لقد تعددت الكتابات حول رشيد رضا، وتنوعت بين بحث علمي وآخر تكميلي، وبين مقالة في مجلة، كما عقد عنه وحوله بعض المؤتمرات العلمية.
فأما البحوث العلمية، فلا يتهيأ لكاتب أن يكتب عن "محمد عبده" دون أن يتحدث بإسهاب عن تلميذه "محمد رشيد رضا " لذلك فإن كل من كتب عن محمد عبده كتب عن رشيد رضا. ومن ذلك ما فعل د. عبد الله شحاته في: "منهج الإمام محمد عبده في تفسير القرآن الكريم" ١، ود. عبد الغفار عبد الرحيم في "الإمام محمد عبده ومنهجه في التفسير" ٢،وكذلك كل من كتب عن "المدرسة العقلية الحديثة" كتب فصلًا عن محمد عبده ومعه فصل آخر عن رشيد رضا، ومن ذلك ما فعل فهد الرومي في "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير" ٣، وفي "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر" ٤، والأمين الصادق في "موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية" ٥، وكل من كتب عن مناهج المفسرين، فإنه لا بد أن يتناول تفسير المنار ببحث فيه ٦. وكل من كتب عن المجددين
_________________
(١) ١ انظر: د. عبد الله شحاته: "منهج الإمام محمد عبده في تفسير القرآن الكريم" (ص: ١٣٣) ط. المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بمصر. ٢ انظر: د. عبد الغفار عبد الرحيم: الإمام محمد عبده ومنهجه في التفسير" (ص: ٣٢٣) ط. المركز العربي للثقافة والعلوم. ٣ انظر: د. فهد الرومي: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير (ص: ١٧٠) ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، الأولى، ١٤٠٨هـ. ٤ انظر: د. فهد الرومي: اتجاهات التفسير (ص: ٨٠٣) ط. بإذن رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، الأولى، ١٤٠٧هـ. ٥ انظر: أمين الصادق: موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية (٢/ ١٨٣ و٢/ ٢١٥ و٢/ ٢٥١)، ط. مكتبة الرشد، الرياض، الأولى ١٤١٨هـ وأرى أنه لا يزال هناك ما يقال في هذا الموضوع فإن الأخ الأمين لم يقل كل شيء. ٦ ومن ذلك: د. محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون (٢/ ٥٥٠) ط. مكتبة وهبة، مصر الأولى ١٤٠٩هـ
[ ٩٧ ]
والمصلحين فإنه يكتب عن رشيد رضا فصلًا في كتابه ١.
وقد كتب عنه أيضًا المستشرقون، فقد كتب عنه جولد تسهير في "مذاهب التفسير الإسلامي" ٢.
وعندما كتب المستشرق آدم متز رسالته الجامعية عن "الإسلام والتجديد"، جعل محورها يدور حول "الأستاذ الإمام" ولكنه فسح المجال لبابين كبيرين تحدث في أحدهما عن "جمال الدين الأفغاني" وفي الآخر عن محمد رشيد رضا ٣.
وقد توالت الكتب الكثيرة في هذه الحقبة الأخيرة عن محمد عبده وتعاليمه، وكلها تقريبًا ترجع إلى مؤلفات "رشيد رضا " وبحوثه وتعده المرجع الأوفى لأستاذه والامتداد الطبيعي لتياره.
وبعد ذلك كله لقد خص رشيد رضا ببحوث علمية كان هو موضوعها ومحورها في عدة مسائل من العلم. منها في التربية والتفسير والإصلاح والسياسة والصحافة والدعوة.
لقد فاقت البحوث التي كتبت عن رشيد رضا ما كتب عن أستاذه عددًا وموضوعًا.
ففي مجال التربية كتب عنه بحثان، الأول: قدم في جامعة أم القرى بعنوان "الفكر التربوي عند محمد رشيد رضا" ٤، وبنفس العنوان قدمت رسالة أخرى لجامعة الأزهر ٥، وفي التفسير قدم حبيب السامرائي لجامعة
_________________
(١) ١ انظر: عبد المتعال الصعيدي: المجددون (ص: ٤٥٠)، ومحمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين (١/ ٢٣٥)، ط. دار القلم، دمشق، الأولى، ١٤١٥هـ. وانظر: د. صالح العبود: عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي (ص:٦٨٣) وما بعدها ط. الجامعة الإسلامية. ٢ انظر: جولد تسهير: مذاهب التفسير الإسلامي (ص: ٣٥٠) ٣ انظر: رجب البيومي: المصدر السابق، نفس الصفحة ٤ كلية التربية ١٤١٣هـ، وهو بحث للماجستير. ٥ كلية التربية.
