١- تعريف الشرك لغة:
جاء في لسان العرب: " الشِّرْكَةُ والشَّرِكَةُ سواء: مخالطة الشريكين، يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا وشارك أحدهما الآخر، والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء، وطريق مشترك يستوي فيه الناس، واسم مشترك فيه معان كثيرة: كالعين ونحوها، وأشرك بالله جعل له شريكًا في ملكه تعالى الله عن ذلك، والإسم الشرك، قال الله تعالى حكاية عن عبده لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
والشرك أن يجعل لله شريكًا في ربوبيته، تعالى الله عن الشركاء والأنداد"٢.
وجاء في مقاييس اللغة: "الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدلّ على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة.
_________________
(١) ١ سورة لقمان آية: ١٣. ٢ لسان العرب ١٠/٤٤٨-٤٤٩.
[ ١ / ٩٩ ]
فالأول: الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك.
قال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ١.
ويقال في الدعاء: "اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين" أي: اجعلنا لهم شركاء في ذلك الدعاء.
وأما الثاني: فالشرك: لَقَم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشراك النعل مشبه بهذا، ومنه شرك الصائد سُمِيَ بذلك لامتداده"٢.
وفي تهذيب اللغة: "الشرك بمعنى الشريك، وهو بمعنى النصيب، وجمعه أشراك كشبر وأشبار، والشرك حبائل الصائد، وكذلك ما ينصب للغير، وفي الحديث: "أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه" ٣، أي حبائله ومصائده، يعني ما يدعو إليه ويوسوس به من الإشراك بالله تعالى.
وفي حديث تلبية الجاهلية: "لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكًا هو
_________________
(١) ١ سورة طة آية: ٣٢. ٢ مقاييس اللغة ٣/٢٦٥. ٣ أبو داود ٥/٣١٠-٣١١ كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، رقم: ٥٠٦٧. والترمذي ٥/٤٦٧ كتاب الدعوات، رقم: ٣٣٩٢، وقال: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان ٢٣٤٩، والحاكم ١/٥١٣، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ١٠٠ ]
لك، تملكه وما ملك" ١، يعنون بالشرك الصنم، يريدون أن الصنم وما يملكه، ويختص به من الآلات التي تكون عنده، وحوله من النذور التي كانوا يتقربون بها إليه، ملك لله تعالى "٢.
وفي القاموس المحيط: "وأشرك بالله كفر"٣.
وفي المفردات في غريب القرآن: "يقال أشرك فلان بالله، وذلك أعظم كفر"٤.
ومن هذا يتبين لنا أن مادة (الشين والراء والكاف) في اللغة تدور حول المخالطة، والنصيب، والتسوية، والكفر، وحبائل الصائد، والند، والمثل، والشبيه، والكفء، والنظير، ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ ابن إسحاق بدون إسناد. انظر: سيرة ابن هشام ١/٧٨، وكشف الأستار للبزار بإسناد حسن ٢/١٥. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/٢٢٣: رجاله رجال الصحيح. وانظر: الأصنام لابن الكلبي ص: ٧، والنهاية لابن الأثير ٢/٤٦٧، والفتاوى لابن تيمية ١/١٥٦، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/٢١٠-٢١١، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٨٨، والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية د. مهدي رزق الله ص: ٦٩. ٢ تهذيب اللغة ١٠/١٧-١٨. ٣ القاموس المحيط ٣/٣٠٨. ٤ المفردات في غريب القرآن ص: ٢٥٩.
[ ١ / ١٠١ ]
٢- مواضع ورود كلمات الشرك في القرآن الكريم:
والقرآن الكريم يكشف لنا هذا الأمر الخطير في ألفاظ متعددة، ليتضح أمره للناس ويبتعدوا عنه، فقال تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
قال ابن جرير: "والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان بن ثابت:
أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفِداء
يعني ولست له بند: لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيها، فهو له ند "٢.
ونقل ابن جرير ﵀ كلام العلماء في معنى الأنداد في الآية، فعن قتادة ومجاهد: "أندادًا" أي: عدلاء.
وعن ابن مسعود: "أندادًا"، قال: أكفاء من الرجال، تطيعونهم في معصية الله.
وعن ابن عباس: "أندادًا"، قال: أشباهًا.
وعن عكرمة: "أندادًا"، أي: تقولون لولا كلبنا لدخل علينا اللص
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٢. ٢ تفسير ابن جرير ١/١٦٣.
[ ١ / ١٠٢ ]
الدار، ولولا كلبنا صاح في الدار ونحو ذلك١.
وقال ابن كثير ﵀: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه"٢.
ونقل ابن كثير عن أبي العالية قوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا﴾ أي: عدلاء شركاء، وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وإسماعيل بن أبي خالد"٣.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄: "أن هذه الآية تعني جميع المشركين من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، قال ابن عباس: نزل ذلك في الفريقين جميعًا الكفار والمنافقين، وإنما عني بقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي تدعوكم إليه الرسل من توحيده، هو الحق لا
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١/١٦٣. ٢ تفسير ابن كثير ١/٥٨. ٣ المرجع السابق والصفحة.
[ ١ / ١٠٣ ]
شك فيه"١.
ومن الآيات التي جاء فيها ذكر الأنداد، قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وأطلق الشرك على العدول والتسوية، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ ٥.
قال الطبري:"يعدلون: يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١/١٦٤، وانظر: تفسير ابن كثير ١/٥٨. ٢ سورة البقرة آية: ١٦٥. ٣ سورة إبراهيم آية: ٣٠. ٤ سورة فصلت آية: ٩. ٥ سورة الأنعام آية: ١.
[ ١ / ١٠٤ ]
معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شركه في خلق شيء من ذلك، ولا في أنعامه عليهم بما أنعم به عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره"١.
وقال مجاهد: "يعدلون" يشركون٢.
وقال ابن كثير: "أي كفر به بعض عباده، وجعلوا له شريكًا وعدلًا، واتخذوا له صاحبة وولدًا"٣.
كما أطلق الشرك على الأرباب، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ ٤.
قال ابن جرير: "فإنَّ اتخاذ بعضهم بعضًا هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاص الله، وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٧/١٤٤. ٢ تفسير ابن جرير ٧/١٤٤. ٣ تفسير ابن كثير ٢/١٣٣. ٤ سورة آل عمران آية: ٦٤. ٥ سورة التوبة آية: ٣١.
[ ١ / ١٠٥ ]
وعن عدي بن حاتم قال: "أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن من عنقك، فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾، قال: قلت: يا رسول الله إناّ لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرّم الله فتحلونه؟ قال قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم"١.
وقد نفى الله تعالى عن نفسه الكفء والشبيه والنظير، قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢.
ومن هذا يظهر لنا أن معنى الشرك من خلال آيات القرآن لا يختلف عن ما جاء في كتب اللغة، إذ أنّ معناه يدور حول اتخاذ المثيل والشبيه والنظير، والأرباب والعديل أو العدلاء، وأن يجعل العبد لله ندًا أو كفؤًا، أو أن ينسب إليه الصاحبة والولد.
