تمهيد:
ولما كانت الأخلاق هي الدعامة الأولى لحفظ كيان الأمم، وهي ضرورة للفرد والمجتمع، فقد جاء الإسلام داعيًا وموجهًا إلى التمسك بالأخلاق الطيبة، والفضائل السامية، لأنها تحقق الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.
ومحذرًا ومنفرًا من الرذائل والعادات الجاهلية الباطلة، لأنها تسبب الضرر في العاجل والآجل.
لذلك يجدر بنا أنْ نستعرض بعض الجوانب في هذا السبيل بإيجاز، لنرى مدى ما تحقق لمعتنقي الإسلام بعد عهد الجاهلية والظلام.
وسنقسم الحديث في ذلك إلى قسمين:
القسم الأول: في الترغيب في الفضائل
القسم الثاني: في التحذير من الرذائل.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
القسم الأول: في الترغيب في الفضائل.
ومن ذلك:
١- بر الوالدين وصلة الأرحام:
وتأتي رابطة الأسرة بعد رابطة العقيدة في رحاب الإيمان بالله والخضوع لربوبيته، جلّ شأنه فهو أرحم بالناس من بعضهم لبعض، وكثيرًا ما يقرن الله ﷾، بين الأمر بعبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٣٦. ٢ سورة الإسراء الآيتان: ٢٣-٢٤.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
والوصية بالوالدين والطاعة لهما، والرأفة والرحمة والإحسان إليهما مقيدة بغير معصية الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: أنزلت في أربع آيات، فذكر قصته وقال: فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر، والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت، أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، الآية٢.
ومثل الآية السابقة، قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت الآية: ٨. ٢ الجامع الصحيح للترمذي ٥/٣٤١ كتاب تفسير القرآن، سورة العنكبوت. وقال: حديث حسن صحيح. وأورده السيوطي في الدر ٥/١٦٥ في سورة لقمان، وزاد نسبته لأبي يعلى، وابن مردويه، وابن عساكر. والقصة في صحيح مسلم ٤/١٨٧٧ كتاب فضائل الصحابة، رقم: ٤٣، ٤٤.
[ ٢ / ٧٣١ ]
جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وكما أمر الله تعالى بطاعته وتقواه، والحث على عبادته وحده، أمر بصلة الرحم وعدم قطعها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢.
وقرن قطيعة الرحم بالفساد في الأرض، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ٣.
ومدح الله الواصلين لرحمهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ ٤.
فهذه الآيات الكريمة تبين ما للرحم من مكانة عظيمة عند الله تعالى،
_________________
(١) ١ سورة لقمان الآية: ١٤-١٥. ٢ سورة النساء الآية: ١. ٣ سورة محمد الآيتان: ٢٢-٢٣. ٤ سورة الرعد الآية: ٢١.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
والحث على صلتها والإحسان إليها، والتحذير من قطعها وهضمها حقها؛ لأنّ ذلك من عادات الجاهلية التي جاء الإسلام بمحوها، وقد أكد القرآن الكريم هذه الرابطة بقوله: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ١.
٢-العدل والوفاء:
ولما كان الظلم والجور من العادات الجاهلية، فقد اهتم الإسلام بالعدل، وجعله أساسًا للعلاقات والتعامل بين المسلمين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٣.
وقال ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية: ٧٥. ٢ سورة المائدة الآية: ٨. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٥٢. ٤ سورة النحل الآية: ٩٠.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
إن العدل يكفل لكل فرد وكل جماعة الثقة البريئة من الميل إلى الهوى، وعدم التأثر بالحب والبغض، أو التبدل لعلاقة النسب والمصاهرة، والغنى والفقر، والقوة والضعف، إنّما تمضي الأمة في ظل الإسلام والعدل، تشق طريقها المستقيم، تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد للكل.
وهذا العدل الذي يدعو إليه الإسلام متفق مع عالمية الإسلام الخالدة، فقد جاء الإسلام لينشئ أمة مثالية، وقيمًا ربانية، وموازين ثابتة للإنسانية كلها بعيدًا عن التعصب لقبيلة أو أمة أو جنس أو لون، إنّما هي آصرة واحدة، ورابطة فريدة، يجتمع عليها الأسود والأبيض والأحمر والأصفر من أجل تحقيق العبودية لله رب العالمين.
ومن أجل العدل والمساواة، كان الوفاء في الكيل والميزان بالقسط من أهم الأحكام الشرعية والأخلاقية، التي قررها القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٣٥.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ١.
قال ابن عباس ﵄: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، فأحسنوا الكيل بعد ذلك"٢.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣.
وقال تعالى حكاية عن قوم شعيب ﵇ لقومه: ﴿ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ
_________________
(١) ١ سورة المطففين الآيات: ١-٣. ٢ أخرجه ابن ماجه ٢/٧٤٨ كتاب التجارات، باب التوقي في الكيل والوزن، حديث ٢٢٢٣، وفي الزوائد إسناده حسن. والطبري في التفسير ٣/٩١، والواحدي في أسباب النزول ص: ٢٥٣. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/٣٢٣، وزاد نسبته إلى الطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان. وصحيح ابن حبان ١١/٢٨٧، وسنن البيهقي ٦/٣٢، وفتح الباري ٨/٦٩٦. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٥٢.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١.
٣- الإحسان:
وفي مجال الإحسان، جاءت توجيهات القرآن الكريم تشهد بأنه كتاب روحي، يرتقي إلى أعلى مراتب السمو، ويعلو عن أية قوانين أو أخلاق بشرية.
وبيّن القرآن الكريم أن الإحسان يجب أن يكون الواجب الطبيعي للإنسان، وأن الله تعالى كما أحسن إلى العبد نفسه، عليه هو أن يحسن إلى الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ٢.
وبيّن القرآن أن ثمرة الإحسان تعود إلى المحسن نفسه.
قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ٣.
وقد أمر الله بالإحسان، وألح عليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٨٥. ٢ سورة القصص الآية: ٧٧. ٣ سورة الإسراء الآية: ٧.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٢.
ورغب في الإتيان بالحسنات بقوله: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ٣.
ووعد المحسنين بحسن المثوبة والأمان يوم القيامة، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ٤.
وقد خص القرآن الكريم بعض الناس بالإحسان لما بينهم وبين المحسن من رابطة القربى كالإحسان إلى الوالدين وذوي القربى من الأخوة والأعمام والأخوال وسائر الأقربين، أو الجوار، أو لفئات من الناس فقدوا المعين والنصير، وأصبحوا في حاجة إلى مدّ يد العون والمساعدة.
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٩٠. ٢ سورة النساء الآية: ١٢٥. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٦٠. ٤ سورة النمل الآية: ٨٩.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
والإحسان إلى اليتامى لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، والإحسان إلى المساكين وهم المحتاجون الذين لا يجدون من يقوم بكفايتهم، وكذلك الإحسان إلى الجار من ذوي القرابة، والجار الذي ليس بينه وبين المحسن قرابة، كما أوصى الله بالإحسان إلى الصاحب بالجنب، وهو الرفيق في المجلس، أو في السفر، أو في العمل ونحو ذلك.
وأوصى بالإحسان إلى ابن السبيل، وهو المسافر الذي فقد ماله في الطريق قبل أن يصل إلى بلده وأهله، وكذلك الإحسان إلى الرقيق، ومن الإحسان إليهم تحريرهم وعتقهم، وحسن معاملتهم.
وفي ذلك كله يقول تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١.
وبيّن تعالى أنّ الجهاد في سبيل الله بالنفس أو بالمال، هو من الإحسان، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ َجَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٣٦. ٢ سورة العنكبوت الآية: ٦٩.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
وقد فسّر الرسول ﷺ الإحسان بقوله كما في حديث جبريل المشهور "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" ١.
وعلى هذا فالإحسان يشمل كل عمل، وكل تعامل يقوم به الإنسان في علاقة العبد بربه، وعلاقاته مع جميع المخلوقين، ولهذا قال الرسول ﷺ: "إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء " ٢.
