ونظرًا للحالة السياسية والعلمية في الشام فقد كان طبيعيًا أن يرحل رشيد رضا إلى مصر، لقد كانت رحلة الشيخ رشيد رضا من طرابلس الشام عام ١٨٩٨م إلى مصر رمز عزيمته القوية في التصدي للدور الكبير الذي التزم به طيلة حياته. لقد كان وراء رحلته من سوريا إلى مصر عوامل وظروف متشابكة. يتعلق بعضها بالدولة العثمانية عامة وولاية سوريا خاصة. ويتعلق بعضها الآخر بظروفه الشخصية وأوضاع أسرته. لقد اضطرت الدولة العثمانية لاتخاذ سياسة متشددة فيما يتعلق بسوريا، نظرًا لحساسية هذه الولاية بالنسبة للدولة إذ إنها الطريق إلى العاصمة العثمانية ومن دخلها أصبح بوسعه تهديد الدولة في عاصمتها. كما أنها تشكل بوابة الدولة إلى ولاياتها
[ ٦٤ ]
في الشرق العربي، وطريق الوصول إلى الحجاز، ونظرًا كذلك لعدم تجانس الولاية في انتماءات أهلها الدينية وولاءاتهم السياسية١. ونتيجة لما سبق فقد وقفت السلطة العثمانية من ولاية سوريا موقفًا خاصًا اتسم بالحساسية المفرطة تجاه ما يكتب أو ينشر في صحافتها أو فيما يتصل بعلاقات الأفراد والجماعات واتصالاتهم الخارجية، وتشددت في مراقبة ما يصدر فيها من مطبوعات. كما راقبت سلوك من تشتبه فيهم من أبنائها خشية إقامة علاقات مع جهات أجنبية. كل ذلك أشعر أبناءها دون سواهم من أبناء الولايات العربية الأخرى بوطأة المراقبة الحكومية لعلاقاتهم ومطبوعاتهم مما دفع بعضهم للتفكير بالهجرة ٢.
قال الشيخ رشيد: "عزمت على الهجرة إلى مصر لما فيها من حرية العمل واللسان والقلم، ومن مناهل العلم العذبة الموارد، ومن طرق النشر الكثيرة المصادر، وكان أعظم ما أرجوه من الاستفادة في مصر: الوقوف على ما استفاده الشيخ محمد عبده من الحكمة والخبرة وخطة الإصلاح التي استفادها من صحبة السيد جمال الدين، وأن أعمل معه وبإرشاده في هذا الجو الحُر " ٣.
وبعد أن حصل الشيخ على موافقة والديه سافر سرًا إلى الإسكندرية ٤. فمما سبق نستطيع أن نتعرف على أسباب هجرة الشيخ رشيد إلى مصر. إنه عزم على القيام بمهمة إصلاحية متعاونًا مع الشيخ محمد عبده، وللاستفادة من ملازمة هذا الأخير لجمال الدين الأفغاني، فيقول: "لئن فاتني لقاء المعلم الأول، فلن يفوتني لقاء المعلم الثاني " ٥.
_________________
(١) ١ انظر: أحمد بركات: محمد رشيد رضا ودوره في الحياة الفكرية والسياسية (ص ٢٤ـ٢٧) دار عمار الأردن - ط الأولى ١٤٠٩هـ ١٩٨٩م. ٢ انظر: رشيد رضا: المنار والأزهر (ص ١٩١) فقد بين هناك سبب هجرته. وانظر أيضًا: أحمد بركات: مرجع سابق (ص ٢٦ـ٢٧) . وانظر: مجلة المنار (٢١/ ٣٧٧) . ٣ المنار والأزهر (ص ١٩١) . ٤ المرجع السابق (ص ١٩٢ـ١٩٣)، وتاريخ الأستاذ الإمام (ص ١/٩٩٨) . ٥ مجلة المنار (٢١/٣٧٧)، وتلاحظ استعمال الشيخ رشيد لمصطلحات الفلاسفة فإنهم يطلقون "المعلم الأول" على أرسطو. انظر: طاش كبرى زادة: مفتاح السعادة (١/ ٢٩٣ و٢٩٤)
[ ٦٥ ]
كان وصول الشيخ رشيد إلى الإسكندرية في ٨ رجب ١٣١٥هـ - ٣ يناير ١٨٩٧م، وبعد سياحة له في الوجه البحري استغرقت أسبوعين، انتقل إلى القاهرة حيث حل ضيفًا على الشيخ "محمد عبده" ١. وكان الشيخ محمد عبده هو الشخصية الوحيدة في مصر التي يعرفها رشيد رضا قبل هجرته. لقد سبق له التعرف عليه واللقاء به والاجتماع إليه أثناء فترة نفيه إلى بيروت (٢٤ ديسمبر ١٨٨٢ - ١٨٨٥م) على أثر أحداث حركة عرابي ٢. ولم يغادر رشيد رضا مصر من ذلك الحين إلا سنة ١٣٢٦هـ - ١٩٠٨م زائرًا لوطنه سوريا وقد تعرض هناك للاعتداء مرتين ٣.
وفي رمضان ١٣٢٧هـ ـ١٩٠٩م زار الأستانة ٤، وفي عام ١٩١٣م زار الهند ٥، وفي عام ١٩٢٠م زار دمشق ٦. لقد أصبحت مصر هي الوطن للشيخ رشيد، وعاش فيها حياته وأصدر فيها مجلته "المنار" المجلة المنقطعة النظير، في سعة الرواج وبعد الأثر واستقطاب أهل العلم والرأي. لقد كانت "المنار" صدى هموم العالم الإسلامي في القضايا المصيرية كالتساؤل حول سر تقدم الغرب وتأخر الشرق، وكالثورة على الاحتلال الأجنبي، وحول متطلبات الحياة العصرية.
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ الأستاذ الإمام (١/٩٩٨) . ٢ المصدر نفسه (١/٩٩٥) . ٣ انظر: مجلة المنار (١١/٧٠٦ـ٧١٦) . ٤ انظر: مجلة المنار (١٢/ ٩٥٦ـ ٩٥٩) و(١٣/ ١٤٥ـ١٥٠) . ٥ انظر: المصدر السابق (١٦/ ٧٧ـ٨٠ و١٠٤ ـ١٠٦) كما أنه زار الحجاز حاجًا انظر: المصدر نفسه (١٩/٣٠٧ـ٣١٠) . ٦ انظر المصدر نفسه (٢١/٣٧٧ ـ٣٨٢) .
[ ٦٦ ]