_________________
(١) ١ الجامع الصحيح للترمذي ٥/٢٧٨ كتاب التفسير، سورة التوبة. ورواه ابن جرير في تفسيره ١٠/١١٤، وانظر تفسير ابن كثير ٢/٣٧٣. ٢ سورة الإخلاص آية: ٤.
[ ١ / ١٠٦ ]
٣- تعريف الشرك شرعًا:
فقد عرّفه الذهبي ﵀ بقوله: "هو أن تجعل لله ندًا، وهو خلقك، ويمكن القول بأن الشرك في الشرع هو أنْ يصرف العبدُ شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى من أصنام أو أوثان، أو أشجار، أو أحجار، أو إنس، أو جن، أو قبور، أو أجرام سماوية، أو قوى طبيعية، أو غير ذلك.
ومن هذا يتبين لنا أن من صرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء والذبح والنذر والصلاة والاستغاثة والخوف والرجاء والتوكل ونحوها، لغير الله تعالى فقد أشرك بالله ﷿.
وقد بين النبي ﷺ حقيقة الشرك وعظم جرمه، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ: أيُّ الذنبِ أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك.." ١ الحديث.
وفي الصحيحين عن أبي بكرة عن أبيه قال: كنا عند رسول الله
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/١٦٣ كتاب التفسير، باب قوله تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ . وصحيح مسلم ١/٩٠ كتاب الإيمان، باب كون الشرك أكبر الذنوب حديث رقم: ١٤١.
[ ١ / ١٠٧ ]
ﷺ فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور "١ الحديث.
فالشرك أكبر الكبائر وأعظم الذنوب، لأنه تنقص برب العالمين وانتهاك لحقه ﵎، فقد ثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ حق اللهِ على العباد أن يعبدُوهُ ولا يشرِكُوا به شيئًا "٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٠/٤٠٥ كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر. وصحيح مسلم ١/٩١ كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها حديث رقم: ١٤٣. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/٥٨ كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار. وصحيح مسلم ١/٥٨ كتاب الإيمان، حديث رقم: ٤٨.
[ ١ / ١٠٨ ]
٤- أنواع الشرك:
وشرك الإنسان في الدين نوعان١:
أحدهما الشرك العظيم: وهو إثبات شريك لله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ٤.
وقال تعالى حكاية عن قول لقمان: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
والثاني: الشرك الأصغر، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ انظر: المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص: ٢٥٩. ٢ سورة النساء آية: ٤٨. ٣ سورة النساء آية: ١١٦. ٤ سورة المائدة آية: ٧٢. ٥ سورة لقمان آية: ١٣. ٦ سورة يوسف آية: ١٠٦.
[ ١ / ١٠٩ ]
والآية كما تدل على نعت المشركين بالشرك الأكبر، كما قال ابن عباس ﵄ من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم: من خلق السموات ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون به.
وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم١، فإنها تشير إلى ما يتخلل الأفئدة وينغمس به الأكثرون من الشرك الخفي الذي يشعر صاحبه به غالبًا.
ومنه قول الحسن البصري في هذه الآية: "ذاك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذلك"٢.
وقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "وأما الشرك فهو نوعان: أكبر، وأصغر.
فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًا، يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية المشركين برب العالمين
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير ٢/٥٣٢. ٢ المرجع السابق والصفحة. ٣ سورة الكهف آية: ١١٠.
[ ١ / ١١٠ ]
ثم قال: وأما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وإنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب قائله ومقصده "١ ا.؟
وقد حذر النبي ﷺ من الشرك الخفي، وأخبر أنه يخافه على أمته أكثر مما يخافه عليهم من المسيح الدجال.
فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال قلنا: بلى، فقال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل" ٢.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين لابن القيم ١/٣٦٨-٣٧٣. ٢ سنن ابن ماجه ٢/١٤٠٦ كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، حديث رقم: ٤٢٠٤. ونحوه في مسند الإمام أحمد ٣/٣٠. وفي الزوائد: إسناده حسن.
[ ١ / ١١١ ]
٥- الفرق بين الشرك والكفر:
وقد يسأل سائل عن الفرق بين الشرك الذي نتحدث عنه وبين الكفر؟ أو بين المشركين وأهل الكتاب، ونحو ذلك؟
والجواب: أن الكفر في اللغة معناه الستر والتغطية١.
وقد وصف به الليل لستره الأشياء، والزراع لستره البذور في الأرض، وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك شكرها، قال تعالى: ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ ٢.
وأعظم الكفر جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة، والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا، قال تعالى: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا﴾ ٣.
والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثتها٤.
وقد فرق القرآن الكريم في كثير من الآيات بين الكافرين عمومًا،
_________________
(١) ١ لسان العرب ٥/١٤٦-١٤٧، ومقاييس اللغة ٥/١٩١. ٢ سورة الأنبياء آية: ٩٤. ٣ سورة الإسراء آية: ٩٩. ٤ انظر: المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص: ٤٣٣-٤٣٤.
[ ١ / ١١٢ ]
وبين أهل الكتاب من جهة، وبين المشركين من جهة أخرى.
وإنْ كان هؤلاء جميعًا يتفقون في معارضة الدين، أو رسالة نبي من الأنبياء، أو إيذاء رسول من الرسل، كما قد يشتركون في إيذاء المؤمنين، ولكنهم في طبيعة العقيدة يختلف كل منهم عن الآخر.
قال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذىً كَثِيرًا﴾ ٢.
وقال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ٣.
كما بين القرآن الكريم ما عليه أهل الكتاب من الدعاوي الباطلة من زعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية، أو أنها في اتباع النصرانية، وبين أن تلك الدعاوي لم تكن عن دليل أو شبهة، بل هي مجرد جحود وعناد،
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٠٥. ٢ سورة آل عمران آية: ١٨٦. ٣ سورة المائدة آية: ٨٢.
[ ١ / ١١٣ ]
وبين أن إبراهيم ﵇ كان مائلًا عن الأديان كلها إلى الدين القيم، ولم يكن من المشركين بالله غيره.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ ِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
ونجد تفصيلًا أكثر بين مجموعة المهتدين ومجموعات الكافرين، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٣٥. ٢ سورة آل عمران آية: ٦٧. ٣ سورة الأنعام آية: ١٦١. ٤ سورة الحج آية: ١٧.
[ ١ / ١١٤ ]
وآيات سورة البينة تجمل الكفر، ثم تفصل بين أهل الكتاب والمشركين، سواء في طبيعة تقبلهم للهداية، أو في المصير المنتظر لهم، قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ إلى أن تقول الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ١.
وقد يطلق الكفر على من كفر بالنعمة، كقوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٢.
وقد يطلق على من ترك ركنًا من أركان الدين، كما في قوله تعالى:٣.
وإطلاق الكفر على من كفر بالله، وجحد ألوهيته ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ مطلقًا، فكثير في القرآن، كما في قوله ﷾: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ
_________________
(١) ١ سورة البينة الآيات: ١-٦. ٢ سورة إبراهيم آية: ٧. ٣ سورة آل عمران آية: ٩٧.
[ ١ / ١١٥ ]
كَفَرُواْ ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
وقوله: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ٣.
وقد يطلق على المشركين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ٥.