٤- الأمانة:
والأمانة مسئولية أخلاقية عظيمة، لم تستطع السموات والأرض والجبال حملها عندما عرض الله ذلك عليها، بل أشفقن من تبعاتها وتكاليفها، وقد حمل الإنسان أعباء هذه الأمانة، وعليه أن يقوم بالوفاء بها.
فمن قام بها وفق منهج الله تعالى، فاز بخيري الدنيا والآخرة، ومن خان أمانته، وضيع ما استأمنه الله عليه، خسر دنياه وآخرته.
وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه المسئولية الأخلاقية العظيمة،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ١/٣٧ كتاب الإيمان حديث رقم: ١. ٢ صحيح مسلم ٣/١٥٤٨ كتاب الصيد والذبائح، باب الإمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، رقم: ٥٧.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
فقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ١.
وقد اتصف أنبياء الله ورسله بالأمانة، قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٢.
وقال تعالى عن هود ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٣.
وقال تعالى عن صالح ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٤.
وكذلك قال قوم لوط وشعيب وموسى ﵈ لأقوامهم.
وقد جمع الله محاسن الأمانات وأكملها لنبينا محمد ﷺ، فأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على المؤمنين إلى يوم القيامة، وقد استأمنه الله على أعظم كتاب أنزل على خير نبي، واختصه بالشفاعة
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية: ٧٢. ٢ سورة الشعراء الآيتان: ١٠٦-١٠٧. ٣ سورة الشعراء الآيتان: ١٢٤-١٢٥. ٤ سورة الشعراء الآيتان: ١٤٢-١٤٣.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
العظمى التي يتخلى عنها أولو العزم من الرسل.
وقد مدح الله المؤمنين الذين من أجلّ صفاتهم حفظ الأمانات ورعايتها، وحفظ العهود، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ١.
ومن هنا نرى أنّ الأمانة من أعظم أمهات الأخلاق والفضائل التي جاء بها الإسلام، وحفظها الأنبياء ﵈.
٥- الصبر:
ولما كان الهلع والجزع والتسخط، وعدم الصبر والتحمل من العادات الجاهلية، فقد جاء الإسلام يدعو إلى الصبر وعدم الجزع عند وقوع المصيبة، وعلى المسلم أنْ يحتسب الأجر عند الله تعالى.
قال ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآيات: ١-٨. ٢ سورة البقرة الآيات: ١٥٥-١٥٧.
[ ٢ / ٧٤١ ]
النبي ﷺ: "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" ١.
قال ابن حجر ﵀: "قوله: "وليس منا" أي: من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ، المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك ولست مني وقوله: "لطم الخدود" خص الخد بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلاّ فضرب بقيه الوجه داخل في ذلك، وقوله: "وشق الجيوب" جمع جيب، وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه: إكمال فتحته إلى آخره، وهو من علامات السخط"٢ا.؟.
ودعوى الجاهلية: "هي النياحة وندبة الميت، والدعاء بالويل ونحوه، والمراد بالجاهلية: ما كان قبل الإسلام"٣.
وقد دعا القرآن الكريم إلى الصبر في موطن تحمل أذى الناس، قال
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/١٦٣ كتاب الجنائز، باب ليس منا من شق الجيوب، وهذا لفظه. وصحيح مسلم ١/٩٩ كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية. ٢ فتح الباري ٣/١٦٣-١٦٤. ٣ انظر شرح النووي على مسلم ٢/١١٠.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ ١.
ودعا إليه في موطن المثابرة على العبادة، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ٣.
وقد وعد الله الصابرين بالأجر الوفير، والثواب العظيم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٦.
والصبر أنواعه كثيرة، وميادينه واسعة، وقد تحدث عنها القرآن
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ١٢٦. ٢ سورة مريم الآية: ٦٥. ٣ سورة طه الآية: ١٣٢. ٤ سورة الأعراف الآية: ١٢٨. ٥ سورة الإنسان الآية: ١٢. ٦ سورة الزمر الآية: ١٠.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
الكريم في أكثر من تسعين موضعًا، كما روى الإمام أحمد رحمه الله١، ولكنها في الجملة ترجع إلى الصبر على طاعة الله، والصبر عن معاصي الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة٢.
٦-الصدق:
الكذب سلوك جاهلي، يؤدي إلى تصدع بنيان المجتمع، وإلى خلل سيره، لذلك جاء الإسلام الحنيف بالتحذير منه، وتوعد القرآن الكريم الكاذبين بالعذاب الأليم يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣.
وأمر الإسلام بالصدقِ في الأقوال والأعمال، واعتبره أساسًا من أسس الفضائل التي تبنى عليها المجتمعات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر: مدارج السالكين لابن القيم ٢/١٥٨. ٢ انظر: المرجع السابق ٢/١٧١ وما بعدها. ٣ سورة النحل الآية: ١١٦-١١٧. ٤ سورة التوبة الآية: ١١٩.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ١.
وأخبر القرآن بأنّ الصدق من أخلاق الأنبياء، قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ ٢.
وقال تعالى عن إسماعيل ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ ٣.
كما وصف القرآن إدريس ومريم ﵉ وغيرهما بهذه الصفة الأخلاقية النبيلة، وتحدث القرآن عن نبينا محمد ﷺ بأنه جاء بالصدق، وهو القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ٤.
وبيّن تعالى أنّه سيميز بين الصادقين في الإيمان، وبين الكاذبين فيه، فقال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية: ٧٠. ٢ سورة مريم الآية: ٤١. ٣ سورة مريم الآية: ٥٤. ٤ سورة الزمر الآية: ٣٣. ٥ سورة العنكبوت الآية: ٣.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ ١.
إلى غير ذلك من الآيات التي تبين ما للصدق والصادقين من مكانة عظيمة عند الله تعالى.
٧- الاستقامة وتزكية النفس:
وعن الابتعاد عن الضلالات والجهالات، أمر الإسلام بالاستقامة على توحيد الله وطاعته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣.
وبيّن القرآن الكريم أنَّ من اتقى ربه بفعل الطاعات، وترك المحرمات، وأصلح نفسه، فإنه لا خوف عليه في الآخرة، ولا يصيبه الحزن، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى
_________________
(١) ١ سورة محمد الآية: ٢١. ٢ سورة فصلت الآية: ٣٠. ٣ سورة الأحقاف الآية: ١٣.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
وقد امتدح الله تعالى من طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة، واتبع ما جاء به النبي ﷺ، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَاوَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٣٥. ٢ سورة المائدة الآية: ٣٩. ٣ سورة الأعلى الآية: ١٤. ٤ سورة الشمس الآيتان: ٩-١٠.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
القسم الثاني: في التحذيرات من الرذائل
ومن ذلك:
١- تقاليد الجاهلية في الحرث والأنعام:
وحول ما كان يزاوله المشركون في شأن الثمار والأنعام، يقول ﵎: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
والمعنى أن مشركي قريش جعلوا لله مما خلق من الزرع والأنعام نصيبًا مما ينفقونه على الفقراء، ولشركائهم نصيبًا يصرفونه على سدنتها، فقد روي: "أنهم كانوا يجعلون نصيب الله لقرى الضيفان، وإكرام الصبيان، والتصدق على المساكين، ونصيب آلهتهم لسدنتها وقرابينها، وما ينفق على معابدها"٢.
وجعلوا لله مما خلق من الزرع والثمار والأنعام جزءًا وقسمًا،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٣٦. ٢ تفسير المراغي ٨/٤٢.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
فقالوا: هذا النصيب لله بزعمهم، وهذا النصيب لشركائنا وأصنامنا، وما كان للأصنام فلا يصل إلى الله منه شيء، وما كان من نصيب الله، فهو يصل إلى أصنامهم، فقبح هذا العمل لإيثارهم المخلوق العاجز على الخالق القادر على كل شيء، ولعملهم شيئًا لم يشرعه الله تعالى لهم.
قال ابن عباس: "إنّ أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثًا، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإنْ سقط منه شيء فيما سمي لله ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وقالوا إنّ الله غني والأصنام أحوج"١.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.
