١- تمهيد:
أطلق القرآن الكريم لفظ المشركين على عبّاد الأوثان والأصنام، وقد أصبح هذا اللفظ علمًا عليهم يميزهم عن بقية الأديان الأخرى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ ٣.
وقال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الحج الآية: ١٧. ٢ سورة البقرة الآية: ١٠٥. ٣ سورة آل عمران الآية: ١٨٦. ٤ سورة المائدة الآية: ٨٢.
[ ٢ / ٨٠١ ]
ففي هذه الآيات، نرى أن القرآن قد ميز أهل الكتاب –على ما فيهم من ضلال وباطل- عن عبدة الأوثان والأصنام.
قال صاحب المغني: "وسائر آي القرآن الكريم يفصل بينهما، فدلّ على أن لفظ المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب"١.
وقال القرطبي في هذا الخصوص: "ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه"٢.
ووصف القرآن الكريم لعبدة الأوثان والأصنام على لسان الرسول ﷺ بالمشركين فيه تسفيه لعقولهم، وأنّ عبادتهم تلك باطلة وفاسدة؛ لأنها مبنية على الجهل والضلال، وفيه الدعوة لهم إلى تحكيم عقولهم، والنظر إلى معبوداتهم بعين الازدراء والاحتقار، وأنْ يخلصوا العبادة لرب الأرباب، والذي بيده الخير والعطاء والمنع والحرمان.
ولتلوث المشركين بهذه العبادات القذرة، أصبحوا نجسًا، فلا يحلّ لهم دخول المسجد الحرام، ولا تجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم، ولا الاستغفار لهم.. وكان لا بدّ من قتالهم ونقض عهودهم، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، قال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ المغني لابن قدامة ٦/٥٩٠. ٢ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣/٦٩. ٣ سورة التوبة الآية: ٣٣.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
٢- لا يحل لهم دخول المسجد الحرام واعتبارهم نجس:
وقد أصبح المسجد الحرام خاصًا بالمسلمين؛ لأنه مكان لعبادة الله وحده، فلا يجوز عبادة أحد مع الله فيه، ولذلك أمر الله المؤمنين بإبعاد المشركين عن المسجد الحرام، وألاّ يقربوه بعد نزول هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وقد بعث رسول الله ﷺ عليًا مع أبي بكر ﵄ سنة تسع من الهجرة، وأمره أن ينادي في المشركين أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان٢.
يقول سيد قطب ﵀: "إنّما المشركون نجس.. فهم بكليتهم وبحقيقتهم نجس، يستقذره الحس، ويتطهر منه المتطهرون، وتلك غاية في
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ٢٨. ٢ انظر: صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/٣١٧ كتاب التفسير، باب ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، وباب ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ . وصحيح مسلم ٢/٩٨٢ كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، حديث: ٤٣٥.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
تحريم وجودهم بالمسجد الحرام، حتى لينصبَّ النهي على مجرد القرب منه، ويعلل سيد قطب بأنهم نجس، وهو عدم الطهور، ولكن الموسم الاقتصادي الذي ينتظره أهل مكة والتجارة التي يعيش عليها معظم الظاهرين في الجزيرة، ورحلة الشتاء والصيف، التي تكاد تقوم عليها الحياة، إنها كلها ستتعرض للضياع بسبب منع المشركين من الحج، وبإعلان الجهاد على المشركين كافة، نعم ولكنها العقيدة، والله يريد أن تخلص القلوب كلها للعقيدة، وبعد ذلك فالله هو المتكفل بأمر الرزق من وراء الأسباب المعهودة المألوفة، وحين يشاء الله يستبدل أسبابًا بأسباب، وحين يشاء يغلق بابًا ويفتح الأبواب"١.
نوعية نجاسة المشرك:
اختلف العلماء في نجاسة المشرك هل هي حسية أو معنوية؟
فذهب أهل الظاهر إلى نجاسة أبدانهم٢، وروى صاحب الكشاف عن ابن عباس ﵄ أنّ أعيانهم نجسة، كالكلاب والخنازير٣.
وقال الحسن البصري: "من صافح مشركًا فليتوضأ"٤.
_________________
(١) ١ انظر: في ظلال القرآن ٤/١٦٧. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٣٧١. ٣ الكشاف ٢/١٨٣. ٤ تفسير ابن جرير ١٠/١٠٦، والقرطبي ٨/١٠٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٣/٤١٧.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز١.
واستدلوا بظاهر الآية الكريمة، وما جاء في الحديث الصحيح: "إن المؤمن لا ينجس" ٢.
وقد رجح هذا الرأي الفخر الرازي٣ والألوسي٤.
وذهب الجمهور إلى أنّ ذلك على التشبيه، أي هم بمنزلة النجس أو كالنجس لخبث اعتقادهم، وكفرهم بالله، جعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغة في وصفهم بها.
وأجابوا عن الحديث بأنّ المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء، لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن النجاسة.
وعن الآية الكريمة بأنّ المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجتهم أنّ الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أنّ عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابية
_________________
(١) ١ زاد المسير لابن الجوزي ٣/٤١٧. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/٣٩١ كتاب الغسل، باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره. ومسلم ١/٢٨٢ كتاب الحيض، باب الدليل على أنّ المسلم لا ينجس، حديث رقم: ١٥. ٣ التفسير الكبير ٢٦/٢٤. ٤ روح المعاني ١٠/٧٦.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدلّ على أنّ الآدمي الحي ليس بنجس العين، إذ لا فرق بين النساء والرجال١.
والمشركون أنجاس فاسدوا الاعتقاد، يشركون بالله ما لا يضر ولا ينفع، ويعبدون الرجس من الأوثان والأصنام، ويدينون بالخرافات والأوهام، ويأكلون الميتة والدم وهي أقذار حسية، ويستحلون القمار والزنا..
وهم لا يجتنبون النجاسات ولا يتطهرون، فالنجاسة ملازمة لهم حسًا ومعنًا، من أجل ذلك لا يصح أنّ يدخلوا أرض الحرم، فضلًا عن دخول البيت نفسه، وطوافهم فيه عراة، ويشركون بربهم في التلبية، وإذا صلوا لم تكن صلاتهم إلا مكاء وتصدية.
وهنا أودّ أن أذكر قصة أم حبيبة زوج النبي ﷺ مع أبيها أبي سفيان، "لقد جاء أبو سفيان -قبل أن يسلم- من مكة إلى المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش الرسول ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت رجل مشرك نجس "٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري لابن حجر ١/٣٩٠. ٢ المغازي للواقدي ٢/٧٩٢-٧٩٣، وسيرة ابن هشام ٢/٣٩٦، وتاريخ الطبري ٣/٤٦، والطبقات لابن سعد ٨/٩٩-١٠٠، وصفة الصفوة لابن الجوزي ١/٣٥٨، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٧٩.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
وقد فعلت ذلك ﵂ لقوة إيمانها بالله تعالى، وشدة محبتها لرسوله ﷺ.