وقد يطلق الكفر على أهل الكتاب، خاصة دون المشركين، كقوله
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٠٢. ٢ سورة البقرة آية: ١٢٦. ٣ سورة الغاشية الآيتان: ٢٢- ٢٣. ٤ سورة البقرة آية: ٦. ٥ سورة البقرة آية: ٨٩.
[ ١ / ١١٦ ]
تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ١.
ومن هذا يتبين لنا أن الكفر بمعنى الجحد والستر، يشمل كل من أنكر الرب أو الخالق ﷾، أو أنكر يوم البعث، أو نبيًا من الأنبياء، أو كتابًا من الكتب السماوية، وكذا من أحلّ محرمًا، أو أنكر ركنًا من أركان الإسلام.
وبهذا المعنى يشمل الكفر كفرا أهل الكتاب يهودًا أو نصارى، وربما كان بعضهم موحدًا إذا احتفظ بأصل العقيدة، وربما كان مشركًا كما في قوله ﷾: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
وبهذا المعنى يشمل الكفر كفر الصابئة، وقد اختلف في أمرهم، هل هم من أهل الكتاب أو ليسوا منهم؟
وقال ابن قدامة: "ينظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون أحد أهل الكتابين في نبيهم وكتابهم، فهم منهم، وإلا فليسوا من أهل الكتاب"٣.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٧٠. ٢ سورة التوبة آية: ٣٠. ٣ المغني لابن قدامة ٨/٤٩٦-٤٩٧.
[ ١ / ١١٧ ]
ويشمل المجوس: وهم كما يقول ابن القيم: " يعظمون الأنوار والنيران، ويدّعون نبوة زرادشت، وهم فرق شتى، منهم المزدكية أصحاب مزدك، وهؤلاء يرون الاشتراك في النساء والمكاسب، كما يشترك الناس في الهواء والماء، ومنهم الخرمية، أصحاب بابك الخرمى، وهم شر طوائفهم، لا يقرون بخالق، ولا معاد، ولا نبوة، ولا حلال، ولا حرام "١.
ويشمل كفر الدهريين: وهم الذين ينكرون الخالق، ويقولون لا إله ولا صانع للعالم، وأن هذه الأشياء وجدت بلا خالق٢.
وجاء في الكواشف الجلية عن العقيدة الواسطية٣: والكفر أنواع:
١- كفر عناد ككفر أبي جهل.
٢- كفر إباء ككفر إبليس.
٣- كفر جحد ككفر فرعون.
فالكفر إذًا أعم من الشرك.
أما الشرك فهو ما سبق تعريفه، وهو أن يصرف العبد شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى، وهو الذي بيده الخلق والرزق، والإحياء
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان ٢/٢٤٧-٢٤٨. ٢ انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي ص: ٤٤. ٣ الكواشف الجلية عن العقيدة الواسطية ص: ١٩٣-١٩٤.
[ ١ / ١١٨ ]
والإماتة، وتدبير الأمور، وهو الذي يفزع إليه الإنسان بطبعه وفطرته عند نزول الكرب، ويتجه إليه عنه الدعاء والرجاء.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ ١.
والشرك أعظم أنواع الكفر، وأشدها لأنه يتنافى مع كل عقل ومنطق، ولهذا نجد أن القرآن الكريم يخوض معركة حامية مع الشرك والمشركين، ليقتلع فكرة الشرك من جذورها.
ومن هنا يتبين لنا أن كل مشرك كافر، وليس كل كافر مشرك.
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ١٢.
[ ١ / ١١٩ ]
٦- صور من الشرك في الاعتقاد:
أ- الشرك في النية:
المطلوب من العبد أن يكون قوله وفعله وعمله وجهاده خالصًا لوجه الله تعالى، من غير طلب مغنم أو جاه، أو رئاسة أو لقب، أو شرف أو غير ذلك من الأحوال الدنيوية، وإلا فإنّ عمله يكون حابطًا فاسدًا والعياذ بالله، لأنه أصبح نوعًا من الشرك.
ونذكر في هذا المعنى ما قاله الدكتور محمد خليل هراس: "فإن العبادات كلها لا تكون مقبولة ولا معتدًا بها إلاّ إذا توفر لها شرطان:
أحدهما: باطن، وهو إخلاص النية فيها لله ﷿، بحيث لا يقصد بها إلا وجه الله والدار الآخرة.
والآخر: ظاهر، وهو المتابعة فيها للشرع، وفق ما أمر الله به ورسوله، من غير زيادة ولا نقص.
فإذا اختل واحد من هذين الشرطين، لم تصح العبادة، فإنها إن خلت من الإخلاص كانت رياء، وهو الشرك الأصغر، وإن خلت من المتابعة كانت ابتداعًا.
[ ١ / ١٢٠ ]
قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١"٢.
قال قتادة: "من كانت الدنيا همه وزينته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها، أمّا المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة"٣.
ولهذا كانت النية ميزان الأعمال كلها، وعلى قدر توفرها في العمل يكون الثواب، كما ثبت في الحديث الصحيح: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"٤.
_________________
(١) ١ سورة هود الآيتان: ١٥-١٦. ٢ دعوة التوحيد ص: ٤٤. ٣ تفسير ابن كثير ٢/٤٧١. ٤ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/٩ كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺوقد أخرجه البخاري في ستة مواضع أخرى-. وصحيح مسلم ٣/١٥١٥ كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات"، حديث رقم: ١٥٥. وأحمد ١/٢٥.
[ ١ / ١٢١ ]
ب- الشرك في المحبة:
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ ١.
قال ابن القيم ﵀ ٢: "اخبر تعالى أنّ من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا في المحبة، لا في الخلق والربوبية.
فإن أحدًا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند، بخلاف ند المحبة، فإنّ أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٣.
فجعل علامة حبهم لله أن يتابعوا رسوله ﷺ، ويكون هواهم تابعًا لما جاء به، ووعدهم على ذلك حبه لهم ومغفرته لذنوبهم، وإذا كان الحب عبادة، بل هو أساس العبادات كلها، إذ لا يصح شيء منها إلاّ مع كمال الحب وكمال الذل، فلا يصح أن يحب العبد مع
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٦٥. ٢ التفسير القيم لابن القيم ص: ١٤٠، وانظر مدارج السالكين ٣/٢٠. ٣ سورة آل عمران آية: ٣١.
[ ١ / ١٢٢ ]
الله أحدًا، فإن هذا من اتخاذ الأنداد التي صرحت به آية البقرة، بل يحب في الله ولله.
وبهذا يظهر أن حب غير الله لا ينافي التوحيد، بل قد يكون من كمال التوحيد: فإنّ من تمام حب العبد لله أن يحب في الله ويبغض في الله، ويوالي في الله، ويعادي في الله، ويحب ما يحبه الله ويرضاه من الأشخاص والأخلاق والأعمال، ويبغض ما يبغضه الله كذلك.
ولهذا لا يكمل إيمان أحد حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، وحتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فيؤثر مرضاتهما على مرضاة كل أحد، ويقدم أمرهما وحكمهما على أن كل أحد وحكمه.