وفي هاتين الآيتين الكريمتين بيان لقبائح المشركين وجرائمهم، حيث
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٨/٤١، وتفسير ابن كثير ١/٦٢٢ بتصرف. ٢ سورة الأنعام الآيتان: ١٣٨-١٣٩.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
خصوا بعض الأنعام والزروع لأوثانهم، ومنعوها على غيرهم، ولا يطعمونها إلا من يريدون بزعمهم الباطل من غير دليل ولا برهان، ومن الأنعام لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح، وإنما يذكرون عليها اسم أصنامهم افتراء على الله وكذبًا.
ومن قبائحهم أنهم قالوا: ما في بطون هذه الأنعام حلال لذكرونا خاصة، ومحرم على أزواجنا، بمعنى أنه لا يجوز على زعمهم أن تأكل منه أزواجهم، وإن كان المولود منها ميتة، اشترك في أكله الذكور والإناث.. وسيحاسبهم الله تعالى على هذا العمل في التحليل والتحريم، بغير علم.
قال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ
[ ٢ / ٧٥٠ ]
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
فهذه الآيات الكريمة هي على شاكلة الآيات السابقة، فيما كان يفعله مشركوا العرب قبل الإسلام من التحليل والتحريم، إذ كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة، وإناثها تارة، وأولادها تارة أخرى، وقد بين الله تعالى كذبهم وافترائهم في نسبة ذلك التحليل والتحريم إلى الله تعالى، كما أخبرهم على لسان رسوله ﷺ عن ما هو حلال، وما هو حرام في كتابه ﵎.
وكان المشركون يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ويجعلونها للأوثان، ويزعمون أنّ الله تعالى أمرهم بذلك كذبًا وبهتانًا واتباعًا لآبائهم.
قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيات: ١٤٣-١٤٥. ٢ سورة المائدة الآيتان: ١٠٣-١٠٤.
[ ٢ / ٧٥١ ]
والبحيرة هي: الناقة كانت إذا ولدت خمسة أبطن، فكان آخرها ذكرًا، بحروا أذنها –أي شقوها- واعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع عن ماء ترده، ولا من مرعى، وإذا لقيها المُعيي المنقطع به لم يركبها١.
والسائبة هي: الناقة تسيب في الجاهلية، وذلك أنه إذا قدم الرجل من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجته دابته من مشقة أو حرب، قال: ناقتي -أي تسيب فلا ينتفع بظهرها، ولا تمنع عن ماء، ولا من كلأ، ولا تركب٢.
وقال ابن الأثير: "كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر، أو برءٍ من مرض، أو غير ذلك، قال ناقتي سائبة، فلا تمنع من ماء، ولا من مرعى، ولا تحلب، ولا تركب.. وأصله من تسيب الدواب، وهو إرسالها تذهب وتجيء حيث شاءت"٣.
والوصيلة: قال المفسرون: كانت في الشاء خاصة، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرًا جعلوه لآلهتهم، فإذا ولدت ذكرًا
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور ٤/٤٣، والمفردات للراغب ص: ٣٧، وتفسير ابن كثير ٢/١١٧. ٢ لسان العرب لابن منظور ١/٤٧٨، والمفردات للراغب ص: ٢٤٦، وتفسير الطبري ٧/٨٨، وتفسير ابن كثير ٢/١١٧. ٣ النهاية لابن الأثير ٢/٤٣١.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
وأنثى قالوا وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.. وهي الشاء التي ولدت سبعة أبطن عناقين عناقين، فإنْ ولدت في السابع عناقًا قيل: وصلت أخاها، فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء، وتجري مجرى السائبة..١.
وقيل: إذا ولدت الشاة ستة أبطن، نظروا فإن كان السابع ذكرًا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كانت أنثى وذكرًا قالوا: وصلت أخاها فلم يذبح وكان لحمها حرامًا على النساء.."٢.
والحامي: هو الفحل من الإبل يضرب الضراب المعدود، قيل: عشرة أبطن، فإذا بلغ ذلك قالوا: هذا حام، أي حمى ظهره فيترك فلا ينتفع منه بشيء، ولا يمنع من ماء ولا مرعى٣.
فلما جاء الإسلام أبطل هذه العادات الجاهلية كلها، فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾، فيقولون أمرنا بهذا وأكثرهم لا يعقلون إنّ هذا افتراء
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٧/٨٨، وتفسير ابن كثير ٢/١١٧، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/٣٣٧، والمفردا للراغب ص: ٥٢٥، واللسان ١١/٧٢٩. ٢ اللسان ١١/٧٢٩. ٣ اللسان ١٤/٢٠٢، وتفسير الطبري ٧/٨٨، والمفردات للراغب ص: ١٣٣.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
وكذب على الله تعالى؛ لأنهم يقلدون في ذلك الآباء والأجداد، ولو كانوا لا يعلمون من الدين شيئًا، ولا يهتدون إلى الحق والصواب.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ١.
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: "نزلت إنكارًا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل.."٢.
والمعنى: أخبروني أيها المشركون الجاهلون عما خلق الله لكم من الرزق الحلال فحرمتم بعضه وحللتم بعضه.. وقد أمركم الله على لسان رسوله ﷺ أنْ يقول لكم: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ .
قال المراغي: "والخلاصة أنه لا مندوحة لكم من الاعتراف بأحد أمرين:
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيتان: ٥٩-٦٠. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٤٥١.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
إما دعوى الأذن من الله لكم بالتحريم والتحليل، وذلك اعتراف بالوحي، وأنتم تنكرونه وتزعمون أنه محال.
وإما الافتراء على الله، وهو الذي يلزمكم إذا أنكرتم الأول"١.
وقد أنكر الله تعالى على هؤلاء المشركين لاتخاذهم شرعًا لم يأمر الله به، فقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.
وقد نهى الله تعالى المشركين ووبخهم في شأن ما تصفه ألسنتهم من الكذب هذا حلال وهذا حرام، من غير دليل ولا برهان، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ ٣.
وأخبرهم أنّه سيحاسبهم يوم القيامة على ما ارتكبوا من الكذب والبهتان، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ
_________________
(١) ١ تفسير المراغي ١١/١٢٥. ٢ سورة الشورى الآية: ٢١. ٣ سورة النحل الآية: ١١٦.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ١.
ومن هذا يتبيّن لنا أنّ الذي يجعل الحلال حلالًا، والحرام حرامًا هو الله سبحانه دون سواه، فما أحله الله؛ فهو الحلال إلى يوم القيامة، لا يملك كائن من كان أن يحرمه، وما حرمه الله تعالى؛ فهو حرام إلى يوم القيامة، لا يملك كائن من كان أن يحله.
٢- أحكام الجاهلية:
وقد أبطل الله تعالى أحكام الجاهلية المبنية على الظلم والجور، والمستمدة من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعوها من عند أنفسهم، وجعل الحكم كله لله وحده.
قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢.
روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵄ قال:" قال
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٥٦. ٢ سورة المائدة الآيتان: ٤٩-٥٠.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إنْ اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك، فأبى رسول الله ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ "١.
والآية الكريمة إقرار لرسول الله ﷺ على ما فعل، وأمر له بالثبات وعدم الانخداع بكلام اليهود، فإنّ أعرضوا عن حكمك بعد تحاكمهم إليك، فاعلم أنّ حكمة الله في ذلك هي أن إرادته تمت على أن يعذبهم ببعض ذنوبهم في الحياة الدنيا قبل الآخرة، لأنّ استثقالهم لأحكام التوراة الموجودة لديهم، وتحاكمهم إليك لعلك تتبع أهواءهم، ومحاولتهم لفتنتك عن بعض ما أنزل الله إليك من القرآن كل هذه أمارات على فساد الأخلاق وانحلال روابط الاجتماع، ولا بدّ أن تكون نتيجتها
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ٦/٢٧٣-٢٧٤. وانظر: أسباب النزول للنيسابوري ص: ١١٣، وتفسير ابن كثير ٢/٧٢، والدر المنثور للسيوطي ٢/٢٩٠، والجامع لأحكان القرآن ٦/٢١٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٢/٤٩، ولباب النقول في أسباب النزول ص: ٩٢.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
وقوع العذاب بهم، وقد حلّ بيهود المدينة وما حولها -بسبب غدرهم- ما حلّ.