[ ٩٨ ]
الأزهر حول: "رشيد رضا المفسر" ١، وحصل به على درجة الدكتواره. وفي نفس الجامعة قدم يوسف عبد المقصود بحثه عن "محمد رشيد رضا وجهوده في خدمة السنة" ٢، وفي جامعة الأزهر أيضًا قدم أحمد الشرباصي بحثه للدكتوراه بعنوان "رشيد رضا عصره وحياته وجهوده الأدبية واللغوية" ٣. وهناك أيضًا قدم جودة أحمد جودة بحثه عن مجلة المنار بعنوان "مجلة المنار وأثرها في قضايا الفكر الإسلامي" ٤، وفي مدينة الإسكندرية وكلية الآداب قسم اللغة العربية وآدابها قدم إسماعيل شتا بحثه للدكتوراه بعنوان "محمد رشيد رضا في تفسير المنار وموقفه من حركة التجديد الديني" ٥، بإشراف أستاذي محمد بدري عبد الجليل ٦.
وفي جامعة عين شمس بالقاهرة في كلية الآداب فرع التاريخ قدم أحمد الشوابكة بحثه للدكتوراه عن "محمد رشيد رضا ودوره في الحياة الفكرية والسياسية ٧.
وفي الرياض جامعة الإمام، كلية العلوم وقسم التاريخ، قدم محمد السلمان بحثًا قيمًا عن "رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" وحصل به على درجة الماجستير ٨.
وفيما يتعلق بالعقيدة؛ فقد تقدم عبد الله بن رجاء العصيمي ببحث تكميلي في جامعة الإمام بعنوان "الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه الوحي
_________________
(١) ١ في كلية أصول الدين ١٩٧٠م. ٢ في كلية أصول الدين. ٣ في كلية اللغة العربية ١٩٦٧م لدرجة الدكتوراه. ٤ في كلية أصول الدين. ٥ مكتبة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية سنة ١٩٨٨م. ٦ هو أستاذ البلاغة والنقد في كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، وجامعة بيروت العربية. ٧ انظر: أحمد الشوابكة: محمد رشيد رضا ودوره في الحياة الفكرية السياسية، ط. دار عمار، الأردن، الأولى، ١٤٠٩هـ. ٨ انظر: محمد السلمان: رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ط. مكتبة العلا، الكويت، الأولى، ١٤٠٩هـ.
[ ٩٩ ]
المحمدي" ١ وكما هو واضح أن هذا البحث في موضوع خاص وكتاب خاص.
وأيضًا - في العقيدة - أو بالأحرى "علم الكلام" قدم خليفة عبد الرؤوف بحثًا للماجستير في قسم "الفلسفة الإسلامية"!! بعنوان: "موقف الشيخ رشيد رضا من القضايا الكلامية" ٢.
ولم أستطع الاطلاع على هذا البحث لأحكم عليه، إلا أنني لا أكاد أشك في وجهته من خلال القسم الذي قدم فيه "الفلسفة الإسلامية" والموضوع الذي دار حوله "القضايا الكلامية".
ويبقى هنا كتاب واحد لا يصنف مع البحوث العلمية - باعتراف كاتبه - ولم أكن أنوي ذكره هنا - إلا أن رغبة بعض من حولي مالت بي إلى هذا. هذا الكتاب وباعتراف صاحبه ليس بحثًا علميًا رغم أنه كتب على طرته أنه بحث للماجستير حول رشيد رضا: طود وإصلاح دعوة وداعية، جهاده في خدمة العقيدة، وأثره في الاتجاهات المعاصرة". وأقول إنه ليس بحثًا علميًا لأنه لم يخضع للإشراف العلمي في أي جامعة علمية في العالم ٣. وأيضًا لأنه باعتراف صاحبه - افتقر إلى أهم عنصرين في البحوث العلمية وهما: الوقت والتفرغ والرجوع إلى المصادر الأصلية في موضوع البحث. فإدخال هذا الكتاب ضمن البحوث العلمية ينطوي على التدليس.