وبالجملة فيجب التمييز بين المحبة في الله ولأجله، التي هي من كمال التوحيد، وتمام الإخلاص، وبين المحبة مع الله، التي هي محبة الأنداد من دون الله لما يتعلق بقلوب المشركين مع الإلهية التي لا تجوز إلاّ لله وحده. ا.؟
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ
[ ١ / ١٢٣ ]
لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١.
وقال ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"٢.
فالمراد بهذه المحبة هي: "المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله، ومتى أحب العبد بها غيره، كان شركًا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإثاره على غيره"٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حبه ما يحب، وبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الفسوق والعصيان"٤.
وخلاصة القول إنّ الشرك في المحبة هو الحب المبني على إيثار غير الله ﷿ بالذل والخضوع والطاعة في المحبة الخاصة بالله تعالى.
أما الحب الغريزي الذي يشعر به الإنسان نحو أهله وأولاده مثلًا،
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٢٤. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/٥٨ كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان. ومسلم ١/٦٧ كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ. ٣ انظر: تيسير العزيز الحميد ص: ٤٦٨. ٤ العبودية ص: ٢٨.
[ ١ / ١٢٤ ]
فلا يتعارض مع الحب الذي يجب أن يكون خالصًا لله تعالى، إلا إذا غلا ذلك الحب وطغى على تقديم محبة الله، أو تسبب في الإنشغال عن طاعته، فإنه يكون حينئذ من الحب المنهي عنه.
ج- الشرك في الخوف:
ولما كان الله تعالى هو النافع الضار، فقد أمر عباده أنْ يخافوه ولا يخافوا أحدًا سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالآية دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناسًا خائفين منهم، ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما في الآية الأولى، بل يجب عليه أن يخاف الله، فخوف الله أمر به، وخوف الشيطان وأوليائه نهى عنه"٢.
وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ ٣ الآية.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٧٥. ٢ دقائق التفسير ١/٣٠٧. ٣ سورة المائدة آية: ٤٤.
[ ١ / ١٢٥ ]
وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ١.
إلى غير ذلك من الآيات التي تفيد أن من أخلص الناس في العبادة وأكملهم إيمانًا أخوفهم لله تعالى، وأشدهم له خشية.
والخوف الذي لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا، هو: خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض، أو فقر، أو قتل، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخلوق بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندًا يخافه هذا الخوف؛ فهو مشرك٢.
أما الخوف الطبيعي كالخوف من عدو، وسبع، وهدم، وغرق، وحريق، ونحو ذلك هذا لا يذم٣.
ومن هذا القبيل خاف الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم أكمل الناس توحيدًا، فهذا إبراهيم ﵇ لما جاءته الملائكة بالبشارة في صورة الآدميين، وقدم لهم عجلًا ظانًا إنهم من البشر، ورأى أيديهم لا تمتد إلى الطعام، نكرهم وأوجس منهم خيفة، عند ذلك قالوا له: ﴿لاَ
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٣٦. ٢ انظر: تيسير العزيز الحميد ص: ٤٨٤ بتصرف. ٣ المرجع السابق ص: ٤٨٦.
[ ١ / ١٢٦ ]
تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ١.
وذكر الله تعالى هذا الخوف عن موسى ﵇ لما قتل المصري حين استغاثه الإسرائيلي ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ٢.
وكذلك لما أمره الله تعالى أن يلقي عصاه، ورآها تهتز كأنها جان ولى مدبرًا ولم يعقب، حتى قال له الله ﷿: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ٣.
د- الشرك في الطاعة والانقياد:
ولما كانت الطاعة من أعظم أنواع العبادات التي أمر الله بها، كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ٤.
قال المراغي في تفسيره: "أي أطيعوا الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول لأنه يبين للناس ما نزل إليهم، فقد جرت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه رسل منهم تكفل بعصمتهم، وأوجب علينا طاعتهم.
وأطيعوا أولي الأمر، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند،
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٧٠. ٢ سورة القصص آية: ٢١. ٣ سورة القصص آية: ٣١. ٤ سورة النساء آية: ٥٩.
[ ١ / ١٢٧ ]
وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، بشرط أن يكونوا أمناء، وألا يخالفوا أمر الله، ولا سنة رسوله الصحيحة، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه"١.
أما من أطاع أحدًا من الخلق في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحلّ الله، فقد اتخذ ذلك المخلوق ربًا في التشريع من دون الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وروى الترمذي وابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه"٣.
_________________
(١) ١ تفسير المراغي ٥/٧٢ بتصرف يسير. ٢ سورة التوبة آية: ٣١. ٣ أخرجه الترمذي ٥/٢٧٨ كتاب التفسير، سورة التوبة، وابن جرير الطبري في تفسير ١٠/١١٤. وانظر: تفسير ابن كثير ٢/٣٧٣، وتقدم ص: ١٠٦.
[ ١ / ١٢٨ ]
وفي لفظ: قال عدي: يا رسول الله: إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرّم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم١.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك، وأتباع القضاة، والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة.. فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه، والحرام ما حرمه، والحلال ما حلله، والدين ما شرعه إما دينًا، وإما دنيا، وإما دينًا ودنيا، ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك، وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئًاَ في طاعته بغير سلطان من الله"٢.
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١٠/١١٤. ٢ مجموع الفتاوى ١/٩٨.
[ ١ / ١٢٩ ]
٧- صور من الشرك في العبادات: ويشتمل على يأتي:
أـ دعاء غير الله.
ب - الغلو في قبور الأنبياء والصالحين.
ج - الشرك في الذبح.
د - الشرك في النذر.
هـ - إدعاء علم الغيب.
وـ السحر والخداع.
ز - الأحجبة والرقى والتمائم.
أ- دعاء غير الله:
ومن أنواع الشرك: دعاء غير الله تعالى، وذلك لأن الله تعالى بين أن الدعاء من أجلّ العبادات وأكرمها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة غافرة آية: ٦٠. ومعنى داخرين أي: أذلاء. المفردات في غريب القرآن ص: ١١٦.
[ ١ / ١٣٠ ]
وقال الرسول ﷺ: "الدعاء هو العبادة" ١.
فعلى هذا فمن دعا أحدًا غير الله تعالى ممن لا يملك جلب نفع، أو دفع ضر، فقد وقع في الشرك، سواء كان ملكًا من الملائكة المقربين، أو نبيًا من المرسلين، أو وليًا من الصالحين، أو جنيًا من الشياطين، أو أي مخلوق حيًا أو ميتًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد في المسند ٤/٢٦٧. وابن ماجه في سننه ٢/١٢٥٨ كتاب الدعاء، باب أفضل الدعاء. والترمذي في جامعه ٥/٤٥٦ كتاب الدعاء، باب ما جاء في فضل الدعاء، وقال: حديث حسن صحيح. ٢ سورة الأعراف آية: ١٩٤. ٣ سورة يونس الآيتان: ١٠٦-١٠٧.
[ ١ / ١٣١ ]
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٢ الآية.
وكذلك لا تجوز الاستعاذة أو الاستغاثة ونحوها إلاّ بالله تعالى.
ب- الغلو في قبور الأنبياء والصالحين:
ومن أنواع هذا الشرك الخبيث، والداء العضال، والوباء المعدي، والسرطان الفتاك، الذي ما حل بأرض إلا شوه معالمها، وأهلك أهلها، وعطل مسيرتها، الغلو والمبالغة وتجاوز الحدود في تعظيم قبور الأولياء وتقديسها.
