظر: المترك: مرجع سابق (ص: ٧١ـ ٧٢) ٢ انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد، ط. دار الكتاب العربي، والريان ١٤٠٧هـ (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣) وابن حجر: فتح الباري (١/ ٢٨٧) ٣ انظر: المترك: مرجع سابق (ص: ٧٣، ٧٥) ٤ الربا والمعاملات في الإسلام (ص: ٧٥) ٥ انظر: عبد الله السعيد: مرجع سابق (مرجع سابق (ص:٢٩) ٦ انظر: المترك: مرجع سابق (ص٨٥٩)، وانظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٤٧)
[ ٨٣ ]
ثانيًا:أن هذه الأحاديث ناطقة بتحريم ربا الفضل ولا تحتمل التأويل، بخلاف ما احتج به الشيخ رشيد من حديث أسامة، فإنه يدل بالمفهوم، والمفهوم يتطرق إليه الاحتمال ١.
ثالثًا: ثبوت رجوع من قال بإباحة ربا الفضل من الصحابة كابن عمر وابن عباس ﵃ ٢.
رابعًا: ضعف أدلة القائلين بجوازه كما رأيت ٣.
ولقد كان للشيخ رشيد اجتهادات كثيرة كما أشرت في أول هذا المبحث، وبعضها في مسائل كبيرة كمسألة الربا، وبعضها دون ذلك، ومما لا يقل خطورة عن مسألة الربا: كاجتهاده في " ذبائح أهل الكتاب" ٤. وقد ترك لنا الشيخ رشيد فتاوى فقهية تعد من حيث كثرتها ثروة، ويجدر بها أن تنال عناية الباحثين في علم الفقه لوزن هذه الثروة وتقويمها.
_________________
(١) ١ انظر: محمد الأمين الجكني: شرح مراقي السعود (ص: ٣٦) مطبعة المدني بمصر ١٣٧٨هـ ومحمد الأمين الشنقيطي: مذكرة أصول الفقه (ص: ٢٣٤) ط. دار القلم بيروت، والمترك: مرجع سابق (ص:٨٦) ٢ انظر: المترك: المرجع السابق (ص: ٨٦) ٣ انظر المترك: المرجع نفسه (٨٧ـ ٨٨) ٤ انظر: مجلة المنار (٨/ ٢٥٥)
[ ٨٤ ]