فقد أجلى النبي ﷺ بني النضير عنها، وقتل بني قريظة، وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أي: متمردون في الكفر، مصرون عليه، خارجون من الحدود والشرائع التي اختارها الله لعباده.
ثم بين تعالى بأنّهم إذا أعرضوا عن حكم النبي ﷺ، فهل حكم الجاهلية يطلبون، وهو حكم مبني على التحيز والهوى لجانب دون آخر، وترجيح القوي على الضعيف، وإنه لا أحد أحسن حكمًا من حكم الله عند قوم يوقنون ويذعنون لشرعه١.
المراد بالجاهلية في الآية:
والمراد بالجاهلية: إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، فيكون تعبيرًا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم، يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا يصدر عن كتاب، ولا يرجع إلى وحي.
وإما أهل الجاهلية وحكمهم، فهو ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى٢.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير المراغي ٦/١٣٢-١٣٣ بتصرف. ٢ انظر: تفسير أبي السعود ٣/٤٧، والدر المنثور ٢/٢٨٤.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
قال الإمام القرطبي: "والمعنى أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع.. وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونا على الأقوياء الأغنياء، فضارعوا الجاهيلة في هذا الفعل "١.
ثم يضيف القرطبي صورة أخرى، وهي ما روي عن طاووس قال: "كانوا إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، يقرأ هذه الآية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، فكان طاووس يقول: (ليس لأحد أنْ يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ ونسخ) .
واستطرد القرطبي قائلًا: (ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محرم، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع)، وقد أورد القرطبي في هذا الصدد بعض الأحاديث والآثار فانظره"٢.
وفي قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ استفهام إنكاري وتوبيخ لمن يعرضون عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ، ويبتغون حكم الجاهلية.
قال ابن كثير ﵀: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٦/٢١٤. ٢ المرجع السابق ٦/٢١٤-٢١٥.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم"١.
ولما كان القصد هو الإيمان بالله تعالى وحده، والكفر بالطاغوت بأنواعه، فقد أنكر الله تعالى على اليهود الذين تركوا هداية كتابهم التوراة، بل وتركوا العقل والفطرة وآمنوا بالجبت من الأوهام والدجل والخرافات، وآمنوا بالطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله من الأوثان والأصنام والأشخاص والأهواء وغيرها، ونصروا المشركين على المؤمنين الذين اتبعوا محمدًا ﷺ.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ٢.
روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال:" لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حبر أهل المدينة وسيدهم؟ قال:
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٢/٧٢. ٢ سورة النساء الآيتان: ٥١-٥٢.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور١ المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير منه، قال: فأنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ ٢، وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ "٣.
وعن ابن عباس قال: "كان الذين حزّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع والربيع بن أبي الحقيق وأبو عامر وسائرهم من بني النضير"٤.
ولا شك أنّ البشرية عندما تحيد عن حكم الله وشرعه، تصير إلى حكم الطواغيب، وإلى حكم الجاهلية، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
_________________
(١) ١ قال ابن الأثير: "أي أبتر لا عقب له، وأصل الصنبور: سعفة تنبت في جذع النخلة لا في الأرض، أرادوا أنه إذا قلع انقطع ذكره. النهاية ٣/٥٥. وقد كذبوا فيما زعموا، ونصر الله رسوله عليهم، وقطع دابرهم. ٢ سورة الكوثر الآية: ٣. ٣ تفسير ابن جرير ٥/١٣٣، والدر المنثور للسيوطي ٢/١٧١، وزاد في نسبته لأحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وإسناده صحيح. انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٢/١٠٦ الهامش. ٤ تفسير ابن كثير ١/٥٤٥.
[ ٢ / ٧٦١ ]
أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ ١.
قال ابن كثير: "ذكر في سبب نزول الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى أحكام الجاهلية، وقيل غير ذلك"٢.
والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا.
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه" ٣.
ومن هذا يتبين لنا أن من ترك الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٦٠. ٢ تفسير ابن كثير ١/٥٥١. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٢/٢١٠، كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
الله عليه وسلم وحكم بقوانين وضعها البشر، أو بأعراف الأسلاف، أو تقليد الآباء والأجداد، مع المخالفة للشريعة الإسلامية، معتقدًا بأفضلية تلك الأحكام على حكم الإسلام، فقد حكم بغير ما أنزل الله، وبالتالي فقد عبد غير الله؛ لأن الحكم في أمر العبادة والدين هو لله وحده، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
هذا وقد استحدث كثير من المسلمين اليوم من الشرائع والقوانين، مثل ما استحدث الذين من قبلهم، وتركوا الحكم بما أنزل الله عليهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
٣- وأد البنات٢:
ومن العادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام قتل الأولاد، ووأد البنات، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ
_________________
(١) ١ سورة يوسف الآية: ٤٠. ٢ وأد ابنته يئدها وأدًا: دفنها في القبر وهي حية، أنشد ابن الأعرابي: ما لقي المؤود من ظلم أمهكما لقيت ذهل جميعًا وعامر أراد من ظلم أمه إياه بالوأد. تهذيب اللغة ١٤/٢٤٣، ولسان العرب ٣/٤٤٢، والنهاية لابن الأثير ٥/١٤٣، ومختار الصحاح للرازي ص: ٧٠٥.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
وهذه الأعمال التي زينتها الشياطين التي توسوس لهم، ترجع لأحد وجوه ثلاثة٢:
الوجه الأول: اتقاء الفقر الواقع أو المتوقع، فالأول هو ما بينه الله تعالى بقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ٣.
والثاني: ما بينه بقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا﴾ ٤.
الوجه الثاني: اتقاء العار، وهو خاص بوأد البنات –أي دفنهن حيات- خشية أن يكن سببًا للعار إذا كبرن، فهم يصورون البنت لوالدها الجبار العاتي، ترتكب الفاحشة أو تقترن بزوج دونه في الشرف والكرامة، فتلحقه الخسة، أو تُسْبى في القتال.
الوجه الثالث: التدين بنحر الأولاد للآلهة تقربًا إليها، بنذر أو بغير نذر، وكان الرجل ينذر في الجاهلية لئن ولد له كذا غلامًا لينحرنّ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٣٧. ٢ انظر: تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ٨/١٢٤. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٥١. ٤ سورة الإسراء الآية: ٣١.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
أحدهم، كما حلف عبد المطلب بن هشام لئن ولد له عشرة نفر لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، وضربت الأقداح فخر القدح على عبد الله والد النبي ﷺ، إلا أنه فداه بذبح مائة من الإبل١.
ولولا الشرك الخبيث وتزيين الشياطين للقوم، لما راجت هذه الوسوسة عندهم، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ ٢.
لقد خسروا بقتل أولادهم وبوأد بناتهم خسرانًا عظيمًا، قال صاحب المنار: "وذلك أن خسران الأولاد يستلزم خسران كل ما يرجى من فوائدهم من العزة والنصرة والبر والصلة، والفخر والزينة والسرور، كما يستلزم خسران الوالد القاتل لعاطفة الأبوة ورأفتها، وما يتبع ذلك من القسوة والغلظة والشراسة، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق التي يضيق بها العيش في الدنيا، ويترتب عليها العقاب في الآخرة"٣.
ولذلك علل سبحانه هذا الجرم بسفه النفس، وهو اضطرابها
_________________
(١) ١ للاستزادة انظر: سيرة ابن هشام ١/١٥١-١٥٥، وزاد المسير لابن الجوزي ٣/١٣٠، وبلوغ الأرب للألوسي ٣/٤٦-٤٩. ٢ سورة الأنعام الآية: ١٤٠. ٣ تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ٨/١٣١.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
وحماقتها، وبالجهل أي: عدم العلم بما ينفع ويضر.. فهذه الأعمال أقبح ما كانت عليه العرب من غواية الشرك.