وقد نهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين، وتوعد الغالين، فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ ٣ الآية.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٥٦. ٢ سورة القصص آية: ٨٨ ٣ سورة النساء آية: ١٧١.
[ ١ / ١٣٢ ]
أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀ عند الآية الأولى: "ينهى تعالى أهل الكتاب من الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة، إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله، يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوا، سواء كان حقًا أو باطلًا، أو ضلالًا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا"٢.
وقال ﵀ عند الآية الثانية: "أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه من حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلاّ لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا "٣.
كما لعن النبي ﷺ اليهود والنصارى لغلوهم
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٧٧. ٢ تفسير ابن كثير ١/٦٢٩. ٣ تفسير ابن كثير ٢/٨٩.
[ ١ / ١٣٣ ]
في اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، محذرًا أمته من الوقوع في ما وقع فيه أولئك القوم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١.
وعن جندب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" ٢.
وجاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/٢٠٠ كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور. وصحيح مسلم بشرح النووي ٥/١٣ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٥/١٣ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
[ ١ / ١٣٤ ]
عند الله" ١.
وأمر النبي ﷺ بتسوية القبور، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" ٢.
والأحاديث التي تنهى عن البناء على القبور، وتوجب هدمها كثيرة، وصحيحة، وصريحة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فأما بناء المساجد على القبور، فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما بتحريمه"، ثم قال: "فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوك وغيرهم، يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين"٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/٢٠٨ كتاب الجنائز، باب بناء المسجد على القبر. وصحيح مسلم بشرح النووي ٥/١١ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٧/٣٦ كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر. ٣ اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٢٢٩-٢٣٠
[ ١ / ١٣٥ ]
وعلى كل فالغلو في الصالحين والأولياء، والعكوف عند قبورهم بالصلاة، أو الدعاء، أو الذبح، أو الطواف، أو النذر، ونحو ذلك، لهو من أعمال الشرك الذي حذرنا منه ديننا الإسلامي، وقد أمرنا الله تعالى بمحبة الأنبياء، والأولياء، والصالحين، ولكن لا نرفعهم فوق المنزلة التي لهم من العبودية لله تعالى، وإنما تكون محبتهم باتباع ما دعوا إليه من الهدى والعلم النافع، والتقوى والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم في ذلك دون عبادتهم، وعبادة قبورهم والعكوف عليها.
ج- الشرك في الذبح:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
قال ابن كثير: "يأمر الله نبيه ﷺ أن يخبر المشركين، الذين يعبدون غير الله، ويذبحون له، بأنه أخلص صلاته وذبيحته، لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية، والعزم على الإخلاص لله تعالى"٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيتان: ١٦٢-١٦٣. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٢١٤ بتصرف يسير.
[ ١ / ١٣٦ ]
وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١.
ومن هذا يتبين لنا أن من ذبح لغير الله من الجن، أو الإنس، أو الأنبياء، أو الصالحين وغيرهم، من الأصنام والأوثان، فقد أشرك بهذا الفعل غير الله تعالى، ولا يجوز أكل ذبيحته؛ لأنها مما أهل لغير الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فلو ذبح لغير الله متقربًا به إليه لحرم، وإن قال فيه بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الأولياء والكواكب بالذبح والبخور، ونحو ذلك"٣.
د- الشرك في النذر:
والنذر -كما يقول اللغويون-: ما كان وعدًا على شرط٤، أو أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر٥.
وقد ورد النهي عنه في قوله ﷺ: "لا تنذروا فإنّ النذر لا يغني من القدر شيئًا، ولا يؤخر، وإنما يستخرج به من
_________________
(١) ١ سورة الكوثر آية: ٢. ٢ سورة النحل آية: ١١٥. ٣ اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٢٥٩. ٤ القاموس المحيط ٢/١٤٠. ٥ المفردات في غريب القرآن ص: ٤٨٧.
[ ١ / ١٣٧ ]
البخيل" ١.
لكن العبد إذا نذر لزمه الوفاء بنذره، بشرط أن يكون النذر في طاعة الله تعالى، وفيما يملك الناذر، قال ﷺ: "من نذر أن يطع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه" ٢.
وقال ﷺ: "لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٣.
لهذا فإن النذر قربة من القرب، وعبادة من العبادات، يجب أن تكون خالصة لله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ٤.
وقال تعالى في مدحه للأبرار من عباده: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١١/٥٧٥ كتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر. ومسلم ٣/١٢٦١ كتاب النذر، باب النهي عن النذر، وأنه لا يرد شيئًا. وأحمد ٢/٤١٢. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ١١/٥٨١ كتاب الأيمان والنذور، باب النذور في الطاعة. ٣ صحيح مسلم ٥/١٢٦٣ كتاب النذر، باب لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد. وأبو داود ٣/١١٢ كتاب الإيمان والنذور، باب في النذور فيما لا يملك. ٤ سورة الحج آية: ٢٩.
[ ١ / ١٣٨ ]
كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ١.
أما النذر للأضرحة والأصنام والأوثان، والأولياء والصالحين، ونحو ذلك، طلبًا لنفعهم، أو رجاء شفاعتهم، فلا ريب أن ذلك من الشرك الواضح الصريح؛ لأنه صرفت فيه العبادة لغير الله تعالى.
جاء في الحديث أن رجلًا نذر أن ينحر إبلًا ببوانة٢، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "هل كان فيها صنم من أصنام الجاهلية يعبد؟ فقيل: لا، فقال: هل كان فيها عيد من أعياد الجاهلية يقام؟ فقيل: لا، فقال للرجل: أوف بنذرك"٣.
؟- ادعاء علم الغيب:
لم يطلع الله تعالى أحدًا من خلقه على علم الغيب -سوى الملائكة والرسل- ومن زعم أنّ أحدًا من الناس يعلم الغيب فقد وقع في الشرك.
وقد ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة نصوص مستفيضة أن علم الغيب هو من خصائص الله تعالى التي استأثر الله بها، ومن هذه النصوص،
_________________
(١) ١ سورة الإنسان آية: ٧. ٢ بوانة -بضم الباء، وقيل بفتحها، هضبة من وراء ينبع. النهاية لابن الأثير ١/١٦٤. وانظر: لسان العرب ١٣/٦٢. ٣ سنن أبي داود ٣/٦٠٧ كتاب الأيمان والنذور، باب ما يؤمر من الوفاء بالنذر، طبعة الدعاس.
[ ١ / ١٣٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢.
وورد في الحديث الصحيح أنّ رسول الله ﷺ قال: "مفتاح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله، لا يعلم أحد ما يكون في غده، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر"٣.
واستثنى الله تعالى من ذلك الملائكة، والرسل الكرام، فقد أطلعهم ﷾ على ما شاء لهم أن يعرفوه من غيبه، من أجل تبليغ رسالاته وأوامره إلى خلقه، بما لا يخرج عن نطاق ما يكون فيه مصالح البشر ومنافعهم.
قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ٥٩. ٢ سورة النمل آية: ٦٥. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ٢/٥٢٤ كتاب الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله. ومسند الإمام أحمد ٢/٢٤.
