قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٦، ومعنى فادعوه بها: أي سموه بها وأجروها عليه واستعملوها فيه دعاء ونداءً ٧.
والإلحاد في أسمائه تعالى هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق
_________________
(١) ٦ سورة الأعراف، الآية (١٨٠) ٧ انظر: أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٣/ ٢٩٦)، والسيوطي: تفسير الجلالين مع حاشية الجمل (٢/ ٢١٣)، وصديق حسن خان: فتح البيان (٣/ ٤٦٥)
[ ٣٥٦ ]
الثابت لها ١. وأصل الإلحاد: الميل والعدول عن الشيء ٢، واللحد حفرة مائلة عن الوسط ٣، وألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل ٤.
وعرّف رشيد رضا الإلحاد لغة بمثل ذلك فقال: "وأما الإلحاد فمعناه العام: الميل والازورار ٥ عن الوسط حسًا أو معنى ومنه: لحد القبر للميت: وهو ما يحفر في جانب القبر من جهة القبلة مائلًا عن وسطه ويسوى ببناءٍ ونحوه ويوضع فيه الميت.. ومن كلامهم: ألحد السهم الهدف أي مال في أحد جانبيه ولم يصب وسطه" ٦.
ويعرّف الشيخ رشيد رضا الإلحاد في أسماء الله تعالى تعريفًا شرعيًا فيقول: "الإلحاد في أسمائه تعالى التكذيب بها، وإنكار معانيها وتحريفها بالتأويل ونحوه، وتسميته تعالى بما لم يسمِ به نفسه وبما لا يليق بكماله وجلاله، وإشراك غيره به فيها - وهذان قسمان: إشراك في التسمية: وهو يقصر على الأسماء الدالة على معاني الألوهية والربوبية وخصائصها. وإشراك في المعاني وهي قسمان: معانٍ خاصة بالإلهية والربوبية، ومعانٍ غير خاصة في نفسها وإنما الخاص به تعالى كمالها.." ٧.
ويفصل الشيخ رشيد هذا المعنى مع التمثيل ليزداد وضوحًا، فقد بيّن سبعة أنواع من الإلحاد في أسمائه تعالى هي كما يلي ٨:
الأول: التغيير فيها لوضعها لغيره تعالى مما عبد من دون الله كما قالوا
_________________
(١) ١ ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٩) ٢ ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٣٦) ٣ الراغب: المفردات (مادة لحد، ص: ٧٣٧) ٤ الرازي: مختار الصحاح، لحد (ص: ٢٤٧) ٥ ازورّ عن الشيء ازورارًا أي: عدل عنه وانحرف. انظر: الرازي: مصدر سابق (ص: ١١٧) ٦ تفسير المنار (٩/ ٤٤١) ٧ تفسير المنار (٩/ ٤٤٢) ٨ المصدر نفسه (٩/ ٤٤٢ - ٤٤٨) وقد نقلت ذلك بتصرف واختصار، وقارن مع ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٩ - ١٧٠)
[ ٣٥٧ ]
في "اللات" فإنهم أنثوا به اسم الجلالة "الله" و"العزى" أنثوا به "العزيز" و"مناة" أنثوه من اسمه "المنان".
الثاني: تسميته بما لم يسمِ به نفسه في كتابه أو ما صح من حديث رسول الله ﷺ أو ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا بد من مستند منهما ١.
الثالث: ترك تسميته بما سمى به نفسه أو وصفه بما وصفها به، أو ترك إسناد ما أسنده لنفسه من الأفعال - بناءً على أن ذلك لا يليق به تعالى - كأن هؤلاء الملحدين أعلم منه تعالى ومن رسوله كامتناع بعض المبتدعة من ذكر بعض الآيات والأحاديث في صفات الله تعالى التي زعموا وجوب عدم ذكرها في عقائدهم إلا مقرونة بالتأويل.
الرابع: تحريف أسمائه وصفاته تعالى عما وضعت له بضروب من التأويل تقتضي التشبيه أو التعطيل.
الخامس: إشراك غيره بما هو خاص به من أسمائه باللفظ كاسم الجلالة "الله" و"الرحمن" و"رب العالمين"، وما في معناه من الإضافات كرب السموات والأرض ورب الكعبة. وهذا النوع إشراك في اللفظ ويستلزم الإشراك في المعنى.
السادس: إشراك غيره تعالى في معاني أسمائه دون ألفاظها، وذلك بأن يكون لهذا المعنى الخاص بالله تعالى لفظ يدل عليه، فيحيدون ويلحدون عن هذا اللفظ إلى آخر مع إثبات معناه لغيره تعالى، ومثّل له رشيد رضا بلفظ "الوسيلة" فهو يطلق على بعض الصالحين الذين يقصدون لقضاء الحاجات من دون الله تعالى أو معه سبحانه، فالوسيلة هنا بمعنى الإله، إذ معناه المعبود، والدعاء مخ العبادة، أو بمعنى الرب المدبر للأمر، فهذا "الوسيلة" يدعى من دون الله فيأخذ معنى اسم من أسمائه تعالى، ويطلق عليه اسم آخر زيادة في الإلحاد والتمويه. وقد أشار الشيخ محمد بن
_________________
(١) ١ انظر ابن عبد البر: جامع بيان العلم (٢/ ٩٦)
[ ٣٥٨ ]
عبد الوهاب إلى هذا المعنى في بعض رسائله، ولكنه مثل بكلمة "السيد" ١. فهذا إلحاد في معاني الأسماء دون ألفاظها.
السابع: إشراك غيره في كمال أسمائه أو تفضيله على اسمه تعالى، كمن يزعم أن لغيره تعالى رحمة كرحمته أو أشد، أو سمعًا كسمعه، وإجابة كإجابته للداعين أو أشد، كالذين يدعون غير الله تعالى من الموتى، ويعتقدون أنهم اقرب وأسرع في إجابتهم من الله تعالى، فيجمعون بين شركين: شرك دعاء غير الله تعالى، والكفر به بتفضيل غيره عليه سبحانه في سرعة الإجابة ٢.
هذه هي الأوجه التي بينها رشيد رضا في أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى وهو في ذلك متأثر بابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب ٣، كما أن في تفصيله ذلك تحقيقات لم يسبق إليها على هذا النحو من البيان رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر: محمد بن عبد الوهاب: الدرر السنية (١/ ٧٠) ط. الخامسة، سنة ١٤١٣هـ=١٩٩٢م. وانظر أيضًا: محمد بن عبد الوهاب: تفسير كلمة التوحيد (ضمن الجامع الفريد/ ص:٢٥٤) ٢ وأورد الشيخ مثلًا وهو حكاية وقعت له مع امرأة عامية مصرية كانت تدعو وتستغيث بأحد المقبورين فتقول: يا متبولي يا متبولي، فقال لها: لماذا تدعين المتبولي، ولا تدعين الله، فقالت بالعامية: المصرية: "المتبولي ما يستناش" أي لا يمهل ولا يتأخر في إجابة من دعا. انظر: تفسير المنار (٩/٤٤٨) ٣ وقد أشرت في الحواشي إلى مقارنة كلام رشيد رضا بكلام ابن القيم الذي اطلع رشيد رضا على كتابه " بدائع الفوائد" كما أنه اطلع على كتاب كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب. انظر: (ص: ١٨٢) من هذا البحث.
[ ٣٥٩ ]