_________________
(١) ١ كلية الدعوة، قسم الدعوة والاحتساب ١٤٠٧ هـ. ٢ كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، ١٩٨٩م. ٣ حصل هذا الكاتب وهو المهندس خالد فوزي على بكالوريوس الهندسة ثم التحق بمعهد إعداد الدعاة التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة، ومدة الدراسة فيه سنتان دراسيتان، والذي أفهمه أن هذا الطالب حصل على بكالوريوس العلوم الدينية والماجستير في هذين العامين، وهو ما لا يسمح به نظام التعليم العالي في المملكة العربية السعودية، كما أن هذا المعهد ليس تابعًا لوزارة التعليم العالي، بل هو معهد خاص له هدف خاص. ومن الأدلة على الخطأ في هذا العنوان واضطرابه أن هذا الكتاب طبع من قبل باسم آخر، وقال مؤلفه إن ذلك كان بناءً على طلب الناشر. انظر: (ص: ٣)
[ ١٠٠ ]
فهذا العنوان الطويل، الذي لا يتناسب مع البحوث العلمية الجادة، ولا يمكن لباحث أن يتناول كل موضوعاته هذه إلا إذا قصّر فيها جميعًا تقصيرًا شديدًا، لم يجب فيه صاحب هذا الكتاب عن أي تساؤل ولم يكتشف أي حقيقة، كما قال هو بنفسه ١. والذي منعه عن الإجابة هو "ضيق الوقت وافتقار هذا البحث إلى التحليل العلمي المتخصص الذي يوجد في البحوث التي كثرت مراجعها ومظانها، فلقلة المعرفة وندرة المراجع، والتعتيم الإعلامي الواضح الذي أضفي على شخصية هذا الرجل " ٢، وفيما يتعلق بنتائج البحث يقول: "ولم أصل في هذا البحث إلى غاية منشودة أو أمنية مفقودة، ولكن هذه السطور تضع علامات استفهام كبيرة، وتطرح أسئلة كثيرة نبحث عن إجابتها " ٣.
وحتى لا يظن إن الكاتب قال ما قال من باب التواضع فإنني أذكر أمثلة تدل على صدقه:
الأول: بسبب ضيق الوقت وعدم الاعتماد على المصادر الأصلية وهي هنا مؤلفات رشيد رضا - فقد وقع الكاتب في أوهام عجيبة منها:
أ) - أنه رغم هذا العدد من البحوث العلمية التي كتبت عن رشيد رضا - ورغم أني اقترحت في بحثي هذا أيضًا عدة بحوث حول رشيد رضا - ورغم عدد المقالات التي كتبها طيلة خمس وثلاثين سنة في مجلة المنار، ورغم ما كتب عنه حيًا وميتًا من هذه المقالات قديمًا وحديثًا ٤، وما عقد
_________________
(١) ١ انظر (ص:٨) من كتابه ط. دار علماء السلف، الإسكندرية، الثانية، ١٤١٥هـ. ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ المصدر نفسه. ٤ من المقالات القديمة؛ انظر مثلًا: فريد وجدي: مجلة نور الإسلام (الأزهر) عدد: رجب، ١٣٥٤هـ، ومحمد مصطفى المراغي: (شيخ الأزهر): مجلة المنار (٣٥/ ١٨٦)، ومصطفى عبد الرزاق (شيخ الأزهر): مجلة الرسالة، العدد ٩، (ص: ٦٢٧) سنة ١٩٤٥هـ، عدد يوليو. ومن المقالات الحديثة: انظر: محمد رجائي: رشيد رضا ومجلة المنار: مجلة المؤرخ العربي، العددان ٤١و ٤٢، السنة السادسة عشرة ١٤١٠هـ (ص: ٦١ - ٧٨) ومحمد أبو بكر حميد: الإمام محمد رشيد رضا: منار الإسلام في عصره: مجلة أهلًا وسهلًا السعودية: سنة ١٩، العدد ٨، ربيع الأول: ١٤١٦هـ (ص: ٣٨ - ٤١) وأحمد درنيقة: موقف رشيد رضا من الاستعمار الإيطالي والإنجليزي: مجلة التقوى، لبنان، العدد ٦٦، ربيع الثاني: ١٤١٨هـ (ص: ٣٠ - ٣١)، وكاتب هذه المقالة له مقالات أخرى حول رشيد رضا في المجلة نفسها، كما أن له مؤلفًا حول الشيخ رشيد رضا.