[ ١ / ١٤٠ ]
رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾: "وهذا يعم الرسول الملكي والبشري"٢.
أما ما عدا ذلك، فلا يعلم أحدٌ من خلقه شيئًا مما استأثر بعلمه من الغيب، حتى الرسول ﷺ نفسه نفى الله عنه الإحاطة بالغيب، إلا ما شاء الله، ولذلك علم الله خاتم رسله أن يقول للناس ما ورد في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ٣ الآية.
وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
فإذا كان الرسول ﷺوهو سيد البشر على
_________________
(١) ١ سورة الجن الآيات: ٢٦-٢٨. ٢ تفسير ابن كثير ٤/٤٥٩. ٣ سورة الأنعام آية: ٥٠. ٤ سورة الأعراف آية: ١٨٨.
[ ١ / ١٤١ ]
الإطلاق قد نفى الله عنه علمه بالغيب، إلاّ ما يوحيه إليه بواسطة الملك، فكيف يزعم الدجالون معرفتهم للغيب، واطلاعهم على أمور مستقبلة؟
ومن هذه المزاعم ما يفتريه بعضهم بأنّ الجن يعرفون غيب الماضي.. مع أن الله تعالى نفى عن الجن معرفتهم بالغيب كله، ماضيه ومستقبله.
وقصة الجن الذين سخرهم الله للعمل بين يدي سليمان ﵇، يذكر القرآن الكريم أن سليمان بعد أن مات أعمى الله موته عن الجن، ولو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا مدة من الزمن، وهم يعانون الأعمال الشاقة.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ١ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ ٢.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يذكر تعالى كيفية موت سليمان ﵇، وكيف عمّى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئًا على عصاه، وهي منسأته، كما قال ابن عباس ﵄ ومجاهد والحسن وقتادة، وغير واحد مدة طويلة، نحوًا من
_________________
(١) ١ منسأته أي: عصاه. ٢ سورة سبأ آية: ١٤.
[ ١ / ١٤٢ ]
سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة ضعفت وسقطت على الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة، وتبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك"١.
كما نجد أنّ القرآن الكريم يصرح بأنّ الجن قد نفوا عن أنفسهم معرفة الغيب كلية، قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ٢.
والسحر والخداع:
ومن أنواع الشرك الممقوت، الاشتغال بالسحر وتصديق السحرة، قال ابن منظور: "والسحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودق، فهو سحر"٣.
وقال ابن فارس: "السحر قال قوم: هو إخراج الباطل في صورة الحق.
ويقال: هو الخديعة"٤.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٥٥٢. ٢ سورة الجن آية: ١٠. ٣ لسان العرب ٤/٣٤٨. ٤ معجم مقاييس اللغة ٣/١٣٨.
[ ١ / ١٤٣ ]
وقال الراغب: والسحر على معان:
الأول: الخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يده، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ ١. وقال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٢.
الثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٣.
وعلى ذلك قوله ﷾: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ٤.
والثالث: ما يذهب إليه الآغتام -الجهلة- وهو اسم لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حمارًا، ولا حقيقة لذلك عند المحصلين "٥.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١١٦. ٢ سورة طه آية: ٦٦. ٣ سورة الشعراء الآيتان: ٢٢١-٢٢٢. ٤ سورة البقرة آية: ١٠٣. ٥ المفردات في غريب القرآن ص: ٢٢٦. وانظر: فتح الباري لابن حجر ١٠/٢٢٢.
[ ١ / ١٤٤ ]
ولهذا فإن السحر في اللغة، هو: عبارة عما خفي ولطف سببه، وقد جاء في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إنّ من البيان لسحرا، أو إن بعض البيان سحر" ١.
وسُمّيَّ السّحرُ سحرًا؛ لأنه يقع خفيًا آخر الليل٢.
وقد سمى الله تعالى السحر كفرًا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ٣.
وقد حذّر الله تعالى أمته عن السحر والاشتغال به، لأن الشياطين يعلمونه للناس عن طريق الوسوسة إليهم، ويعرفونهم كيف يوقدون العداوات ويثيرون الفتن بين الزوج وزوجته بالنميمة والوشاية، وفي هذا العمل قطع للأرحام، وخراب للبيوت والعمران.
قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٠/٢٣٧ كتاب الطب، باب إنّ من البيان سحرا. وصحيح مسلم ٢/٥٩٤ كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة. وأحمد ١/٢٦٩. ٢ لسان العرب لابن منظور ٤/٣٥٠، والمفردات في غريب القرآن ص: ٢٢٦. ٣ سورة البقرة آية: ١٠٢. ٤ سورة البقرة آية: ١٠٢.
[ ١ / ١٤٥ ]
وقد ذمّ الله عمل الساحر ووصفه بالخسران في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ١.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه" ٢.
لذلك: "فمن مارس السحر، ودعا بأسماء الشياطين، وعقد العقد، ووضع التمائم والحروز التي تذكر أسماء الجن، وفعل محبات ومكاره
_________________
(١) ١ سورة طه آية: ٦٩. ٢ أخرجه: النسائي في سننه ٧/١١٢ كتاب تحريم الدم، الحكم في السحرة. والمزي في تهذيب الكمال ٢/٦٥٤ من طريق عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا وسنده منقطع. قال المنذري في الترغيب والترهيب ٤/٣٢:" رواه النسائي من رواية الحسن عن أبي هريرة، ولم يسمع منه عند الجمهور". وقال الذهبي في الميزان ٢/٣٧٨:" هذا الحديث لا يصح، للين عباد وانقطاعه" ا.؟. وحسنه ابن مفلح في الآداب ٣/٧٨. ورواه عبد الرزاق ١١/١٧ بسند صحيح عن الحسن مرسلًا، فثبت أن أصل الحديث مرسل، لكن عباد أخطأ فوصله. انظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص:١٣٤-١٣٥، حديث رقم: ٢٦٥.
[ ١ / ١٤٦ ]
للأزواج والزوجات، فقد وقع في الكفر"١.
ز- الأحجبة والرقى والتمائم:
ومن الشرك عمل الأحجبة والرقى، وتعليق الودع ونحوها على الأولاد والحيوانات والسيارات، وكذلك البيوت والدكاكين.
وقد عرف الجاهليون قديمًا هذه الأعمال نتيجة لاعتقادات وهمية باطلة.
ولما جاء الإسلام الحنيف، حارب تلك الإعتقادات الفاسدة، والخرافات الساقطة، وحذّر الناس من أخطارها وويلاتها، نظرًا لما يترتب عليها من مفاسد وشرور دينية ودنيوية.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الرقى٢، والتمائم٣،
_________________
(١) ١ انظر: الإيمان لعبد المجيد الزنداني ص: ٢٣٧. ٢ قال ابن الأثير: الرقية: العوذة التي يرقي بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغيير ذلك من الآفات، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازها، وفي بعضها النهي عنها، والأحاديث في القسمين كثيرة، ووجه الجمع بينها أن الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي، وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه ، وأن يعتقد أن الرقية نافعة ، ولا يكره منها ما كان في خلاف ذلك، كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى، والرقى المروية وما كان بغير اللسان العربي مما لا يعرف ترجمته، ولا يمكن الوقوف عليه، لا يجوز استعماله. النهاية ٢/٢٥٤-٢٥٥. ٣ التمائم: جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام. النهاية لابن الأثير ١/١٩٧.