قال قتادة: "هذا صنيع أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة، ويغذو كلبه"١.
وقد فشا وأد البنات بين القبائل العربية، وخاصة بني تميم، وقد قيل أنّ رجلًا واحدًا اسمه قيس بن عاصم، وأد بضع عشرة من بناته في الجاهلية٢.
وروي أنّ أول قبيلة وأدت من العرب ربيعة، حيث أن بنتا لأمير لهم وقعت أسيرة في أيدي قبيلة أغارت عليها، فلما عقد الصلح، لم تشأ البنت العودة إلى بيت أبيها، واختارت بيت آسرها، فغضب وسن لقومه الوأد، وقلدته بقية العرب.
ويذكر أن الوأد كان مستعملًا في قبائل العرب قاطبة فكان يستعمله واحد، ويتركه عشرة، فجاء الإسلام، وقد قل ذلك فيها إلا من بني تميم، فإنهم تزايد فيهم ذلك قبيل الإسلام٣.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٨/٥١. ٢ بلوغ الأرب للألوسي ٣/٤٣. ٣ بلوغ الأرب للألوسي ٣/٤٢-٤٣، وتاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٥/٢٩٩.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
وقد شنع القرآن الكريم على الذين يئدون البنات، وقبح فعلهم المبني على الظلم والجور والجهل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ ٢.
قال صاحب التسهيل: "الموؤدة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية، من كراهته لها أو غيرته عليها، فتسأل يوم القيامة بأي ذنب قتلت؟ على وجه التوبيخ"٣.
وكان من الأمور الهامة التي بايع رسول الله ﷺ عليها النساء، عدم قتل أولادهن، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ
_________________
(١) ١ سورة النحل الآيتان ٥٨-٥٩. ٢ سورة التكوير الآيتان: ٨-٩. ٣ التسهيل لعلوم التنزيل لابن الكلبي ٤/٣٤٦.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ: "أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ﴾ ٢ الآية"٣.
٤- الزنا:
ولما كان الزنا من الفواحش الشائعة في الجاهلية، فقد جاء الإسلام يحذر منه أشذ الحذر؛ لأنه لا يمكن قيام أسرة ولا قيام مجتمع، في وحل
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة الآية: ١٢. ٢ سورة الفرقان الآية: ٦٨. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/١٦٣، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ومسلم ١/٩٠ كتاب الإيمان، باب الشرك أقبح الذنوب حديث رقم: ١٤١-١٤٢.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ١.
ذكر الطبري في تفسيرها عن السدي: "أما ما ظهر منها: فزواني الحوانيت، وأما ما بطن: فما خفي".
وعن ابن عباس قال: "كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزنا في السر والعلانية"٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا﴾ ٣.
ومعنى قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ أي: ابتعدوا ولا تدنوا من الزنا، وهو أبلغ من قوله: "لا تزنوا"، لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنا كاللمس، والنظرة، والقبلة والغمز وغير ذلك مما يجر إلى الزنا.
والقرآن الكريم يحذر من مجرد مقاربة الزنا، لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة، فالتحرز من المقاربة أضمن، فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان، ومن ثم يغلق الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة إليه،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٥١. ٢ تفسير ابن جرير الطبري ٨/٨٣. وانظر: زاد المسير لابن الجوزي ٣/١٤٨، وروح المعاني للألوسي ٨/٥٤. ٣ سورة الإسراء الآية: ٣٢.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
توقيًا للوقوع فيه.
يحرم الاختلاط، ويحرم الخلوة، وينهى عن التبرج بالزينة، ويحض على الزواج لمن استطاع، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع، ويمنع الحواجز التي تقف في طريق الزواج؛ كالمغالاة في المهور، وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد، ويحض على مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم، ويوقع أشد العقوبة على الجريمة حيث تقع، وعلى رمي المحصنات الغافلات دون برهان إلى آخر وسائل الوقاية والعلاج، ليحفظ الأسرة المسلمة من التردي والانحلال"١.
وقال تعالى: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ﴾ ٢.
ذكر ابن كثير عن مجاهد: أي: المعصية في السر والعلانية.
وفي روايته عنه: هو ما ينوي مما هو عامل.
وعن قتادة: أي سره وعلانيته قليله وكثيره.
وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان.
_________________
(١) ١ انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب ٥/٣٢٢ بتصرف. ٢ سورة الأنعام الآية: ١٢٠.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم١.
ثم قال ابن كثير: "والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله"٢.
وكان من شروط مبايعة النبي ﷺ للنساء في العقبة، عدم الزنا
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٣.
وقد رغب الإسلام في الزواج الشرعي بصور متعددة، فذكره تارة بأنه من سنن الأنبياء، وهدى المرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ٤.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٢/١٨٢. وانظر: تفسير الطبري ٨/١٣-١٤. ٢ تفسير ابن كثير ٢/١٨٢. ٣ سورة الممتحنة الآية: ١٢. ٤ سورة الرعد الآية: ٣٨.
[ ٢ / ٧٧١ ]
وذكره تارة في معرض الامتنان: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ١.
ويلفت القرآن الكريم نظر المرء إلى أنّ الله تعالى سيجعل الزواج سبيلًا إلى الغنى، قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى٢ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ومن سمو الإسلام أنه شرع العقوبة الزاجرة لرذيلة الزنا: مائة جلدة للبكر، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
أو الرجم للمحصن، كما ورد في السنة الصحيحة من ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى رجل من المسلمين
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٧٢. ٢ الأيامى جمع أيم، وهم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء. لسان العرب ١٢/٣٩، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص: ٣٢. ٣ سورة النور الآية: ٣٢. ٤ سورة النور الآية: ٢.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
رسول الله ﷺوهو في المسجد- فناداه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى عليه ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ: اذهبوا به فارجموه" ١.
٥- التبرج:
ومن الأمور التي حذّر الإسلام منها تبرج النساء، بإظهار الزينة والمحاسن للرجال الأجانب، لأنّ ذلك من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها.
قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٩/٣٨٩ كتاب النكاح، باب الطلاق في الإغلاق والكره وصحيح مسلم ٣/١٣١٨ كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، حديث رقم: ١٦.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١.
والتبرج في اللغة: يقال ثوب مبرج صورت عليه بروج فاعتبر حسنه، فقيل تبرجت المرأة، أي تشبهت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها، أي: قصرها٢.
والتبرج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال٣.
قال مجاهد: "كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال، فذلك تبرج الجاهلية"٤.
وقال قتادة: "وكانت لها مشية تكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك"٥.
وقال مقاتل بن حيان: "والتبرج إنها تُلقي الخمار على رأسها، ولا تشده، فيداري قلائدها، وقرطها وعنقها، ويبدوا ذلك كله"٦.
وفسّر الإمام القرطبي حقيقة التبرج بأنه: "إظهار ما ستره أحسن،
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية: ٣٣. ٢ المفردات للراغب ص: ٤١. ٣ اللسان ٢/٢١٢. وانظر: مختار الصحاح للرازي ص: ٤٦. ٤ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٤/١٨٠، وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٣. ٥ الطبري ٢٢/٤، وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٣. ٦ تفسير ابن كثير ٣/٥٠٣.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
وهو مأخوذ من السعة، يقال في أسنانه برج إذا كانت متفرقة.
وهو أيضًا التكشف والظهور للعيون بغير حائل يستر.
وقيل: إنّ المرأة كانت تلبي الدرع من اللؤلؤ غير مخيط، وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها"١ ا.؟.
واختلف الناس في الجاهلية الأولى٢، فقيل: هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم ﵇، وقيل ما بين آدم ونوح، وهي ثمانمائة سنة، وقيل: ما بين نوح وإدريس، وقيل: ما بين نوح وإبراهيم، وقيل: ما بين موسى وعيسى، وقيل: ما بين عيسى ومحمد ﷺ..
وقال العباس المبرد: والجاهلية الأولى كما تقول: الجاهلية الجهلاء، قال وكان الناس في الجاهلية الجهلاء يظهرون ما يقبح إظهاره.
