وهذا دليل آخر لا يوافق عليه المتكلمون ٣، على أنه عقلي شرعي.
وتقريره:
" أن الإيمان بالله تعالى مأمون العاقبة ولا ضرر فيه، والكفر به تعالى مخوف أشد الخوف وضرره عظيم، فالمصير إلى الإيمان به واجب احتياطًا".
وهذه المسألة العقلية، نجد لها إشارات في القرآن الكريم:
يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ ٤.
والتحري: طلب الأحرى، أي: الأولى ٥.
وقال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٦.
_________________
(١) ٣ انظر: مصطفى صبري: موقف العقل (٢/ ٥) ٤ سورة الحديد، الآية (١٤) ٥ النسفي: مدارك التأويل (٤: ٣٠٠) ٦ سورة النساء، الآية (٣٩)
[ ٣٠٧ ]
ففيه "تنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطًا، فكيف إذا كان فيه منافع لا تحصى" ١.
واستدل بهذه الآية على جواز إيمان المقلد، لأنها تشعر بأن الإيمان في غاية السهولة، ولو كان الاستدلال واجبًا لكان في غاية الصعوبة ٢.
وقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ ٣.
والمعنى: "أي: كيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق ولا يبصر ولا يسمع ولا يقدر شيئًا.. والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله وهو الضار النافع الخالق الرازق. أورد عليهم هذا الكلام الإلزامي الذي لا يجدون عنه مخلصًا ولا تحولًا.." ٤.
وتلك حجتنا: أي: وتلك الحجة الدامغة التي تضمنها البيان السالف المثبتة للحق المزيفة للباطل هي الحجة التي أرشدنا إليه إبراهيم وأعطيناه إياها ليلزم قومه ويقنعهم بها" ٥.
ومن ذلك قول مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ٦.فقد أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط ٧.
_________________
(١) ١ أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٢/ ١٧٧)، الآلوسي: روح المعاني (١٥/ ٣١) ٢ الرازي: مفاتح الغيب (١٠/ ١٠٠) ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت، الثالثة ٣ سورة الأنعام، الآيات (٨١ـ ٨٣) ٤ صديق حسن خان: فتح البيان (٣/ ١٩١) ٥ المراغي: التفسير (٧/ ١٧٩) ٦ سورة غافر، الآية (٢٨) ٧ أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٧/ ٢٧٤)
[ ٣٠٨ ]
وفي معناه: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ "وهو بين في هذا المعنى لأن السلامة تتحقق في الإيمان والخطر مأمون فيه، والمهالك مخوفة في مخالفته" ١.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٢.
ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
والمعنى: "كما أنكم قضيتم بأنه ليس من عند الله وليس ذلك معلومًا بالضرورة فكذلك كونه من عند الله فتعالوا فتأملوا في الدلائل.. فاستدعاهم الله إلى النظر بطريق تجويز أن يكون من عند الله فإنه إذا جاز ذلك وكانوا قد كفروا به دون تأمل كانوا قد قضوا على أنفسهم بالضلال الشديد.." ٤.
وأما دلالة العقل: فالعقل يتفق مع السمع على حسن السعي في دفع المضار المخوفة المجوزة التجويز المستوي الطرفين، ووجوب السعي في دفع المضار المطلوبة ووجوب السعي في الاحتياط في ذلك ٥.
ومن القياس: أيضًا قياسًا على إيمان المقلد دون أن ينظر في الأدلة وكذلك من يقول: إن معرفة الله ضرورية دون استدلال ولهم أدلة في ذلك ٦.
وتقرير النبي ﷺ للعامة وقبول الشهادة منهم، وما اشتهر في أحاديث
_________________
(١) ١ ابن الوزير: إيثار الحق (ص: ١٩) ٢ سورة فصلت، الآية (٥٢) ٣ سورة الأحقاف، الآية (١٠) ٤ ابن عاشور: التحرير والتنوير (٢٠/ ١٦) ط. دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس. ٥ انظر: ابن الوزير: إيثار الحق (ص: ١٨) ٦ انظرها عند ابن الوزير: المصدر نفسه (ص: ١٩)
[ ٣٠٩ ]
الشفاعة من تقرير إيمان المشفوع لهم بمثاقيل الذر وأدنى أدنى أدنى من ذلك ١.