[ ١٠١ ]
حوله من مؤتمرات شارك فيها حيًا أو عقدت عنه بعد وفاته ١. إلا أن المؤلف صاحب الطود يتساءل متعجبًا "عن التعتيم على حياة ومؤلفات رشيد رضا وعدم الاهتمام بها نصف أو ربع بل عشر ما لاقاه من هو دونه" ٢. وعلى كل حال هو لم يجب أيضًا عن هذا السؤال الخطير.
ب) - دعي رشيد رضا إلى حضور "المؤتمر السوري" في "جنيف" لمناقشة مستقبل سورية واستقلاله، عقد هذا المؤتمر في هذه المدينة الأوروبية.
وقد اهتم رشيد رضا - كعادته في رحلاته كلها - بكتابة كل شيء حول هذا المؤتمر - بدءًا من أسبابه وجلساته إلى نتائجه، وكل ذلك في مجلة المنار ٣، إلا أن صاحب"الطود" لم يوافق على أن المؤتمر عقد في جينيف بسويسرا، وربما لأنه "مؤتمر سوري" فلا بد أن يعقد في دمشق ٤، والسبب في ذلك الوهم اعتماده على الوسائط في بحثه.
جـ) - منذ الأعداد الأولى لمجلة المنار نشب صراع صحفي بين مجلة المنار وعدد من الصحف التبشيرية، وحمي وطيس المعركة وأثارت النقع
_________________
(١) ١ عقد حول رشيد رضا مؤتمر أو "حلقة دراسية" في جامعة الزرقاء الأردنية بالتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة بعنوان: "محمد رشيد رضا وجهوده الإصلاحية" اختتم أعماله يوم الأربعاء ٢٨/ ٧/ ١٩٩٩م =١٥ ربيع الآخر ١٤٢٠هـ. انظر: جريدة الشرق الأوسط، السعودية، عدد الأحد، ١/ ٨/ ١٩٩٩م (ص: ١٦) (ص:٩) ٣ انظر: مجلة المنار (٢٣/ ١١٤ - ١٢٠ و٣٨٣ - ٣٩٠و ٤٤١ - ٤٥٩ و٥٥٣ - ٥٦٠ و٦٩٦ - ٨٠٢)، وانظر: صورة شمسية للمؤتمرين عند: يوسف أيبش: رحلات رشيد رضا (ص: ٣٢١) ط. المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت، الثانية: ١٩٧٩م. ٤ انظر: كتابه (ص: ٣٢ - ٣٣)
[ ١٠٢ ]
حتى وصل إلى أنف الحاكم البريطاني في مصر الذي أوعز لرئيس وزرائها بإغلاق مجلة المنار، وكادت أن تغلق المجلة واستدعي رشيد رضا لمقابلة رئيس الوزراء، ولكنه رفض التنازل والتخلي عن رده على المبشرين ولو أغلقت مجلته وعاد إلى بلاده ١، ومع ذلك - وبسبب الاعتماد على المصادر الوسيطة، ادعى المؤلف أن رشيد رضا كان بينه وبين النصارى موالاة وملاينة ٢.
الثاني: وفيما يتعلق بالعقيدة، فقد تناول المؤلف كل جهود رشيد رضا في العقيدة في تسع وتسعين ومائة صفحة فلم يكن لتوحيد الربوبية أي نصيب، وحظي توحيد الألوهية بخمس صفحات، وكان أسعد المباحث حظًا مبحث الصفات، فقد فاز بسبع وأربعين صفحة تتبع فيها آيات الصفات في التفسير - كما فعل المغراوي - ٣، وتوصل إلى نتائج عجيبة منها أنه ادعى أن رشيد رضا أثبت الوجه لله تعالى معتمدًا على آية يرى رشيد رضا أنها ليست من آيات الصفات أصلًا ٤.
وبناءً على ذلك لا أعتبر هذا المؤلف من البحوث العلمية التي دارت حول رشيد رضا، وأعتقد أن إدخاله فيها ينطوي على التدليس.
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (١٧/ ٤٧٨) ٢ انظر: كتابه (ص: ٥٥) ٣ انظر: المفسرون بين التأويل والإثبات (١/ ٢٦٢) وما بعدها ط. دار طيبة الرياض الأولى ١٤٠٥هـ ٤ انظر: كتابه (ص: ١٠٩ - ١١٠)
[ ١٠٣ ]