ويشاركه في الرأي ابن عطية، إذ قال: "والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقنها، فأمر بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كانت قبل الشرع من سيرة الكفرة، وكان النساء دون حجاب، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه، وليس المعنى أنّ ثم جاهلية أخرى، وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام، فقالوا: جاهلي في الشعراء، وقال ابن عباس في البخاري سمعت أبي في الجاهلية يقول غير هذا.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٧٩-١٨٠. ٢ المرجع السابق.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ويؤيد القرطبي هذا الرأي بتحفظ، حيث قال: "قلت: وهذا قول حسن".
ويعترض بأنّ العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب، وأنّ التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة، وهي المراد بالجاهلية الأولى.
وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على تدلل وتكسر، وإظهار المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعًا، وذلك يشمل الأقوال كلها "١ا.؟
ولا شك أن الدين الإسلامي أنكر التبرج الذي كان سائدًا بين نساء العرب، ومنعه بالأوامر والتوجيهات التي جاء بها القرآن الكريم، فاسمع إلى خطاب الله تعالى إلى زوجات وبنات النبي ﷺ ونساء المؤمنين بإدناء الجلابيب، كي لا يتعرض لهن فاسق بأذى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ٢.
ومن هنا يتبين لنا أنّ القرآن الكريم نهى عن التبرج والسفور، ليطهر
_________________
(١) ١ المرجع السابق. ٢ سورة الأحزاب الآية: ٥٩.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
المجتمع الإسلامي من آثار الجاهلية، ويبعده عن عوامل الفتنة ودواعي الغواية.
وفي مقابل نهي الإسلام للنساء عن عادات الجاهلية الشريرة، أمرهن بالخير والبر، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله في جميع الأوامر والنواهي؛ لينلن الخير والفلاح.
٦- الإكراه على البغاء:
ومن العادات الجاهلية التي قضى عليها الإسلام، ما كان يفعله بعض الجاهليين من إكراه إمائهم على الزنا من أجل أخذ عرض من أعراض الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: "كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبي بن سلول، فإنّه كان له إماء، فكان يكرههن على البغاء
_________________
(١) ١ سورة النور الآية: ٣٣.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
طلبًا لخراجهن، ورغبة في أولادهن، ورياسة منه فيما يزعم"١.
وذكر المفسرون: أنّ عبد الله بن أبي كانت له ست جوار يكرههن على الزنا، وضرب عليهم ضرائب، فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله ﷺ، فنزلت الآية، وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا عليه من القبائح ما لا يخفى، فإنّ من له أدنى مروءة لا يرضى بفجور من يحويه حرمة من إمائه، فضلًا عن أمرهن به، أو إكراههن عليه، لا سيما عند إرادتهن التعفف٢.
وقوله: ﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: من أجل أن تحصلوا على حطام الدنيا الزائل بطريق الرذيلة والفاحشة، وقد "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن" ٣.
وقوله: ﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، أي: ومن يجبرهن على ارتكاب فاحشة الزنا، فإنّ الله غفور لهن رحيم بهن، وسينتقم الله ممن أكرههن على الزنا شر انتقام.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٣٠٢. ٢ انظر: الفخر الرازي ٢٣/٢٢٠، وتفسير أبي السعود ٦/١٧٣. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ٤/٤٢٦ كتاب البيوع، باب ثمن الكلب. ومسلم ٣/١١٩٨ كتاب المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي. وتقدم ص: ٦٥٠.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
٧- أكلهم للميتة والدم وما أهل به لغير الله والمنخنقة.. الخ
وأكل الجاهليون الخبائث، كالميتة والدم، وما ذبح للأصنام، فذكر عليه غير اسم الله تعالى، كقولهم باسم اللات والعزى ونحو ذلك.
ولهذا جاء الإسلام الحنيف بتحريم هذه الخبائث للأضرار الناتجة عنها دينيًا ودنيويًا.
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
ومثل ذلك في سورة النحل٢: والميتة هي كل ما أُزهق روحه من الحيوان بغير تذكية٣، وحرمت لأنّ الحيوان إذا مات حتف أنفه احتبس الدم في عروقه، وتعفن وفسد، وحصل من أكله من مضار عظيمة٤.
ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال، سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٧٣. ٢ النحل الآية: ١١٥. ٣ المفردات للراغب ص: ٢٧٧. ٤ انظر التفسير الكبير للفخر الرازي ١١/١٣٢.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" ١.
وكذلك الجراد لما في الصحيحين من حديث أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد٢.
وحرم "الدم"، والمراد به الدّم المسفوح.
قال ابن كثير: "وذلك أنّ أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئًا محددًا من عظم ونحوه، فيعضد به بعيره أو حيوانًا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة"٣.
وحرم "لحم الخنزير" أنسيه ووحشيه، وجميع أجزائه حتى الشحم٤، وذلك للأضرار الناتجة عن أكله صحيًا وأخلاقيًا.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ١/٦٤ كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر حديث: ٨٣. والترمذي ١/١٠١ كتاب الطهارة، باب ما جاء في البحر أنه طهور، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي ١/٥٠ كتاب الجهارة، باب ماء البحر. وابن ماجه ١/١٣٦ كتاب الطهارةن باب الوضوء بماء البحر. وموطأ الإمام مالك ١/٢٢ كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء حديث رقم: ١٢. وأحمد ٢/٢٣٧، والحاكم في المستدرك ١/١٤٠-١٤١. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٩/٦٢٠ كتاب الذبائح والصيد، باب أكل الجراد. ومسلم ٣/١٥٤٦ كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الجراد حديث رقم: ٥٢. ٣ تفسير ابن كثير ٢/٨. ٤ المرجع السابق والصفحة.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
وقد أثبت العلم الحديث أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة "الدودة الشريطية وبويضاتها المكتسبة".
يقول سيد قطب: "ولما كان هذا الاكتشاف قد احتاج إلى قرون طويلة ليكتشف آفة واحدة، فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى من لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها؟ "١.
فسبحان الحكيم العالم بما يصلح لخلقه وما يضرهم.
وأما ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ فهو ما ذكر عليه غير اسم الله، أو ذبح لغير الله، كقولهم باسم اللات والعزى٢، ونحو ذلك.
أما من ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من المحرمات، بشرط ألا يكون متجاوزًا مقدار الحاجة، أو خارجًا في معصية الله، فإنّ له أن يتناول هذه المحرمات بقدر حاجته، فالله غفور رحيم بعباده، ومن رحمته أنْ أباح لهم هذه المحرمات عند الضرورة.
وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ١/٢٢١ بتصرف. ٢ تفسير الطبري ٦/٦٨، وتفسير ابن كثير: ٢/٨.
[ ٢ / ٧٨١ ]
إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ﴾ ١.
قال صاحب الكشاف: "كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات: البهيمة التي تموت حتف أنفها، والفصيد وهو الدم في الأمعاء، يشوونه ويقولون لم يحرم من فزد -أي فَصَدَ له "٢.
وقد سبق بيان معنى الميتة والدم وما أهل لغير الله به في الكلام عن آية البقرة السابقة.
وأما ﴿الْمُنْخَنِقَةُ﴾ فهي التي تموت بالخنق٣.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد، كالعصا والحجر.
قال ابن عباس وغيره: "هي التي تضرب بالخشبة حتى يقذها فتموت".
وقال قتادة: "كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا، حتى إذا ماتت
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٣. ٢ الكشاف للزمخشري ١/٥٩٢. ٣ تفسير الطبري ٢/٦٨، وتفسير ابن كثير ٢/٩.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
أكلوها"١.
وفي الصحيح أن عدي ابن حاتم قال: قلت يا رسول الله: إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: "إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله" ٢.
وأما ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾ فهي التي تقع من شاهق، أو موضع عال، فتموت بذلك.
قال ابن عباس: "المتردية التي تسقط من جبل".
وقال قتادة: "هي التي تتردى في بئر".
وقال السدي: "هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر"٣.