لا يجوز لهم عمارة المسجد الحرام:
وكما منع القرآن الكريم المشركين من دخول المسجد الحرام، منعهم من عمارة سائر المساجد، لأنهم يشركون مع الله غيره في عباداتهم.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
والمعنى أنه لا يصح ولا يليق بالمشركين أنْ يعمروا شيئًا من مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده، ومن أعظم المساجد بيت الله الحرام، فلا يجوز لهم الإقامة فيه للعبادة، أو الخدمة والولاية عليه، ولا أنْ يزوروه حجاجًا أو معتمرين، وهم شاهدين على أنفسهم بالكفر، ناطقين به بأقوالهم وأفعالهم، وذلك أنه لا يستقيم لهم أنْ يجمعوا بين أمرين متناقضين:
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآيتان: ١٧-١٨.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
عمارة المسجد الحرام، والإشراك بالله والكفر به وبعبادته.
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾، أي: أولئك المشركون بالله تعالى، الكافرون بما جاء به رسوله ﷺ، قد بطلت أعمالهم التي كانوا يفخرون بها من عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج، ونحو ذلك مما كانوا يعملونه في الدنيا، بسبب مخالطتها للشرك بالله تعالى، وهم في نار جهنم ماكثون أبدًا لا أحياء ولا أمواتًا، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ بيان من الله تعالى أنّ المستحقين لعمارة المساجد هم الجامعون بين الإيمان بوحدانية الله تعالى على الوجه الذي بينه في كتابه، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه عباده، ويجزي كل نفس ما كسبت، مع إقامة الصلاة المفروضة على وجه جامع بين أركانها وشروطها وسننها وآدابها، وإعطاء زكاة الأموال لمستحقيها من الفقراء والمساكين، وبقية المستحقين لها، وخشية الله دون غيره مما لا ينفع ولا يضر، كالأصنام وغيرها.
وقوله: ﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾، قال ابن عباس: "إنّ أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه ﷺ ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ
[ ٢ / ٨٠٨ ]
رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ ١، وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن، فهي واجبة"٢.
ويستمر السياق مخاطبًا مشركي قريش، منكرًا عليهم وموبخًا لهم، أنْ تكون سقاية الحجيج، وسدانة بيت الله الحرام، كإيمان من آمن بالله وجاهد في سبيله.
قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٣.
جاء في سبب نزول الآية عن ابن عباس ﵄ قال: قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، ونفك
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٧٩. ٢ تفسير ابن جرير الطبري ١٠/٩٤، وتفسير ابن كثير ٢/٣٦٥. ٣ سورة التوبة الآيتان: ١٩-٢٠.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
العاني، فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ﴾ الآية١.
وأخرج مسلم عن النعمان بن بشير قال: "كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألا أعمل لله عملًا بعد الإسلام إلا أنْ أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلتُ على رسول الله ﷺ لأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة فاستفتاه، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ﴾ الآية"٢.
والمعنى أجعلتم يا معشر المشركين أو يا من تنازعتم من المؤمنين -أي الأعمال أفضل- سقاية الحجيج وسدانة بيته العتيق، كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله؟ وذلك أنّ السقاية والعمارة وإن كانتا من أعمال الخير والبر، فإنّ أصحابهما لا يدانون ولا يساوون أهل الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله في علو المرتبة وشرف المنزلة، فضلًا عن أن
_________________
(١) ١ لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص: ١١٥، وأسباب النزول للواحدي ص: ١٣٩، وتفسير الطبري ١٠/٩٥، وتفسير ابن كثير ٢/٣٦٦. ٢ صحيح مسلم ٣/١٤٩٩ كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله، حديث رقم: ١١١.
[ ٢ / ٨١٠ ]
يفضلهما كما يزعم كبراء مشركي قريش.
﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، لأنّ المشركين ظلموا أنفسهم بعدم الإيمان بوحدانية الله، وظلموا المسجد الحرام، حيث جعلوه متعبدًا لأوثانهم، وأما الذين طهروا أنفسهم من دنس الشرك بالإيمان بالله وحده، وتركوا دورهم وديارهم وجاهدوا في دين الله بأموالهم وأنفسهم، أعظم درجة عند الله وأرفع منزلة عنده من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام مع الإشراك بالله تعالى.
وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بالإيمان والهجرة والجهاد في سبيله، هم الفائزون بالجنة، الناجون من النار يوم القيامة.
[ ٢ / ٨١١ ]
٣- تحريم نسائهم وذبائحهم:
ولما كان الزواج سكينة ومودة، فإنه لا يمكن أن يكون بين طرفين متناقضين متباعدين، لذلك حرّم الإسلام الزواج من المشركين.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ ١.
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي، وقيل: في مرثد بن أبي مرثد، واسمه كناز بن حصين الغنوي، بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة سرًا ليخرج رجلًا من أصحابه، وكانت له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: "عناق" فجاءته فقال لها: إنّ الإسلام حرم ما كان في الجاهلية، قالت: فتزوجني، قال: حتى أستأذن رسول الله ﷺ، فأتى النبي فاستأذنه، فنهاه عن التزوج بها لأنه كان مسلمًا وهي مشركة٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢٢١. ٢ رواه الواحدي في أسباب النزول ص: ٣٩، وزاد المسير لابن الجوزي ١/٢٤٥، وأسباب النزول للسيوطي ص: ٤٢، والجامع لأحكام القرآن ٣/٦٧، وروح المعاني للألوسي ٢/١١٧.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وروى السدي عن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع، فأتى النبي ﷺ فأخبره بخبرها، فقال النبي ﷺ: "ما هي يا عبد الله؟ قال: يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: هذه مؤمنة، فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ﴾ الآية١.
ومعنى الآية الكريمة أي: ولا تتزوجوا أيها المسلمون بالوثنيات حتى يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، ولأمة مملوكة مؤمنة بالله ورسوله خير وأفضل من حرة مشركة، ولو أعجبتكم المشركة بجمالها ومالها، وسائر ما
_________________
(١) ١ انظر: أسباب النزول للواحدي ص: ٣٩، وتفسير الطبري ٢/٣٧٨، وتفسير ابن كثير ١/٢٦٧، وروح المعاني للألوسي ٢/١١٨، وزاد المسير لابن الجوزي ١/٢٤٥-٢٤٦، وأسباب النزول للسيوطي ص: ٤٢.
[ ٢ / ٨١٣ ]
يوجب الرغبة فيها من حسب أو نسب أو جاه وغيره، ولا تُزوجوا أيها المسلمون بناتكم من المشركين حتى يؤمنوا بالله وبرسوله محمد ﷺ، ولأن تزوجوا بناتكم من عبد مؤمن، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، مهما أعجبكم في الحسب والنسب والجمال؛ لأن المشركين والمشركات الذين حرمت عليكم مصاهرتهم ومناكحتهم يدعونكم إلى ما يوصلكم النار من الكفر والفسوق والعصيان، فحقكم ألا تتزوجوا منهم ولا تزوجوهم.
وذلك لأن الله تعالى يريد بكم الخير، ويدعوكم إلى ما فيه سعادتكم، وهو العمل الذي يوجب الجنة ومغفرة الذنوب، ويبين الله لكم حججه وأدلته لتتذكروا وتميزوا بين الخير والشر، والطيب والخبيث.
ومن الآية يتبين لنا أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج بمشركة، كما لا يجوز للمسلمة أن تتزوج بمشرك؛ للاختلاف الشاسع بين من يعبد الله وحده ويؤمن برسوله، ومن يعبد الأصنام والأوثان.
استثناء الكتابيات:
هذا وقد خص من هذا العموم إباحة نكاح الكتابيات لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا
[ ٢ / ٨١٤ ]
آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ﴾ ١.