[ ١ / ١٤٧ ]
والتولة١ شرك" ٢.
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تعلق تميمة، فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة٣، فلا ودع الله له" ٤.
وقال ﷺ: "من علق تميمة فقد أشرك" ٥.
وجاء في الحديث الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل
_________________
(١) ١ التولة: -بكسر التاء وفتح الواو- ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره. النهاية لابن الأثير ١/٢٠٠. ٢ سنن أبي داود ٤/٢١٢ كتاب الطب، باب في تعليق التمائم. وابن ماجه ٢/١١٦٧ كتاب الطب، باب تعليق التمائم. ومسند أحمد ١/٣٨١. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم: ٤٩٢، ص: ٢٦٥. ٣ الودع: هو شيء أبيض يجلب من البحر، يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم. النهاية لابن الأثير ٥/١٦٨. ٤ مسند الإمام أحمد ٤/١٥٤. ٥ مسند الإمام أحمد ٤/١٥٦. قال المنذري في الترغيب والترهيب ٤/٣٠٧: "ورواة أحمد ثقات".
[ ١ / ١٤٨ ]
رسولًا "أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر١، أو قلادة من حبل إلاّ قطعت" ٢.
ومع هذه النواهي والتحذيرات من الرسول ﷺ فهناك من جهال المسلمين لا يزالون يعلقون حروزًا فيها أسماء الجن، ورسوم مجهولة، ويوجد من يأكلون تراب القبور، أو يتمسحون بها، ومن يعلقون الودع والأوتار وغيرها.
وأن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة فيهما الهداية والنور، وإرشاد أولئك الحيارى إلى الاتجاه الصحيح إلى الله تعالى الذي بيده النفع والضر وحده.
ألم يقرأ أو يسمع أولئك الجهلة قول إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الأوتار: هي أوتار القسي، وهي ثياب من كتان مخلوط من حرير كانوا يزعمون أن التقلد بها يرد عن العين ويدفع عنهم المكاره. النهاية لابن الأثير ٤/٥٩ و٥/١٤٩. وانظر: فتح الباري لابن حجر ٦/١٤٢. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/١٤١ كتاب الجهاد، باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل. وصحيح مسلم ٣/١٦٧٣ كتاب اللباس، باب كراهية قلادة الوتر في رقبة البعير. ٣ سورة الشعراء الآيات: ٧٨-٨٠.
[ ١ / ١٤٩ ]
إن الشريعة الإسلامية لم تحرم التداوي بالمباح، بل شرعته وأمرت به، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام" ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٠/١٣٤ كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء. ومسلم ٤/١٧٢٩ كتاب السلام، باب لكل داء دواء. وأبو داود ٤/٧ كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة -واللفظ له-. والترمذي ٤/٣٨٣ كتاب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه. وابن ماجه ٢/١١٣٧ كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء. وأحمد ١/٣٧٧.
[ ١ / ١٥٠ ]
٨- صور من المعبودات من دون الله: ويشتمل على ما يلي:
أـ عبادة الشخصية الإنسانية.
ب - عبادة الأصنام والأوثان.
ج - عبادة الأهواء.
د - عبادة الأسلاف.
هـ - عبادة بعض الظواهر الطبيعية.
أ- عبادة الشخصية الإنسانية:
ومن أنواع الإشراك بالله عبادة الشخصية الإنسانية، وكان منشأ هذه العبادة إما ناتج عن بعض أنواع العنف التي استغلها بعض الطغاة لدى الجهلة من الناس، كما فعل فرعون، قال تعالى حكاية عن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ
_________________
(١) ١ سورة القصص آية: ٣٨.
[ ١ / ١٥١ ]
خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ١.
وإما أنه ناتج عن الجهل والغلو في بعض الأشخاص، كما يفعل القبوريون نحو قبور الأنبياء والصالحين بعد موتهم، فعظموهم ونذروا لهم، ودعوهم لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات.
يقول ابن القيم ﵀: "ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جعلوا فيه حظ الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا هو التشبية الواقع في الأمم الذي أبطله الله سبحانه، وبعث رسله، وأنزل كتبه بإنكاره والردّ على أهله"٢.
ولما كانت دعوة القرآن الكريم حربًا على الشرك، وجعل الأمر كله لله تعالى، فلا قدسية لفرد ولا عبادة لإنسان مهما كانت منزلته حتى ولو كان نبيًا من الأنبياء، فإننا نجد أن الله تعالى يأمر رسوله ﷺ أن يبلغ الناس بأنه بشر كسائر البشر، يوحى إليه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣.
وهو مع ذلك لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا يعلم الغيب، وإنما
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآيتان: ١٢٣-١٢٤. ٢ إغاثة اللهفان ٢/٢٢٦. ٣ سورة الكهف آية: ١١٠.
[ ١ / ١٥٢ ]
هو عبد مرسل للإنذار والبشارة، قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وقد ذم الله تعالى الحكام الظالمين من أهل الكتاب الذين استغلوا سذاجة الناس وضعفهم، فشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن الله به، إذ أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وقد زعم اليهود بأنّ عزير ابن الله، وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله.
وقد أبطل القرآن الكريم هذه المبادئ والمعتقدات الباطلة، وعمل على اجتثاثها من جذورها حتى لا يقع اللاحقون فيما وقع فيه السابقون.
فقال تعالى في شأن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١٨٨. ٢ سورة التوبة آية: ٣١.
[ ١ / ١٥٣ ]
مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٢.
ب- عبادة الأصنام والأوثان:
ومن أنواع الشرك بالله تعالى عبادة الأصنام والأوثان، -والأصنام جمع صنم، وهو التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان، وهو الوثن، وقد يقال للصورة المصورة على صورة الإنسان في
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآيتان: ١١٦-١١٧. ٢ سورة آل عمران آية: ٧٩-٨٠.
[ ١ / ١٥٤ ]
الحائط وغيره: صنم ووثن١.
وقيل: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن ما كان له جثة من خشب، أو حجر، أو فضة ينحت ويعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومن العرب من جعل الوثن المنصوب صنمًا٢.
وسواء سُمي المعبود من دون الله صنمًا أو وثنًا مصورًا على شكل إنسان أو حيوان أو طائر أو غير ذلك، أو لم يكن مصورًا كالأحجار والأشجار والأخشاب والقبور ونحوها.
فإنّ جميعها تشترك في كونها معبودات من دون الله تعالى.
وقد كانت عبادة الأصنام منتشرة انتشارًا واسعًا في جزيرة العرب، قبل الإسلام، كما سيأتي بيانه في الفصل الرابع من هذا الباب.
والحق أن هذه العبادة مع عدم استنادها إلى دليل علمي، أو حجة مقنعة، فإنّ فيها استخفاف بالعقل الإنساني، إذ كيف يرضى عاقل أنْ يعبد أجسامًا أو صورًا، لا حياة فيها، ولا نفع ولا ضر؟
قال تعالى: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾ ٣.
