مدخل: في تقسيم التوحيد عند رشيد رضا:
تقسيم التوحيد هو تقسيم نظري شرعي دليله الاستقراء، وسار عليه السلف والخلف ١، فبعضهم قسمها إلى قسمين، الأول: توحيد المعرفة والإثبات، والثاني: توحيد القصد والطلب ٢. وأكثرهم قسمه إلى ثلاثة: الأول: توحيد الربوبية، والثاني: توحيد الأسماء والصفات، والثالث: توحيد الألوهية ٣. وكل هذه الأقسام متلازمة في الشرع لا يكون المرء موحدًا حتى يأتي بها جميعًا وتتحقق فيه. قال المقريزي ٤: ".. فلا ولي ولا حكم ولا رب إلا الله الذي من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيته ولو وحد ربوبيته،
_________________
(١) ١ انظر: ابن منده (ت: ٣٩٥): التوحيد (١/ ٦١ ـ١١٦) ط. الجامعة الإسلامية، الأولى ١٤١٣هـ. وقد روى عن أبي يوسف ﵀ أثرًا فيه هذا التقسيم. انظر: التوحيد (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٦)، والمقريزي (ت: ٨٥٤): تجريد التوحيد ط. الجامعة الإسلامية، الثالثة ١٤٠٩هـ. (ص: ٧ و٨ و٩)، ومحمد بن عبد الوهاب: الدرر السنية (٢/٦٨ـ٦٩) ط. الخامسة ٢ انظر: ابن القيم: مدارج السالكين (٣/ ٤٤٩) ط. دار الفكر، بيروت، الأخيرة ١٤٠٨هـ ت: حامد الفقي ٣ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٧٨) وما بعدها ط. المكتب الإسلامي. ٤ هو: تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر، ولد بالقاهرة، وولي حسبتها عدة مرات، وكان على مذهب السلف، حسن المعتقد ﵀ ت: ٨٥٤. انظر: الزركلي: الأعلام (١/ ١٧٧)
[ ٢٤٩ ]
فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق ولهذا كانت كلمة الإسلام: لا إله إلا الله، ولو قال: لا رب إلا الله لما أجزأه عند المحققين " ١.
وسار الشيخ رشيد في هذا على مذهب أهل السنة في تقسيم التوحيد إلى ربوبية، وألوهية، وصفات. واطرد ذلك في كلامه. ولا بد أن الشيخ رشيد - وقد وقف على مؤلفات شيخ الإسلام - وابن القيم والمقريزي قد وجد فيها هذا التقسيم فمشى عليه باعتباره مذهب السلف.
ففي الخلاصة الإجمالية لسورة "هود" يلخص الشيخ رشيد هذه الخلاصة ستة أبواب: الأول: في توحيد الله تعالى؛ ويجعل تحته فصولًا، الأول: في توحيد الربويبية والألوهية، والثاني: في صفاته تعالى ٢. ويعرف توحيد الألوهية قائلًا: " الإله هو المعبود الذي يتوجه إليه بالدعاء والتأله والخشوع الخاص " ٣، ويقول إنه: "أول ما دعا إليه محمد رسو ل الله ﷺ وخاتم النبيين وأول ما دعا إليه جميع من قبله من رسل الله عزوجل "٤.
وأما توحيد الربوبية فيقول عنه: "والرب هو الخالق المربي والمدبر لعباده، والمتصرف فيهم بذاته ومقتضى حكمته ونظام سننه وكان أكثر مشركي العرب ومن قبلهم من أقوام الأنبياء يؤمنون بأن الرب الخالق المدبر واحد، وإنما يقولون بتعدد الآلهة التي يتقرب إليها توسلًا إلى الله وطلبًا للشفاعة عنده، وكانت الأنبياء تقيم الحجة عليهم بأن توحيد الربوبية يقتضي توحيد الألوهية، إذ العبادة لا تصح ولا تنبغي إلا للرب وحده " ٥.
ومن الأصول والأسس التي بينتها آيات القرآن - كما يقول الشيخ
_________________
(١) ١ تجريد التوحيد (ص: ٨) ٢ انظر: تفسير المنار (١٢/ ١٩٨) وما بعدها وقد كرر الشيخ رشيد ذلك عدة مرات في عدة سور. انظر: تفسير المنار (٩/ ٥٥٩ و١٠/ ١١٨ و١١ / ٩٨و ١١/ ٤٩٤ وما بعدها) ٣ تفسير المنار (١٢/ ١٩٩) ٤ المصدر نفسه (١٢/ ١٩٨) ٥ المصدر نفسه (١٢/ ١٩٩ - ٢٠٠)
[ ٢٥٠ ]
رشيد ـ: "توحيد الألوهية بعبادة الله تعالى وحده، مع ملاحظة توحيد الربوبية.." ١. وأما تعريف الشيخ لهذين النوعين فسيأتي في موضعه إن شاء الله وإنما الغرض الآن بيان تقسيمه للتوحيد.
وعند قوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢ قال الشيخ رشيد: "أقول: المراد بهذا تقرير وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، وكلاهما متفق عليه بين الأنبياء "٣. ويقول في موضع آخر مصرحًا بهذه القسمة: "ولما كان التوحيد الذي هو لباب الدين وروحه نوعين: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية بين كلًا منهما بالآيات والبراهين " ٤.
ودليل هذا التقسيم كما هو واضح من كلام الشيخ رشيد عند تفسيره للآيات وذكره لخلاصة السور هو استقراء آيات القرآن الكريم. وإذًا فهو تقسيم شرعي لأن مستنده الشرع، وليس مجرد اصطلاح ٥. وقد أشار إليه - أعني هذا التقسيم - علماء السلف وقرره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والمقريزي ٦. ومع ذلك فقد رفض هذا التقسيم قوم من أهل البدع وأنصارها وادعوا أنه تقسيم مبتدع - رغم وجوده في الكتاب العزيز - ومن هؤلاء: الخصم الأول للشيخ رشيد رضا: وهو الشيخ يوسف الدجوي مفتي مجلة الأزهر "نور الإسلام" فقد انتقد على الشيخ رشيد تقسيمه هذا وحمل عليه في مجلته ٧.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (١/ ١٨٣) ٢ سورة آل عمران، الآية (٦٤) ٣ تفسير المنار (٣/ ٣٢٥) ٤ المصدر نفسه (٨/ ٢٧٢) ٥ انظر: عبد الرزاق العباد: القول السديد (ص: ١٨) وما بعدها. ٦ انظر: الفتاوى (١: ٢٣)، ومدارج السالكين (٣/ ٤٤٩) . وقد سبق النقل عن المقريزي وابن القيم. ٧ انظر: الدجوي: مجلة نور الإسلام (الأزهر): السنة الرابعة (ص: ٢٥٥) وقد رد الشيخ عبد الرزاق العباد على إنكار تقسيم التوحيد ببحث نفيس. انظر: القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد ط. دار ابن عفان، الأولى ١٤١٧هـ.
[ ٢٥١ ]