وأما ﴿َالنَّطِيحَةُ﴾ فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها٤، فتموت قبل أن تذكى.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾، هي في الحقيقة من جنس
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٦/٦٩، وتفسير ابن كثير ٢/٩. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٤/٢٩٢ كتاب البيوع، باب تفسير الشبهات. وأخرجه أيضًا في ٩/٦٠٤ كتاب الذبائح والصيد، باب ما أصاب المعراض بعرضه. ٣ انظر هذه الأقوال في: تفسير الطبري ٦/٧٠، وتفسير ابن كثير ٢/١١. ٤ تفسير الطبري ٦/٧٠، وتفسير ابن كثير ٢/١١، والمفردات للراغب ص: ٤٩٦.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
الميتة؛ لأنّ كل واحدة منها ماتت ولم يسل دمها، فكانت كالميتة حتف أنفها١.
وأما ﴿مَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فهي ما عدا عليها سبع من السباع، فأكل بعضها فماتت بذلك.
وكان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة، أو البعير، أو البقرة، أو نحو ذلك٢.
وأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، قال الزمخشري: "كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت، يذبحون عليها، ويشرّحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها تسمى الأنصاب. قال الأعشى:
وذا النصب المنصوب لا تعبدنه لعاقبة والله ربك فاعبدا٣
قال ابن كثير: "فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح، حتى ولو كان يذكر عليه اسم الله، لما في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله"٤ ا.؟
_________________
(١) ١ انظر: الفخر الرازي ١١/١٣٣. ٢ تفسير الطبري ٦/٧٢، وتفسير ابن كثير ٢/١١. ٣ الكشاف ١/٥٩٣. ٤ تفسير ابن كثير ٢/١٢.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وقوله: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ﴾، قال الأزهري: "معنى الاستقسام: هو طلب معرفة ما قسم له من الخير والشر، مما لم يقسم له بواسطة ضرب القداح"١.
وقال عن الأزلام: "والأزلام كانت لقريش في الجاهلية، مكتوب عليها أمر ونهي وافعل ولا تفعل، وقد زلمت وسويت ووضعت في الكعبة، يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد رجل سفرًا أو نكاحًا أتى السادان فقال: اخرج لي زلمًا، فيخرجه وينظر إليه فإذا خرج قدح الأمر مضى على ما عزم عليه، وإنْ خرج قدح النهي قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زلمان، وضعهما في قرابه، فإذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما، قال الحطيئة يمدح أبا موسى الأشعري:
يجز الطير إنْ مرت به سنحًا ولا يفيض على قسم بالأزلام٢
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ "أنّ النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت، لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام، فقال: قاتلهم
_________________
(١) ١ تهذيب اللغة ٣/٢١٨، واللسان ١٢/٢٧٠. ٢ تهذيب اللغة ٨/٤٢٠، واللسان ١٢/٢٧٠.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
الله، والله إن استقْسما بالأزلام قط" ١.
وفي صحيح البخاري أيضًا أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام هل أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره لا تضرهم، قال: فعصيت الأزلام، واتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية، وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك٢.
وقال مجاهد عن الأزلام: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم كانوا يتقامرون.
ويعلق ابن كثير على قول مجاهد، فيقول: "وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار فيه نظر، اللهم إلا أن يقال إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة وفي القمار أخرى، والله أعلم فإنّ الله
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/٣٨٧ كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ . ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٧/٢٣٨ كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
سبحانه قد قرن بينها وبين القمار، وهو الميسر، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١"٢.
٨- الخمر:
الخمر في اللغة: أصل الخمر ستر الشيء، ومنه خمار المرأة، قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ٣.
وخمرت الإناء غطيته، وأخمرت العجين جعلت فيه الخمير، والخميرة سميت لكونها مخمورة من قبل، ومنه قولهم: دخل في خمار الناس، أي في جماعتهم الساترة لهم، والخمر سميت لكونها خامرة لمقر العقل٤.
جاء في اللسان: سميت الخمر خمرًا لأنها تركت فاختمرت، واختمارها تغير ريحها، ويقال سميت بذلك لمخامرتها العقل٥.
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٩٠. ٢ تفسير ابن كثير ٢/١٣. ٣ سورة النور الآية: ٣١. ٤ المفردات للأصفهاني ص: ١٥٩. ٥ اللسان ٤/٢٥٥.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
ويطلق الخمر على الشجر الملتف١.
ومن هذا يتبين لنا أن كلمة "الخمر" تدور حول الستر، والتغطية والمخالطة، والترك وتغير الرائحة، وهي تستر عقل شاربها وتحجبه، ومن ثم يصير شاربها مستور العقل، ويتصرف بلا وعي ولا شعور.
أما الخمر في الشرع فهي: كل ما من شأنه أنْ يسكر يعتبر خمرًا، ولا عبرة بالمادة التي أخذت منه، فما كان مسكرًا من أي نوع من الأنواع فهو خمر شرعًا، ويأخذ حكمه، ويستوي في ذلك ما كان من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير، وما كان على شكل حبوب أو سوائل أو فواكه وغيرها.
وقد كان حب الخمر من عادات العرب التي تغلغلت في نفوسهم ودأبوا عليها، حتى خالط قلوبهم حبها.
فلما جاء الإسلام الحنيف، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم سبل السلام وطرق الخير، بغرس المبادئ السامية في الإنسان، حيث جعله لا يعبد إلا الله ولا يؤمن إلا به.. جاء يحرّم الخمر -أم الخبائث- على الناس، وذلك لما تجلبه من أضرار سيئة في النفس والبدن والخلقة على الفرد والجماعة.
ونظرًا لتغلغل حب الخمر في نفوس الجاهليين، فقد كان تحريمها على
_________________
(١) ١ النهاية لابن الأثير ٢/٧٧.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
خطوات:
الخطوة الأولى: لما كثر سؤال المسلمين عنها، وعن لعب الميسر، لِمَا كانوا يرونه من شرورهما ومفاسدهما، أنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ ١.
والميسر: القمار، يقال: يَسَرَ الرجلُ يَيْسِرُ، فهو يسر وياسر، والجمع أيسار٢.
قال مجاهد: "كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز"٣.
ومعنى الآية الكريمة: يسألونك يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار، فقل لهما إنّ في تعاطيهما ضررًا عظيمًا وإثمًا كبيرًا، ومنافع مادية ضئيلة، لأنّ ضياع العقل وذهاب المال، وتعريض البدن للمرض في الخمر وما يسببه القمار من خراب البيوت، ودمار الأسر، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين لا يساوي ما فيهما من نفع قليل تافه.
ومن هذه الآية يتبين لنا أنّ الإثم أرجح من المنافع في الخمر والميسر،
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢١٩. ٢ النهاية لابن الأثير ٥/٢٩٦. ٣ تفسير الطبري ٢/٣٥٧. وانظر: النهاية لابن الأثير ٥/٢٩٦.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
وفي هذا ترجيح لجانب التحريم، ولكنه ليس تحريمًا قاطعًا.
ثم تأتي الخطوة الثانية في تحريم الخمر أثناء الصلاة، قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ ١.
وقد ذكر في سبب نزولها: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا من الصحابة رضوان الله عليهم، فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، فلما جاء وقت صلاة المغرب، قدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. وأنتم عابدون ما أعبد﴾ من سورة الكافرون، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ ٢.
وبعد أن تهيأ المسلمون لقبول حكم الله في الخمر، جاءت الخطوة الأخيرة، والقاضية بتحريم الخمر والميسر، تحريمًا صريحًا، في كل وقت وحين.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٤٣. ٢ انظر: تفسير الطبري ٥/٩٥، وتفسير ابن كثير ١/٥٣٠.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ ١.
روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن عمر أنه قال: -لما نزل تحريم الخمر- قال اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى أن: لا يقربن الصلاة سكران، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾، قال عمر: انتهينا انتهينا٢.
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٩٠-٩١. ٢ المسند ١/٥٣. وسنن أبي داود ٤/٧٨ كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، حديث ٣٦٦٩. وسنن الترمذي ٥/٢٥٣-٢٥٤ كتاب التفسير، سورة المائدة، وقال: وقد روي عن إسرائيل هذا الحديث مرسلًا.