وبما روي أن عثمان ﵁ تزوج نائلة الكلبية، وهي نصرانية على نسائه، وأن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية من أهل الشام، ولم ينقل أن أحدًا من الصحابة أنكر ذلك، فعلم أنهم متفقون على جواز نكاح الكتابيات٢.
أما ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه لا يرى ذلك، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٣، ويقول: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول ربها عيسى أو عبد من عبيد الله، فقد أجاب الجمهور أن ظاهر لفظ المشركات إنما يتناول عند الإطلاق عبدة الأوثان، ولا يدخل فيه أهل الكتاب بدليل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٥. ٢ انظر: المغني لابن قدامة ٦/٥٨٩، وأحكام القرآن للجصاص ٣/٣٢٤. ٣ سورة البقرة الآية: ٢٢١. ٤ سورة البينة الآية: ١.
[ ٢ / ٨١٥ ]
خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وفي سائر آي القرآن الكريم يفصل بينهما، فدل على أن لفظة "المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب"٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإنْ قيل: فقد وصفهم الله بالشرك في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
قيل: إنّ أهل الكتاب ليس في أصل دينهم شرك، فإنّ الله إنما بعث الرسل بالتوحيد، فكل من آمن بالرسل والكتب لم يكن في أصل دينهم شرك، ولكن النصارى ابتدعوا الشرك، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا
_________________
(١) ١ سورة البينة الآية: ٦. ٢ سورة البقرة الآية: ١٠٥. ٣ المغني لابن قدامة ٦/٥٩٠. ٤ سورة التوبة الآية: ٣١.
[ ٢ / ٨١٦ ]
يُشْرِكُونَ﴾، فحيث وصفهم بأنهم أشركوا، فلأجل ما ابتدعوه من الشرك الذي لم يأمر الله به، وجب تمييزهم عن المشركين"١.
والقول الراجح في هذا: هو ما ذهب إليه الجمهور، من جواز نكاح الكتابيات لوضوح الدليل، ولعل ابن عمر كره الزواج منهن خشية على الزوج أو على الأولاد من الفتنة، فإنّه إذا كان كذلك فإنّ الزواج لا يجوز، أما إذا لم يكن هناك خطر من فتنة على الزوج والأولاد، أو كان هناك طمع في إسلامها، فلا وجه للقول بالمنع والله أعلم.
تحريم ذبائحهم:
وأما ذبائح المشركين، فهي محرمة، لأنهم يذبحونها لغير الله تعالى، قال ﷿: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ ﴾ ٢.
قال ابن كثير ﵀:" ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ هو: ما ذبح على غير اسم الله تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك، مما كانت
_________________
(١) ١ الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٣٢/١٧٩. ٢ سورة البقرة الآية: ١٧٣.
[ ٢ / ٨١٧ ]
الجاهلية ينحرون له"١.
وقال القرطبي ﵀: "ولا خلاف بين العلماء أن ذبيحة المجوسي لناره، والوثني لوثنه لا يؤكل"٢.
وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للُعبها عرسًا فنحرت جزورًا، فقال الحسن: لا يحل أكلها، فإنها إنما نحرت لصنم٣.
كما أورد القرطبي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم، فيهدون منه للمسلمين، فقالت: "ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم"٤.
واستدل ابن كثير ﵀ بتحريم طعام المشركين لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ ٥، حيث قال: "فدل بمفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان الأخرى لا يحل"٦.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ١/٢١١. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٢/٢٢٣. ٣ المرجع السابق ٢/٢٢٤. ٤ المرجع السابق والصفحة. ٥ سورة المائدة الآية: ٥. ٦ تفسير ابن كثير ٢/٢١.
[ ٢ / ٨١٨ ]
ومن الأدلة على تحريم ذبائح المشركين قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١.
قال الطبري ﵀: "يعني بقوله جل ثناؤه ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾: لا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات فلم تذبحوه أنتم أو يذبحه موحدون لله بشرائع شرعها له في كتاب منزل، فإنه حرام عليكم، ولا ما أهل به لغير الله، مما يذبحه المشركون لأوثانهم، فإنّ أكل ذلك فسق، يعني معصية.."٢.
ومن هذا نرى أنّ الآية الكريمة قد بينت أنه لا يجوز للمسلمين أن يأكلوا مما أهل لغير الله به، وهو ما ذبحه المشركون لأوثانهم، وإن أكل شيء من ذلك فسق ومعصية لله تعالى، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ..﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٢١. ٢ تفسير الطبري ٨/١٥. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٤٥.
[ ٢ / ٨١٩ ]
قال صاحب المغني ﵀: "وسائر الكفار غير أهل الكتاب كمن عبد ما استحسن من الأصنام والحجارة والشجر والحيوان، فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم"١.
وذكر ابن القيم ﵀ أن ذلك "اتفاق من الصحابة ﵃"٢.
_________________
(١) ١ المغني لابن قدامة ٦/٥٩٢. ٢ أحكام أهل الذمة ١/١٠ تحقيق صبح الصالح الطبعة الثانية ١٤٠١؟.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
٤- عدم الاستغفار لهم:
وبيّن القرآن الكريم أنه لا يصح ولا يجوز الاستغفار للمشركين بعد إصرارهم على الشرك وموتهم على ذلك.
قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ١.
وفي الصحيحين عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: "أي عم قل لا إله إلاّ الله كلمة أحاج لك بها عند الله ﷿" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فقال: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآيتان: ١١٣-١١٤.
[ ٢ / ٨٢١ ]
يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية١.
ونزلت: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ٢.
والمعنى: أنه لا ينبغي ولا يصح من النبي ﷺ ولا من المؤمنين أن يطلبوا من الله المغفرة للمشركين، ولو كان المشركون أقرباء، لهم حق البر والصلة، من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أصحاب النار لموتهم على الشرك والكفر.
ثم أجاب القرآن الكريم عن سؤال قد يختلج بالخاطر، فيقال كيف يمنع النبي والمؤمنون من الاستغفار لأقربائهم، وقد استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه.
فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾، أي: إنما كان استغفار إبراهيم لأبيه بقوله: ﴿وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٧/١٩٣ كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، و٨/٣٤١ كتاب التفسير، باب ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . ومسلم ١/٥٤ كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزاع. وأحمد ٥/٤٣٣. ٢ سورة القصص الآية: ٥٦. ٣ سورة الشعراء الآية: ٨٦.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
إلا من أجل وعد تقدم له بقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، وهذا الاستغفار إنما كان قبل أن يتحقق إصراره على الشرك ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾، أي: فلما تبين لإبراهيم أنّ أباه مصر على الكفر مستمر على الضلال، تبرأ منه بالكلية، فضلًا عن الاستغفار له، كما قال تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ ١.
ثم بيّن الله تعالى سببًا آخر في حمل إبراهيم ﵇ على الاستغفار لأبيه، وهو فرط ترحمه وصبره على أبيه، حيث وصفه ربه ﵎ بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾، أي: كثير التأوه من فرط الرحمة والمبالغة في خشيته، صبور على الأذى من أبيه الذي توعده بقوله: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة المجادلة الآية: ٢٢. ٢ سورة مريم الآية: ٤٦.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
٥- البراءة من عهودهم:
ولما كان بين النبي ﷺ وبين المشركين عهود ومواثيق، كما هو الحال في صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة –حيث كان من شروط الصلح التي تم الاتفاق عليها بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش:
-أن تضعَ الحربُ أوزارها بين الطرفين لمدة عشر سنوات.