ولقد اعتمد الشيخ رشيد ﵀ هذا الدليل وأقره، فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ٢. "..ولو نظروا في توقع قرب أجلهم لاحتاطوا لأنفسهم ورأوا أن من العقل والروية أن يقبلوا إنذاره ﷺ لهم لأن خبريته لهم في الدنيا ظاهرة لم يكونوا ينكرونها، وأما خيريته في الآخرة فهي أعظم إذا صدق ما يقرره من أمر البعث والجزاء وهو صدق وحق وإن صح إنكارهم له وما هو بصحيح فلا ضرر عليهم من الاحتياط له، كما قال الشاعر:
قال المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر
أو صح قولي فالخسار عليكما
فالمجنون إذًا من يترك ما فيه سعادة الدنيا باعترافه وسعادة الآخرة ولو على احتمال ضرر تخلفه، لا من يدعو إلى السعادتين أو إلى شيئين يجزمون بأن أحدهما نافع قطعًا والآخر إما نافع وإما غير ضار.
هذا ما دعاهم إليه صاحبهم بكتاب ربهم مؤيدًا بالبراهين العقلية العلمية، لعلهم يعقلون ويعلمون.. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
ومثل هذه الآية التي فسرها الشيخ رشيد على هذا الوجه: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ سورة الأعراف، الآية (١٨٥) ٣ تفسير المنار (٩/ ٤٥٧ - ٤٥٨) ٤ سورة البقرة، الآية (٢٨)
[ ٣١٠ ]
فهذا تخويف بالموت الضروري والمعاد إليه النظري ١ فالعاقل إذا تأمل هذا رجح كفة الإيمان ولولم يكن لديه إلا هذا البرهان، كيف وقد قامت قبل ذلك براهين لا تدفع وحجج لا تمنع.
وفي نهاية كتاب الوحي المحمدي، وقد أورد فيه الشيخ رشيد كل ما استطاع من حجة، على ثبوت نبوة نبينا، ﷺ، ودعا العالم أجمع إلى الإيمان به، ختمه بهذه الآية:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ ٢ ٣.
وهذا ذهاب منه إلى أن هذا الدليل هو الأخير بعد كل ما أورد من الأدلة وتقرير له. فهذا الدليل قد قامت عليه شواهد من العقل والشرع واعتبره الكتاب العزيز، وذهب إليه وقرره بعض أهل العلم وإن رفضه المتكلمون، فإننا نقبله ونعتبره دليلًا صحيحًا معتبرًا في معرفة الله تعالى والإيمان به.
وقد تبين من خلال عرض آراء الشيخ رشيد في المعرفة أنه قد خالف المتكلمين في إيجابهم المعرفة النظرية الجدلية، وأنه أقر النظر الشرعي البسيط المستطاع للكافة وهو النظر القرآني.
وأنه خالفهم في عدم وجوب النظر العقلي المجرد، وخالفهم في إقراره للمعرفة الفطرية التي لا يقرها المتكلمون ٤، وفي تعدد طرق المعرفة، مخالفة للمتكلمين الذين يوجبون طريقًا واحدًا لمعرفة الله تعالى،
_________________
(١) ١ ابن الوزير: إيثار الحق (ص: ١٩) ٢ سورة فصلت، الآيات (٥٢ - ٥٤) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٣٥٦) ٤ راجع عن موقف السلف والمتكلمين من هذه المسألة: "فطرية المعرفة وموقف المتكلمين منها" د. أحمد سعد حمدان.
[ ٣١١ ]
وقد ذكرت انتقاد الشيخ رشيد لطريقتهم وفي هذا الفصل دليل آخر على التطور الفكري للشيخ رشيد - فإنه في الأعداد الأولى من المجلة - وبالتحديد في العدد الثاني كان قد شرع في شرح العقيدة في دروس مسلسلة وبدأ يشرح أدلة المعرفة بناءً على نظرية المتكلمين، معتمدًا على مراجعه كالمواقف للإيجي، والمقاصد للسعد التفتازاني وشرحه لها ١.
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧) و(٢/ ٥٢٢)
[ ٣١٢ ]