" العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلًا بذلك، إنه غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحدها عن دركها.."٢. " ولقد جاء القرآن بالأدلة العقلية على أكمل وجه، على أصول الدين من الإلهيات والنبوات والسمعيات وغيرها " ٣.فهذه الأصول وإن كانت معلومة بالفطرة الضرورية البديهية، وبالشرعية النبوية الإلهية، فهو أيضًا معلوم بالأمثال المضروبة التي هي المقاييس العقلية ٤.
فالعقل دليل من أدلة المعرفة عامة والدينية فيها خاصة، والوحي جاء بالأدلة العقلية صافية من كل كدر، وقد وردت النصوص بمسائل الاعتقاد وبأدلتها العقلية التي يجب على العقل النظر فيها وفهمها على وجهها. وبما
_________________
(١) ٢ ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٣٨ـ ٣٩) ٣ ابن تيمية: المصدر السابق (٣/ ٢٩٦) ٤ المصدر السابق (٢/ ٣٧)
[ ١٦٧ ]
أن الشيخ رشيد ينسب إلى " المدرسة العقلية" فيكون من المناسب معرفة موقفه من العقل كمصدر من مصادر المعرفة.
يقرر الشيخ رشيد أن الإسلام هو "دين العقل والفكر" ١.ومن محاسن الإسلام التي أراد الشيخ رشيد أن يميزها: "انطباق عقائده على العقل وآدابه على الفطرة وأحكامه على درء المفاسد وجلب المصالح" ٢. وجعل هذه العبارة هي المقدمة الأساسية في كل جزء من تفسيره.
فيرى أن العقائد الإسلامية تنطبق على العقل أي توافقه ولا تخالفه، وأنه يقبلها ويفهمها، فالعقل الصريح لا يمكن أن يعارض أبدًا نصًا صحيحًا. ولذلك فإن الشيخ رشيد يقارن بين ورود كلمة " العقل" في القرآن الكريم، وبين ورودها في الكتب المقدسة المتداولة، ويقرر أنها - أي كلمة العقل - وما في معناها - ليست موجودة ولا مرة واحدة في هذه الكتب - بينما كثر ووردها في القرآن٣.
وأما ورود "العقل" في القرآن فأكثره كما يقول الشيخ رشيد: "قد جاء في الكلام على آيات الله، وكون المخاطبين بها والذين يفهمونها ويهتدون بها هم العقلاء، ويراد بهذه الآيات في الغالب آيات الكون الدالة على علم الله ومشيئته وحكمته ورحمته.. ويلي ذلك في الكثرة آيات كتابه التشريعية ووصاياه، كقوله تعالى في تفصيل الوصايا الجامعة من آخر سورة الأنعام: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٤ وجعل إهمال استعمال العقل سبب عذاب الآخرة بقوله في أهل النار.. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٥.. وكذلك آيات النظر العقلي والتفكر كثيرة
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٢٤٢) وانظر أيضًا: مجلة المنار (٥/ ٨٠٧) وأيضًا: (١/ ٢٠٦) ٢ تفسير المنار (٣/ صفحة العنوان الثانية، وقد كرر الشيخ رشيد هذا المعنى في كل جزء، ولكن مع اختلاف يسير. ٣ انظر: الوحي المحمدي (ص: ٢٤٢) ٤ سورة الأنعام: الآية (١٥١) ٥ سورة الملك: الآية (١٠)
[ ١٦٨ ]
في الكتاب العزيز فمن تأملها علم أن أهل هذا الدين هم أهل النظر والتفكر والعقل والتدبر.."١.
ولكن هل يستقل العقل في المعارف الدينية؟ يجيب الشيخ رشيد على ذلك بالنفي فيقول: " إن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي.. وإنما على العقل بعد التصديق برسالة نبي أن يصدق بجميع ما جاء به، وإن لم يستطع الوصول إلى كنه بعضه والنفوذ إلى حقيقته.." ٢. ويقول في موضع آخر:"ما شرع الله الدين للناس إلا لأنهم لا يستغنون عن هدايته بعقولهم، ومن كان يؤمن بدين منزل من عند الله لا يمكن أن يقبل ما يوافق عقله ويرد ما لا يوافقه من المسائل التي يعتقد أن الله فرضها عليه.. فمن فعل ذلك كان غير متبع لدين يؤمن به قطعًا وإنما يكون متبعًا لهواه بغير هدى من الله، فوظيفة العقل أن يعلم ويفهم ليعمل، لا أن يتحكم في دينه.. ثم إن عقول الناس تختلف اختلافًا كثيرًا فيما يوافق أصحابها وما لا يوافقهم، وذلك يقتضي أن يكون لكل فرد ممن يحكمون عقولهم في الدين دين خاص به، وللمجموع أديان كثيرة بقدر عددهم..٣.
وقرر الشيخ رشيد مسألة هامة في ذلك، هي: " إن تحكيم العقل في كل مسألة من مسائل الدين مخالف لحكم العقل الصحيح.." ٤.
هذا الموقف الصحيح من الشيخ رشيد تجاه العقل لا بد أنه تأثر فيه بأبحاث شيخ الإسلام في كتبه التي وقعت تحت يده، لا سيما "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول" ٥، وأيضًا كتبه الأخرى، فإن شيخ الإسلام قد بث هذا الكلام في كثير من كتبه وفي مناسبات شتى.
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٢٤٤) ٢ مجلة المنار (١/ ٢٩٣) ٣ المصدر نفسه (٣٤/ ٧٥٨) ٤ المصدر نفسه (٣٤/ ٧٥٨ـ ٧٥٩) ٥ انظر: (ص:١٧٥) من هذا البحث (موارد الشيخ رشيد)
[ ١٦٩ ]
وهذا الموقف من العقل هو الموقف الصحيح، فالإسلام دين العقل بهذه المعاني:
أنه هاد للعقل ومرشد له وقائد، وهو مبادئ يفهمها العقل في سهولة ويسر، وهو لا يناقض العقل ١.
_________________
(١) ١ انظر: د. عبد الحليم محمود: الإسلام والعقل (ص: ١٢) ط. دار الكتب الحديثة، مصر.
[ ١٧٠ ]