-أن من أحب الدخول في عقد محمد وعهده، دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه١.
وبناء على ذلك، دخلت خزاعة في عقد محمد ﷺ وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ثم لم تلبث خزاعة أن
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٤٤٤ كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية رقم: ٤١٥٩، و٧/٤٥٣ رقم: ٤١٨٠، ١٤٨١. ومسلم ٣/١٤٠٩ كتاب الجهاد والسير، رقم: ١٧٨٣، ١٧٨٤، ١٧٨٥. وسيرة ابن هشام ٢/٣١٧-٣١٨، والمغازي للواقدي ٢/٦١١، وتاريخ الطبري ٢/٦٣٤-٦٣٥، والكامل لابن الأثير ٢/١٣٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/١٦٨-١٦٩، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/١٥٦. وانظر نص وثيقة الصلح في كتاب (الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة) لمحمد حميد الله ص٧٧ وما بعدها.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
دخلت في الإسلام.
إلاّ أنَّ المشركين لم يحترموا تلك العهود، بل نقضوها واعتدوا على خزاعة أحلاف الرسول صلى الله عليه وسلم١.
لهذا جاءت سورة التوبة تعلن إلغاء عهود المشركين، ونبذها إليهم على وضوح وبصيرة، لأنّ الناكثين لا يتورعون عن الخيانة كلما سنحت لهم الفرصة، ولذلك فقد قطع الله ما بين المسلمين والمشركين من صلات، فلا عهد لهم ولا أمان، بعد أن منحهم الله تعالى فرصة كافية هي السياحة في الأرض أربعة أشهر، ينطلقون فيها آمنين، ليتمكنوا من النظر والتدبر في أمرهم، ويختاروا ما يرون فيه المصلحة لهم.
قال تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
وفي الصحيحين أن أبا هريرة ﵁ قال: "بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى، أنْ
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٣٨٩-٣٩٠، والمغازي للواقدي ٢/٧٨١، وتاريخ الطبري ٣/٤٣ وما بعدها. ٢ سورة التوبة الآيتان: ١-٢.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد: ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب فأمر أنْ يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليٌ في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأنْ لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان"١.
وقد أعلن الله تعالى للمشركين في السنة التاسعة للهجرة، وفي يوم الحج الأكبر، قيل: يوم عرفة، وقيل: يوم النحر، وهو الأرجح لأنه ثبت في الصحيحين أن الله بريء من عهودهم، ورسوله بريء منهم كذلك، إلا الذين سبق لهم عهد ولم ينقضوا ذلك العهد، فإنه يوفى لهم عهدهم.
قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/٣١٧ كتاب التفسير، باب فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، باب ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ . وصحيح مسلم ٢/٩٨٢ كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، حديث: ٤٣٥، وتقدم ص: ٧٩٩
[ ٢ / ٨٢٦ ]
الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
أما إذا مضت الأشهر الأربعة التي حُرّم فيها قتالهم، ولم يراجعوا فيها أنفسهم، فيحنئذ لا بد من قتالهم في أي مكان أو زمان من حل أو حرم، وأخذهم بالأسر، ومنعهم من التنقل في بلاد المسلمين، والقعود لهم في كل طريق يسلكونه، إلا إذا تابوا عن الشرك وأدوا ما فرضه الله عليهم من الصلاة والزكاة، فإنه على المسلمين عند ذلك أن يكفوا عنهم، ولا يتعرضوا لهم، فإن الله تعالى واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
ومن سماحة الإسلام أنه إذا جاء أحد المشركين بعد انقضاء الأشهر، وليس بينه وبين الرسول ﷺ عهد مسبق، وطلب من الرسول ﷺ أن يسمع ما يدعو إليه من التوحيد والقرآن، فإن له الأمان حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويتطلع حقيقة أمره٣.
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآيتان: ٣-٤. ٢ سورة التوبة الآية: ٥. ٣ انظر: الكشاف للزمخشري ٢/١٧٥ بتصرف.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وهذا في غاية حسن المعاملة وكرم الأخلاق، لأن المراد ليس النيل من الكافرين، بل المقصود إقناعهم وهدايتهم حتى يعرفوا الحق فيتبعوه، ويتركوا الكفر والضلال.
ومع ذلك فإن القرآن الكريم يستبعد ثبات المشركين على العهد والتزامهم به.
قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
والآية الكريمة تحمل استفهامًا إنكاريًا، أي: كيف يكون للمشركين عهد معتد به عند الله وعند رسوله ﷺ، ثم استدركت الآية الكريمة أن الذين كانت لهم معاهدة عند المسجد الحرام، ولم ينقضوها واستقاموا على ذلك، فلهم الوفاء، فإن الله تعالى يحب من اتقاه،
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ٦. ٢ سورة التوبة الآية: ٧.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
ووفى بعهده، وترك الغدر والخيانة.
ويتكرر الاستبعاد لثباتهم على العهد، لأنهم إن يظفروا بالمسلمين لا يراعوا فيهم عهدًا ولا ذمة، وإنما يرضونهم بالكلام الجميل، إن كان الظفر للمسلمين عليهم، وتمتنع قلوبهم عن الإذعان والوفاء بما يبدونه بألسنتهم.
قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١.
ويضيف القرآن الكريم في ذم المشركين وتوبيخهم ما لم يتوبوا، فيصبحوا إخوانًا مسلمين، فيقول تعالى: ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
أما إذا نكث المشركون الذين لهم عهود ومواثيق مع المسلمين، وعابوا الدين، وانتقصوه، فإنّ النتيجة الحتمية هي القتال لصناديدهم ورؤسائهم، لأنهم لا أيمان لهم ولا عهود يوفون بها، لعلهم يكفوا عن
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ٨. ٢ سورة التوبة الآيات: ٩-١١.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
الإجرام، وينتهوا عن الطعن في دين الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ ١.
ويحض القرآن الكريم المؤمنين على قتال المشركين الناكثين لعهودهم وأيمانهم، الذين هموا بحبس الرسول ﷺ أو قتله، أو إخراجه من مكة، بل قرّ قرارهم على أن يقتلوه على أيدي مجموعة من شبابهم، حتى يتفرق دمه بين القبائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢.
ذكر أهل التفسير وأهل السير عن ابن عباس ﵄: "أن نفرًا من أشراف قريش اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأي ونصح. قالوا: أجل فادخل، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل –يعني محمدًا ﷺ-.
فقال قائل: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك،
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ١٢. ٢ سورة الأنفال الآية: ٣٠.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
فصرخ عدو الله وقال: والله ما هذا لكم برأي، فليوشكن أن يثب أصحابه عليه، حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم.
فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم حتى تستريحوا منه، فإنه إذا خرج فلن يضركم ما صنع وأين وقع، فقال الشيخ المذكور: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه القلوب بحديثه؟ والله لئن فعلتم لتجتمعن عليكم العرب حتى يخرجوكم من بلادكم، ويقتلوا أشرافكم، قالوا صدق، فانظر رأيًا غير هذا.
فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا شابًا جلدًا، ونعطي كل واحد سيفًا صارمًا يضربونه ضربة رجل واحد، ويتفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فيقبلون الدية، ونستريح منه، ونقطع عنا أذاه، فصرخ عدو الله إبليس: هذا والله الرأي لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك، فأتى جبريل النبي ﷺ فأخبره وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن له بالهجرة، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ الآية"١.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ١/٤٨٠-٤٨٢، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص: ١٠٩، وتفسير الطبري ٩/٢٢٧، ومجمع الزوائد للهيثمي ٧/٢٧، والدر المنثور للسيوطي ٣/١٧٩.
[ ٢ / ٨٣١ ]
فإذن المشركون قرروا قتل الرسول ﷺ في مكة، وقبل ذلك فعلوا بالمستضعفين من المؤمنين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بالله تعالى، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولا، وبعد ذلك صدوا رسول الله ﷺ والمسلمين عن المسجد الحرام، ثم بدأوا المسلمين بالعداوة، حيث قاتلوا بني خزاعة أحلاف رسول الله ﷺ، ثم خرجوا لقتال المسلمين في بدر.
وقد أهاب النبي ﷺ لذلك بالمؤمنين، وحثهم على قتال أعدائهم أعداء الإسلام والمسلمين، ليشفي الله قلوب المؤمنين بإعلاء كلمة "لا إله إلا الله" وتعذيب المشركين وخزيهم، ويذهب ما أصاب المؤمنين من غيظ وكرب. ويعذب المشركين ويجزيهم.
قال تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وفي أمر الله تعالى لنبيه ﷺ بنبذ عهود الخائنين
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآيات: ١٣-١٥.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
للعهد، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ ١.
قال القرطبي: "والمعنى: وإما تخافن من قوم -بينك وبينهم عهد- خيانة فانبذ إليهم العهد، أي: قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم وأنا مقاتلكم، ليعلموا بذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد، وهم يثقون بك، فيكون ذلك خيانة وغدرًا"٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية: ٥٨. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٨/٣٢.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
٦- الأمر بقتالهم:
ومن أجل إبلاغ الدعوة، ورفع كلمة "لا إله إلا الله" على سائر المعتقدات، ومن أجل قمع الشرك والمشركين، أعداء الله والإسلام والمسلمين، خاض المسلمون عدة معارك حاسمة مع المشركين، بعد أن أذن الله لهم بالقتال لتأمين الدعوة وإزالة العقبات من طريقها، حتى يدخل من يريد الدخول في الإسلام، وهو مطمئن، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١.
ثم فرض الله عليهم قتال الكفار الذين يقاتلونهم، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢.
وبعد ذلك جاء الأمر الحاسم في قتالهم، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ ٣.
وعلى إثر هذا الأمر بدأ القتال وخوض المعارك بين المسلمين
_________________
(١) ١ سورة الحج الآية: ٣٩. ٢ سورة البقرة الآية: ١٩٠. ٣ سورة التوبة الآية: ٣٦.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وأعدائهم، ففي قتال المشركين كانت وقعت بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، وبدأ فيها أنه لا مهادنة بين قوة الإسلام، وقوة الشرك، كما ظهر فيها أنّ المشركين مصممون على إبادة الجماعة المؤمنة، فقد وقف أبو جهل بعد أن علم أن تجارة قريش نجت، وقال -متحديًا قوة الإيمان، ومستهترًا بتدبير الله وقدرته:
"والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها"١.
فدارت عليهم الدائرة، ونزلت بجيشهم الهزيمة، وحق نصر الله للمؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ١/٦١٨-٦١٩، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/٣٠١، وتاريخ الطبري ٢/٤٢٤-٤٣٨، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٣، والمغازي للواقدي ٢/٤٣. ٢ سورة آل عمران الآيات: ١٢٣-١٢٥.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
وتلتها معركة أحد في السنة الثالثة، وفيها تلقى المسلمون درسًا لم ينسوه حين ترك الرماة مواقعهم، فباغتهم المشركون، وحاقت بالمسلمين الهزيمة، وقتل منهم من قتل، ومحّص الله الصف الإسلامي بهذه الموقعة، فظهر أهل الإيمان بإيمانهم، وأهل الكفر بكفرهم ونفاقهم.
وفي السنة الخامسة كانت غزوة الخندق أو الأحزاب، التي تكالب فيها أعداء الله على المدينة النبوية، عاصمة الإسلام الأولى، يريدون إطفاء نور الله، إذ استطاع اليهود تأليب القبائل العربية على غزو الرسول ﷺ في المدينة.
وقد ابتلي فيها المسلمون ابتلاءً عظيمًا، قال تعالى: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ ١.
ولكن رد الله تعالى كيد الأعداء في نحورهم، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآيتان: ١٠-١١. ٢ سورة الأحزاب الآية: ٢٥.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وقال الرسول ﷺ بعد رجوع المشركين وانصراف الأحزاب عن المدينة: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم" ١.
وقد تحقق قول الرسول ﷺ، فلم تغزهم قريش بعد هذه الغزوة، حتى غزاهم المسلمون وفتحوا مكة.
وفي آخر السنة السادسة من الهجرة، كان صلح الحديبية بين المسلمين وكفار قريش، حيث كان فتحًا للمسلمين، وهزيمة لأعدائهم المشركين، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ٢.
قال عمر ﵁: "أو فتح يا رسول الله؟ قال: نعم"٣.
وقد دلت الحوادث على أن صلح الحديبية كان في حقيقته فتحًا على المسلمين، وطريقًا إلى فتح مكة، ونشرًا للدعوة خارج الجزيرة العربية، حيث كتب ﵊ بعد هذا الصلح لملوك ورؤساء العالم، يدعوهم إلى الإسلام.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٧/٤٠٥ كتاب المغازي، باب غزوة الخنذق. ٢ سورة الفتح الآيات: ١-٣. ٣ صحيح مسلم ٣/١٤١٢ كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
نقل ابن هشام عن الزهري قال: "فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر"١.
ثم قال ابن هشام: "والدليل على قول الزهري، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين، في عشرة آلاف"٢.
وفي السنة الثامنة كان فتح مكة، وتم تطهير بيت الله الحرام من أرجاس الجاهلية وأوثانها، وصار مثابة للناس وأمنًا.
فبعد أن نقضت قريش العهد الذي وقع في الحديبية، سار الجيش الإسلامي بقيادة المصطفى ﷺ متوجهًا إلى مكة، لتأديب قريش، وكبح جماحها، وردّ ظلمها، وقد هيأ الله أسباب النصر لنبيه، فدخل مكة فاتحًا، وأصدر الرسول ﷺ عفوًا شاملًا حيث جمع قريشًا وقال لهم: "ما ترون أني فاعل بكم؟ " قال: خيرًا، أخ كريم،
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٣٢٢، وتاريخ الطبري ٢/٦٣٨، والمغازي للواقدي ٢/٦٠٩-٦١٠، ٦٢٤. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٣٢٢.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
وابن أخ كريم، قال: "فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته، لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء" ١.
وطهر رسول الله ﷺ بيت الله الحرام من الأوثان، والأصنام، وأزال منه الصور والتماثيل وأخذ يطعنها وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا" ٢.