[ ٢ / ٧٩١ ]
قال القفال: "والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب، أنّ الله تعالى علم أنّ القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بها كثيرًا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدرج وهذا الرفق"١.
٩- الربا:
الربا لغة: الزيادة، يقال: ربا المال يربو ربوًا، إذا زاد وارتفع٢.
وهو في الشرع: الزيادة على أصل المال من غير عقد تبائع٣.
وقد كان هذا الوباء منتشرًا في الجاهلية إنتشارًا واسعًا، ولا ريب أنّ لليهود الذين سكنوا الجزيرة العربية اليد الطولى في انتشار هذا الداء بينهم، فاليهود هم الذين ﴿قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ٤.
والربا قسمان٥:
١-ربا النسيئة.
٢-وربا الفضل.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير للفخر الرازي ٦/٤٠. ٢ انظر: النهاية لابن الأثير ٢/١٩١، والمفردات للأصفهاني ص: ١٨٧. ٣ النهاية لابن الأثير ٢/١٩. ٤ سورة آل عمران الآية: ٧٥. ٥ انظر فقه السنة لسيد سابق ٣/١٣٥.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
وربا النسيئة (التأجيل) هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل.
وربا الفضل وهو بيع النقود بالنقود، أو الطعام بالطعام مع الزيادة.
وبالنظر إلى الآيات الواردة في الربا، نجد أنّ القرآن الكريم قد تعرض لهذا الداء الوبيل في أربعة مواضع:
ففي المرحلة الأولى يقول تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ١.
والآية الكريمة كما تبين أنّ الربا ليس له ثواب عند الله، فهي كذلك لم تذكر أنّ الله قد أجل لآكله عقابًا، كما تبين الآية أنّ ما أخذه المرابي من المحتاج عن طريق الاستغلال ليزيد به في ماله بلا مقابل، فإنّ ماله لن يزيد عند الله تعالى.
أما المرحلة الثانية: فقد كانت درسًا وعبرة قصها علينا القرآن الكريم عن سيرة اليهود الذين حرّم عليهم الربا، فأكلوه، وعاقبهم الله بمعصيته، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ
_________________
(١) ١ سورة الروم الآية: ٣٩.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١.
وواضح أنّ هذه العبرة لا تقع موقعها إلاّ إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح، ومهما يكن من أمر، فإنّ هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهي يوجه إليهم قصدًا في هذا الأمر.
ثم تأتي المرحلة الثالثة: تحمل النهي الصريح عن الربا، ولكنه لم يكن إلاّ نهيًا جزئيًا عن الربا الفاحش، الذي يتزايد حتى يصير أضعافًا مضاعفة٢.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
قال ابن جرير: "إنّ الرجل كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذي عليه المال: أخر عني دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافًا مضاعفة،
_________________
(١) ١ سورة النساء الآيتان: ١٦٠-١٦١. ٢ انظر: تفسير المراغي ٣/٦٠. ٣ سورة آل عمران الآية: ١٣٠.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
فنهاهم الله ﷿ في إسلامهم عنه"١.
وفي النداء للمؤمنين بهذا الوصف، دليل على أنّ الإيمان يتنافى مبدئيًا مع أكل الربا الذي لا يكون إلا مع الجشع والظلم واستغلال المحتاجين، والإيمان إنّما يكوِّن مجتمعًا نظيفًا سليمًا يبني معاملاته كلها على التراحم والتعاون على الخير.
وأخيرًا تأتي المرحلة الرابعة، والتي ختم بها التشريع في الربا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ ٢.
والنص الكريم يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا، فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد لما أمر الله به، والنص القرآني لا يدعهم في شبهة من الأمر، ولا يدع إنسانًا يتستر وراء كلمة الإيمان، بينما هو لا يطيع ولا يرتضي ما شرع الله، ولا ينفذه في حياته، ولا يحكمه في معاملاته.
ولقد ترك لهم ما سلف من الربا لم يقرر استرداده منهم، ولا
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير الطبري ٤/٩٠. ٢ سورة البقرة الآيتان: ٢٧٨-٢٧٩.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
مصادرة أموالهم كلها، أو جزء منها، بسبب أنّ الربا كان داخلًا فيها.. إذ لا تحريم بغير نص، ولا حكم بغير تشريع.. وفي الوقت ذاته علق اعتبارهم مؤمنين على قبولهم لهذا التشريع وإنفاذه في حياتهم منذ نزوله وعلمهم به.. واستجاش قلوبهم –مع هذا- شعور التقوى لله، وهو الشعور الذي ينوط به الإسلام تنفيذ شرائعه، ويجعله الضمان الكامن في ذات الأنفس، فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته.
وإلى جوار صفحة الترغيب هذه صفحة الترهيب.. الترهيب الذي يزلزل القلوب: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرسُولِهِ﴾ .
يا للهول حرب من الله ورسوله.. حرب تواجهها النفس البشرية، حرب رهيبة معروفة المصير، مقررة العاقبة.. فأين الإنسان الضعيف الفاني من تلك القوة الجبارة الساحقة الماحقة؟ "١.
ولقد كتب رسول الله ﷺ بهذه الآيات إلى عتاب بن أسيد نائب مكة، من أجل محاربة بني المغيرة إذا لم يقلعوا عن التعامل بالربا، فقالوا: "نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا" فتركوه كلهم٢.
_________________
(١) ١ انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب ١/٤٨٥، باختصار وتصرف يسير. ٢ انظر: تفسير ابن جرير الطبري ٣/١٠٧، وتفسير ابن كثير ١/٣٤٣. وانظر: أسباب النزول للنيسابوري ص: ٥٠-٥١، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص: ٥٠ عن أبي يعلى في مسنده.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
وقد أمر ﷺ في خطبته في حجة الوداع بوضع كل ربا في الجاهلية، وأوله ربا عمه العباس عن كاهل المدينين الذين ظلّوا يحملونه إلى ما بعد الإسلام.
فقال في خطبته: "وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله" ١.
هذا وقد أفاض القرآن الكريم في بيان العبادات، وأصول الأخلاق، وحقوق الإجتماع، وشرحها شرحًا وافيًا حيث حبب إلى الناس الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجفاء الطبع، وحقد القلب، وخشونة اللفظ، وأمر بالقصاص لضرورة حماية الأنفس وصيانة المجتمعات من الفوضى وانتهاك المحارم، وأمر بالجهاد والطاعة، والوضوء والغسل من الجنابة، وأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحث على الزواج الشرعي لبقاء النسل، وقضاء الوطر في لقاء طاهر شريف بين الذكر والأنثى من بني البشر.
وأمر بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، وأمر بالشكر والورع والحياء، وكف الأذى، ونصرة المظلوم،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٢/٨٨٩ كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ. وسنن أبي داود ٢/٤٦١ كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي ﷺ. وسنن ابن ماجه ٢/١٠٢٥ كتاب المناسك، باب حجة رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
ونهى عن الظلم والاحتقار، والغيبة والنميمة، والتجسس والجهر بالسوء من القول، والتباغض والتحاسد والكذب وشهادة الزور، والهمز واللمز، والغش والخداع، ودعوى الجاهلية واعتبارها خبيثة منتنة.
وأمر بالاستئذان وغض البصر، وحفظ الفرج، وحفظ اللسان، والحب في الله، والبغض في الله، وأمر بإفشاء السلام، وحسن الخلق، والإحسان إلى الجار، واليتامى والمسكين وابن السبيل إلى آخره.
ونستطيع القول بأنّ النقلة التي أحدثها الإسلام تشمل الحياة كلها من أدب الأكل والشرب، وقضاء الحاجة إلى بناء الدولة وسياسة الحكومة وسياسة المال، وشئون المعاملات والعقوبات وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب.
وتفصيل الأمر في ذلك يحتاج إلى مجلدات ضخمة.
[ ٢ / ٧٩٨ ]