وأمر بلالًا أن يصعد على الكعبة فيرفع الأذان، ورؤساء قريش يسمعون كلمة التوحيد تعلو، وفجاج مكة ترتج بها، لقد كان لفتح مكة في قلب الجزيرة العربية ومركزها الروحي والسياسي أثر بالغ في تدعيم قواعد العدل، ونشر مبادئ المساواة، ورفع راية الإسلام على جزيرة العرب، وإزالة العوائق من طريق الدعوة، فأقبل الناس على الإسلام –بعد خضوع قريش، إقبالًا لم يعرف قبل ذلك، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجًا٣.
كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٤١٢، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٨٣-١٨٤، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/٢٣٠، وفتوح البلدان للبلاذري ص: ٥٥. ٢ سورة الإسراء الآية: ٨١. ٣ انظر: زاد المعاد لابن القيم ٢/١٨٤، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/٢٣١.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ١.
ولقد كان لهذا الفتح أثر كبير في نفوس القبائل، حيث كان بين بعض القبائل وبين قريش حلف، وكانت ممتنعة عن الدخول في الإسلام لمكانة هذا الحلف، وكانت بعض القبائل ترهب قريشًا، وتجلها، فلما رأتهم استسلموا للإسلام رغبت فيه، وزال الحاجز، كما كانت بعض القبائل تعتبر مكة لا يفتحها ولا يدخلها ملك جبار أو من يريد لها سوءًا، ولا يزال فيها من عاصر حادثة الفيل، وشاهد ما فعل بأبرهة، فيقولون: "اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق"٢.
فلما ظهر ﵊ على قريش، ودخل مكة آمنًا، أقبل الناس على الإسلام، وهم آمنون مقتنعون٣.
_________________
(١) ١ سورة النصر. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/٢٢ كتاب المغازي، باب وقال الليث حدثني يونس.. وكان النبي ﷺ قد مسح وجهه عام الفتح. ٣ انظر: السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي ص: ٢٨٩ دار الشروق ط١، ١٣٩٧؟.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
٧- الخلاف في أخذ الجزية منهم:
وقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية من المشركين:
فقال مالك: إنَّ الجزية تقبل من جميع الكفار، إلاّ من ارتد، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام١.
وقال الشافعي وأحمد في أظهر الروايتين وأبو ثور، أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس٢.
وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى أنه لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف٣.
والسبب في اختلافهم معارضة العموم للخصوص، أما العموم، فقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ ٤.
وقول الرسول ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى
_________________
(١) ١ بداية المجتهد لابن رشد ١/٣٨٩، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/١١٠، ونيل الأوطار للشوكاني ٩/٢١٤. ٢ المجموع للنووي ١٨/٢٠٧، والمغني لابن قدامة ١/٥٠٠، وفتح الباري لابن حجر ٦/٢٥٩، والإفصاح لابن هبيرة ٢/٢٩٢. ٣ أحكام القرآن للجصاص ٤/٢٨٥، والمغني لابن قدامة ٨/٥٠٠، والإفصاح لابن هبيرة ٢/٢٩٢. ٤ سورة البقرة الآية: ١٩٣.
[ ٢ / ٨٤١ ]
يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" ١.
وأما الخصوص فما ثبت في صحيح مسلم من حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يقول لأمراء السرايا الذين يبعثهم إلى مشركي العرب: " وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإنْ أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنية والفيء شيء، إلا أنْ يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فَسَلْهُمُ الجزية، فإنْ هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإنْ هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" ٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/٧٥ كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ . ومسلم ١/٥٣ كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم: ٢٢. ٢ صحيح مسلم ٣/١٣٥٧ كتاب الجهاد، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم، حديث رقم: ١٧٣١.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
فمن رأى أن العموم إذا تأخر عن الخصوص، فهو ناسخ له، قال لا تقبل الجزية من مشرك، عدا أهل الكتاب، لأنّ الآية الآمرة بقتالهم على العموم هي متأخرة عن ذلك الحديث، وذلك أن الأمر بقتال المشركين عامة هو في سورة (براءة)، وذلك عام الفتح، وذلك الحديث إنما هو قبل الفتح، بدليل دعائهم فيه إلى الهجرة.
ومن رأى أنّ العموم يبنى على الخصوص، تقدم أو تأخر أو جهل التقدم والتأخر بينهما، قال: تقبل الجزية من جميع المشركين.
وأما تخصيص أهل الكتاب من سائر المشركين، فخرج من ذلك العموم باتفاق، لقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١.
قال ابن القيم ﵀: "إنما لم يأخذها ﵊ من مشركي العرب، لأنها إنّما نزل فرضها بعد أن أسلمت دارة العرب، ولم يبق فيها مشرك، فإنّها نزلت بعد فتح مكة، ودخول العرب في دين الله أفواجًا، فلم يبق بأرض العرب مشرك، ولهذا غزا بعد الفتح تبوك، وكانوا نصارى، ولو كان بأرض العرب مشركين لكانوا يلونه، وكانوا أولى
_________________
(١) ١ بداية المجتهد ١/٣٨٩. والآية: ٢٩، من سورة التوبة.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
بالغزو من الأبعدين.
ومن تأمل السير وأيام الإسلام، علم أنّ الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزية لعدم من يؤخذ منه، لا لأنهم ليسوا من أهلها، قالوا: وقد أخذها من المجوس، وليسوا بأهل كتاب، ولا يصح أنه كان لهم كتاب ورفع، وهو حديث لا يثبت مثله، ولا يصح سنده، ولا فرق بين عباد النار، وعباد الأصنام، بل أهل الأوثان أقرب حالًا من عباد النار أعداء إبراهيم الخليل، فإذا أخذت منهم الجزية، فأخذها من عباد الأصنام أولى"١ ا.؟
والذي يبدو لي صحيحًا من هذه الآراء هو رأي القائلين بأن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، وهو قول المالكية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن عثيمين وغيرهم رحم الله الجميع٢.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٢/٨٩-٩٠. ٢ انظر: الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية لعلاء الدين البعلي ص: ٣١٩، وزاد المعاد لابن القيم ٢/٨٩-٩٠، والشرح الممتع على زاد المستنقع للشيخ محمد العثيمين ٨/٦٣.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
الخاتمة
وفي نهاية هذا البحث أقدم للقارئ الكريم لمحة موجزة عن أهم الأفكار والمحتويات التي تضمنتها الرسالة فيما يلي:
١- أثبت القرآن الكريم والسنة النبوية أنّ عقيدة التوحيد قد صاحبت البشرية منذ بدايتها، بدءًا بآدم ﵇ الذي عرّف بنيه بربهم وبالإسلام، وتلقى أبناؤه من بعده هذه العقيدة من جيل إلى جيل، يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئًا.
ولما طال الزمان، انحرف الناس عن الفطرة بسبب جهلهم وبعدهم عن العلم وإغواء الشياطين لهم، وعبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان وقبور الصالحين، وعند ذلك بعث الله إليهم نوحًا ﵇، فجدد الدعوة إلى التوحيد وأعاد إلى العقيدة نقاءها وصفاءها، وحاول -جاهدًا- بكل ما يملك من طاقة أن يخرج الناس مما انتكسوا فيه من ضلال وكفر، وكانت النتيجة أنْ نجى الله نوحًا والذين آمنوا معه، وأغرق من عداهم من عبدة الأصنام والأوثان.٢- ثم استمر موكب الإيمان يتجدد من وقت لآخر، وفي كل أمة يبعث الله الأنبياء والرسل يبينون للناس الحق والهدى، كلما انتكسوا أو انحرفوا، كهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وشعيب وموسى وعيسى وغيرهم، كان أول دعوة هؤلاء ﵈،
[ ٢ / ٨٤٧ ]
وأكبر هدفهم هو تصحيح العقيدة في الله تعالى، وتصحيح الصلة بين العبد وربه، والدعوة إلى إخلاص الدين، وإفراد العبادة لله وحده، وأنه النافع الضار المستحق لجميع أنواع العبادة، وكانت حملتهم مركزة وموجهة إلى الوثنية القائمة في عصورهم، الممثلة بصورة واضحة في عبادة الأوثان والأصنام، والصالحين من الأحياء والأموات، وعبادة الكواكب ونحوها.
٣- وقبيل بعثة محمد ﷺ كان جو العالم كله يموج بالاضطرابات الوحشية، إلى حد كبير، وكان اعتماد الناس على وسائل الشر أكثر من اعتمادهم على وسائل الخير والصلاح.
فقد انتشرت في الجزيرة العربية العقائد الفاسدة، وعلى رأسها عبادة الأصنام والأوثان، وجرفتها تيارات العصبية الممقوتة، وسادت فيها الأوضاع الاجتماعية الجائرة..
وبنو إسرائيل حرفوا وغيروا كتب الله وشرائعه، وكفروا بنعمه، وركنوا إلى المادة، وأصبح بأسهم بينهم شديد، كما عبدت الفرس والهند الأوثان، وعاش الناس جمعًا في ظلام من الشك والجهل..
٤- وفي ظل هذا الجو المظلم، بعث الله خاتم أنبيائه وصفوة خلقه محمدًا ﷺ، فسار على نهج إخوانه من الأنبياء والرسل في الدعوة إلى الله تعالى، وأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، وكان القرآن الكريم والسنة النبوية فيهما العلاج الناجع والبلسم الشافي لأمراض البشرية كلها، بل فيهما كل ما يحتاج إليه الناس في دينهم ودنياهم.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
٥- ومسلك القرآن الكريم في دعوة المشركين وغيرهم لم يكن جدلًا عقيمًا، أو تفلسفًا مذمومًا، أو قولًا يستعصى على العقول فهمه، ولكنه جاء سهلًا واضحًا يفهمه البدوي في مضارب البادية، كما يفهمه أهل الحضارة والثقافة في أرجاء الأرض، ويتذوقه من عاصر الوحي، وشهد تنزلاته.
٦- والقرآن الكريم يعتبر قضية وجود الله تعالى أمرًا فطريًا في النفوس البشرية السليمة، لا يحتاج إلى جدال أو نقاش، وكل إنسان عاقل يدرك بنفسه هذه الحقيقة.
لكن الإنسان في هذه الدنيا تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف، ومن أسباب انحرافه تقليد الأبناء لضلال الآباء، وما قد يلقيه الكتاب المنحرفون في أفكار الناشئة، بما يبدل هذه الفطرة ويكدرها، ويلقي عليها غشاوة، فلا تتجه إلى الحقيقة.
ومن طلب الدلائل التي تحرك الفطرة، وتشير إلى وجود الله ووحدانيته وجدها أكثر من أن تحصى، فهي تنبعث من خلق الإنسان نفسه، ونفسه أقرب شيء إليه، ويجدها في السماء والأرض والشمس وفي القمر وفي تعاقب الليل والنهار، وسير النجوم، وهبوب الرياح، وتسخير السحاب، وهطول الأمطار، وفي عالم الحيوان وعالم النبات.
فمن تأمل ذلك أدرك بعقله وبصيرته أن هذا الخلق، وهذا النظام، وهذا الإبداع لا يمكن أن يحدث من غير محدث، أو يوجد من غير موجد،
[ ٢ / ٨٤٩ ]
لأن تلك المخلوقات عاجزة عن إيجاد ذلك النظام الدقيق، والترتيب المحكم، وصدق من قال:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
٧- ولما كان المشركون لا ينكرون وجود الله تعالى، وإنما اتخذوا معه آلهة يظنون أن لها حظوة ومكانة عند الله تقربهم إليه.
فقد أقام القرآن الكريم عليهم كثيرًا من الحجج والبراهين الملزمة لهم بالاعتراف بالوحدانية لله تعالى، ومن أهم ذلك:
أ- الأدلة القوية على صدق الرسول ﷺ المتمثلة في شهادة ربه ﵎ له، وكفى بها شهادة، وكذلك شهادة أهل الكتاب بصدقه، وشهادة المشركين أنفسهم له بالصدق والأمانة، وكان رأيهم في ذلك يعد إجماعًا منهم على كريم أخلاقه ﷺ.
ولعل من أعظم علامات صدقه ﷺ أن تحداهم بالقرآن الكريم، بل تحدى الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله، ولو بأقصر السور، ولم يتقدم واحد منهم إلى الميدان، على الرغم من أنهم أئمة الفصاحة، وفرسان البلاغة في هذا الشأن.
ب- استجواب المشركين عن أمور لا يمكنهم إنكارها، كالرزق والحواس، وأحوال الموت والحياة، وشئون التدبير، والاستقلال بالملك والتصرف في الكون، وما فيه من سائر صنوف المخلوقات، لأنهم عند ذلك لا يجدون محيدًا عن الجواب الصحيح، وهو أن ذلك كله بيد لله،
[ ٢ / ٨٥٠ ]
ومن هنا فإنه يلزمهم الإعتراف بأنّ الذي ابتدأ الخلق والإيجاد والإبداع، هو المستحق للعبادة وحده.
ج- وكذلك ألزمهم بتقرير وحدانية الله تعالى، باعترافهم بأن الخالق لكل ما في الكون من سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، وسحاب وأنهار، وحيوان ونبات: هو الله تعالى وحده، لأنه إذا كان الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق الرازق وحده، فلماذا يعبدون غيره؟
د- وألزمهم أيضًا بأن إقرارهم بتوحيد الله عند الشدائد، وما لا يطاق من اللأواء وشدة الكرب والفزع في البر والبحر - حيث ثبت أنهم لا يتوجهون في تلك اللحظات إلى صنم، ولا إلى كوكب، ولكنهم يتوجهون إلى الله وحده مخلصين له الدين سرًا وجهرًا- فذلك يوجب عليهم الإقرار بتوحيده في الأمن والرخاء.
؟- ودعاهم القرآن الكريم عن طريق السؤال والجواب في آن واحد، حتى لا يسأموا من الدعوة إلى التوحيد، وفي نفس الوقت، كان هذا إلزامًا لهم بالحجة الواضحة التي لا يمكنهم إنكارها.
ووفي مجال ضرب البراهين العقلية: دعاهم القرآن إلى النظر والتدبر فيما يشاهدونه من خلق السموات والأرض، وما فيهما من إبداع، وليس لآلهتهم في صنعها يد، فلا بد أن تكون العبادة لمن خلق كل ذلك
[ ٢ / ٨٥١ ]
ز- وضرب لهم الأمثال للتذكير والوعظ والاعتبار، وتصوير الشرك في صورة محسوسة، ليكون ذلك أقرب إلى الأنظار، وأثبت في الأذهان، وأدعى إلى الامتثال.
ح- وجادلهم القرآن الكريم سالكًا معهم في الاستدلال على وحدانية الله تعالى مسلكين:
١- دليل التمانع، وذلك أنه لو كان مع الله شركاء في كونه، لما قبلوا أن يكونوا في مركز أدنى، ولسعوا ليكونوا شركاء منافسين له في كل شيء، وعند ذلك يفسد الكون بين رغبات الشركاء، ولكن ثبت انتظام الكون وسلامته من الخلل والتصادم والفساد، فعلم أن الله واحد ليس له شريك.
٢- التركيز على إبطال معبودات المشركين، ومناقشتهم فيها مناقشة واضحة صريحة، وفي شأن معبوداتهم التي لا تقدر على خلق ذبابة، ولا تستطيع أن تدفع عن نفسها ضرًا، ولا تجلب لنفسها نفعًا، فضلًا عن نفع غيرها، أو إلحاق الضرر به.
ط- وطالبهم القرآن الكريم على وجه التعجيز أنْ يأتوا بدليل عقلي أو نقلي يقر عبادتهم، ولما كان صريح العقل حاكمًا بأنه لا يجوز إسناد جزء من أجزاء هذا العالم إلى معبودات المشركين، وإن كان ذلك الجزء أقل الأجزاء، ولا يجوز أيضًا إسناد الإعانة إليها في أقل الأفعال وأذلها.
وكذلك فإن إثبات ما يعتقدونه عن طريق أي نقل، فإنه أمر محال،
[ ٢ / ٨٥٢ ]
ولأنه قد علم بالتواتر الضروري إطباق جميع الكتب على المنع من عبادة غير الله تعالى.
ولما بطل الكل، ثبت أن الاشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل واعتقاد فاسد.
٨- واشتمل مسلك القرآن الكريم على كثير من التوجيهات والتحذيرات التي تدعو المشركين إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى وانضوائهم تحت لواء الإسلام، من أهمها ما يلي:
أ- دعوتهم بالأمر الجازم بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه.
ب- مطالبتهم بأنْ يحاكموا تقاليدهم وعقائدهم الجاهلية الموروثة إلى ميزان العقل، إن كانت لديهم عقول.
ج- استعمال أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة في دعوتهم، وعدم سب آلهتهم لئلا يسبوا الله تعالى بسبب جهلهم وعدم علمهم.
د- واستعمل معهم أسلوب القصة لتقرير التوحيد بأبلغ أسلوب، وأقوى حجة، ونفي للشرك بأوضح بيان.
؟- دعوتهم إلى التأمل في مصير المكذبين من الأمم السابقة، لأخذ الدرس والعبرة بسنن الله في الخلق؛ لأنّ السعيد من اتعظ بغيره، وتعلم من أخطاء الآخرين.
ووبين لهم سخف ما هم عليه من عقيدة واهية، وما اتخذوه من
[ ٢ / ٨٥٣ ]
دون الله تعالى من آلهة مزعومة، لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعًا ولا تدفع ضرًا..
إذ كيف ينزل العقل الإنساني إلى هذا الدرك الأسفل، من التخلف العقلي في عبادة تلك المعبودات الواهية، مع اعترافه بأن للوجود ربًا خالقًا رازقًا؟
ولم لا يتوجه إلى هذا الخالق الرازق مباشرة؟
ز- وذكرهم بأنواع من النعم الكثيرة، التي امتن الله بها عليهم وعلى عباده، لعلهم يشكرون الله ويؤمنون به، وحذرهم من النقم، وتهددهم بالجوع والخوف والمنع والحرمان، لعلهم يرعوون عن شركهم وجحودهم.
ح- ولما كان الشرك بالله تعالى أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب، وأفظع المحرمات وأشنعها، وأن صاحبه خالد مخلد في النار إذا لم يتب إلى الله قبل الموت؛ فإن الله تعالى أخبر بأنه لا يقبل أي عمل من الأعمال مع الإشراك به، وأن مصير المشرك هو: الخلود الأبدي السرمدي في نار جهنم.
وأكد لهم أنه لن يتسامح مع مرتكبي هذا الجرم الفظيع، وأن الشرك يقطع الصلة بين الله تعالى وبين عباده، فلا يبقى لهم معه أمل في المغفرة والرحمة إذا ماتوا وهم على ذلك.
٩- ودحض القرآن الكريم كل ما يثيره المشركون من شبهات
[ ٢ / ٨٥٤ ]
حول بعض المسائل الغيبية، سواء ما يتعلق بالملائكة أو البعث، أو ما يتعلق بأمر الشفعاء والأولياء، وبين الحق في ذلك، ووضحه تمام الوضوح.
١٠- وكذلك فنّد القرآن جميع الشبهات التي يثيرها المشركون حول الرسالة، سواء ما يتعلق منها بالقرآن أو بصاحب الرسالة عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم.
١١- كما أحدث الإسلام تغييرًا جذريًا في ما كان عليه الناس في جاهليتهم من عادات باطلة، حيث اشتمل الإسلام على عبادات وأحكام شرعية وأخلاقية، لها وزنها وقيمتها في تربية الفرد والجماعة والأمة على منهاج الله تعالى الملائم للفطرة البشرية.
١٢- ثم قرر الإسلام موقفه الحاسم من المشركين، والمتمثل في إبعادهم عن المسجد الحرام، ومنعهم من عمارته؛ لأنه لا يستقيم لهم أن يجمعوا بين أمرين متناقضين، هما: عمارة المساجد من جهة، والإشراك بالله من جهة أخرى، كما اعتبرهم نجسًا، وحرم الزواج منهم للاختلاف الشاسع بين من يعبد الله وحده، ويؤمن برسوله ﷺ، ومن يعبد الأصنام والأوثان، وحرّم ذبائحهم؛ لأنهم يذبحونها لغير الله تعالى، وبين أنه لا يجوز الاستغفار لهم بعد إصرارهم على الشرك، وموتهم على ذلك.
كما قرر إلغاء عهودهم ونبذها إليهم؛ لأن المشركين لم يحترموا عهود المسلمين ومواثيقهم، بل نقضوها، وتآمروا على الإسلام ورسول
[ ٢ / ٨٥٥ ]
الإسلام بشتى الوسائل والأساليب:
تارة بالمكر والخديعة.
وتارة بالكذب والافتراء على القرآن ورسول الإسلام.
وأخرى بالتآمر مع اليهود على حرب المسلمين.
وقد استبعد القرآن أنْ يثبت المشركون على العهد؛ لأنهم إن يظفروا بالمسلمن لا يرقبوا فيهم عهدًا ولا ذمة، وإنما يرضونهم بالكلام المنمق، وتمتنع قلوبهم عن الإذعان والوفاء بما يبدونه بألسنتهم.
١٣- ومن أجل رفع كلمة لا إله إلا الله على سائر المعتقدات، ومن أجل قمع الشرك والمشركين أعداء الإسلام والمسلمين.
خاض المسلمون عدة معارك حاسمة مع المشركين بعد أن أذن الله لهم في قتالهم، وبذلك زالت العقبات التي كانت تقف في طريق الدعوة إلى الإسلام، وإلى رفع راية التوحيد.
وأخيرًا: أرجو أن أكون قد وفقت فيما قدمت من جهد في هذا الموضوع المهم.
وأسأل الله ﷿ أن يجعلني من الدعاة إلى الإسلام على بصيرة، وأن يوفقني لخدمة كتابه الكريم، وسنة نبيه المصطفى ﷺ، وأسأله تعالى أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
[ ٢ / ٨٥٦ ]