بل إنَّ هذه الأصنام والأوثان قد أضللن كثيرًا من الناس، قال تعالى
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٧/٢٤٤. ٢ لسان العرب لابن منظور ١٢/٣٤٩. ٣ سورة الأنبياء آية: ٦٦.
[ ١ / ١٥٥ ]
حكاية عن قول إبراهيم ﵇ في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴾ ١.
وقد بين القرآن الكريم الدافع الذي حمل المشركين على عبادة تلك الأصنام من واقع تعليلهم في ذلك، حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢.
وهذا التعليل هو الذي يحتج به بعض الوثنيين في الحاضر، وحجتهم في ذلك أن وجود الصنم أمام المتعبد يساعد على تركيز الفكر والتعمق في التفكير للتقرب إلى الله، ولكن نلفت النظر إلى أنّ السجود للصنم على أنه رمز لله، أو القول بأنّ الصنم يقرب إلى الله هو باطل منطقيًا، لأنَّ وجود الصنم أمام المتعبد في صلاته يصرف الفكر عن الله، وأن التقرب إلى الله يحصل بالتوجه رأسًا إليه، لا بواسطة جماد أو صورة، ولأنه ليس من الصعب توجيه الفكر رأسًا إلى الله بدون واسطة، بل ذلك أدعى لطبيعة الإنسان في رفع قيمته المعنوية، وعدم جعل أحدًا قيمًا عليه، هذا وإن الإنسان كثيرًا ما يلجأ إلى الله في محن ومصائب لا تتوفر له فيها الواسطة،
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم الآيتان: ٣٥-٣٦. ٢ سورة الزمر آية: ٣.
[ ١ / ١٥٦ ]
. مع العلم بأنَّ هذه الواسطة لا تنفع ولا تضر١.
وذكر ابن القيم ﵀: أن من أسباب عبادتها: أن الشياطين تدخل فيها وتخاطبهم منها، وتخبرهم ببعض المغيبات، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يشاهدون الشياطين، فجهلتهم وسقطُهم يظنون أنَّ الصنم نفسه هو المتكلم.."٢.
ج- عبادة الأهواء:
ومن أنواع الشركيات المظلمة إتباع الإنسان وانقياده لهوى نفسه، فلا تميل نفسه إلى شيء إلا اتبعه، وهذا ما ذكره القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ ٣.
قال ابن عباس ﵄: "كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمنًا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني، وترك الأول"٤.
وقال ابن كثير:" أي مهما استحسن من شيء ورآه حسنًا في هوى
_________________
(١) ١ روح الدين الإسلامي لعفيف طبارة ص: ١٠٠. ٢ إغاثة اللهفان ٢/٢٢٤. ٣ سورة الفرقان آية: ٤٣. ٤ تفسير ابن كثير ٣/٣٣٥، وفتح القدير للشوكاني ٤/٧٨، وزاد المسير ٦/٩٢.
[ ١ / ١٥٧ ]
نفسه، كان دينه ومذهبه"١.
ومن هنا نرى أن الهوى صار إلهًا يعبد من دون الله، كما قال الشاعر٢:
لعمر أبيها لو تبدت لناسك قد اعتزل الدنيا بإحدى المناسك
لصلى لها قبل الصلاة لربه ولارتدّ في الدنيا بأعمال فاتك
ومن الآيات في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ٤.
وفي العصر الحديث، ظهرت مذاهب وشعارات شتى، أصبحت تمتلك قلوب بعض الناس ومشاعرهم وولاءهم، بذكرها يهتفون، وباسمها يقسمون، وفي سبيلها يجاهدون ويستشهدون.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٣٣٥. ٢ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٣/٣٦. ٣ سورة الجاثية آية: ٢٣. ٤ سورة فاطر آية: ٨.
[ ١ / ١٥٨ ]
تلك هي: شعارات القومية، والوطنية، والاشتراكية، والحزبية، والبعثية، والعلمانية، والديمقراطية، وما شاكلها وهي تشكل خطرًا جسيمًا على عقيدة المسلمين من حيث لا يشعرون١.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
د- عبادة الأسلاف:
إنّ المتتبع لأحداث التاريخ، لا يجد عقيدة شاعت في الأمم قديمًا وحديثًا، كعقيدة الأسلاف، حيث أسبغت قدسية وتعظيمًا على الآباء والأجداد والشيوخ، وأطلقت عليهم من الصفات والنعوت ما جعل الجاهلين يتصروتهم آلهتهم.
وقد ادعى العالم "تايلور": "أنَّ عبادة الأجداد نشأت من الاعتقاد بالأرواح فالآباء، والأجداد في القبائل البدائية كانوا رؤساء الأسر، وبيدهم مقاليد الأمور، لأنهم أخبرُ بشئون الحياة، فإذا ماتوا فإنَّ أرواحهم ترفرف في سماء الأسرة، لتقيها شر النوائب، ورد أذى الأعداء الأموات منهم والأحياء"٢.
أي مفكر في حقيقة هذا المعتقد يجده غريبًا بعيدًا عن التصديق
_________________
(١) ١ انظر: العبادة في الإسلام ليوسف القرضاوي ص: ١٤٦ بتصرف. ٢ انظر: تاريخ الأديان وفلسفتها للأستاذ طه الهاشمي ص: ٦٨، وروح الدين الإسلامي لعفيف طبارة ص: ١٠١.
[ ١ / ١٥٩ ]
والإقناع، فمن هم الأسلاف؟ لنتفكر بأصلهم ومصيرهم، إنهم من البشر يأكلون ويشربون ويمرضون، ثم يأتيهم الموت، وبعده ينخرُ الدودُ أجسادهم، ويحيلها إلى البلى، ومن كان هذا أصله ومصيره، فهل من العقل اللجوء إليه، وطلب المعونة منه١.
إن عبادة الأسلاف تشتمل على كثير من الخرافات والأساطير، والقيام بشعائر وطقوس يمكن وصفها بالإجمال بأنها نوع من التخديرات التي خدرت الشعوب، ووقفت حائلًا دون تقدمها ورقيها.
فمن آثار عبادة السلف عند العلماء: حلق الرأس، وإحداث جروح في الجسد، واحتفالات دفن الموتى، ولبس المسوح، والعناية بالقبور، والصلاة عليها، أو إقامة شعائر دينية فوقها٢.
وللإستفادة مما كان عليه الآباء، ينبغي أن يخضع ما كانوا عليه للعلم والهدى، ويجري عليه التصحيح دائمًا، وعلى المسلم أنْ لا يضع الآباء المسلمين -المتقدمين منهم والمتأخرين- مكان القواعد والسنن المأثورة، ومهما أحسنا الظن فيهم، فإنّهم ليسوا فوق أن نختبر ما هم عليه، على أساس الآيات والسنن والعلم والقوانين٣.
_________________
(١) ١ المرجع السابق. ٢ تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ٥/٣٥-٣٦. ٣ انظر: كتاب حتى يغيروا ما بأنفسهم لجودت سعيد ص: ١٧٤ الطبعة الرابعة ١٣٩٨؟.
[ ١ / ١٦٠ ]
ولما كان عليه اتباع الأسلاف من الآباء والأشياخ ونحو ذلك من التقليد المذموم الذي يفضي أحيانًا إلى الشرك، فإنَّ الله تعالى ذمه في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١.
ومن روعة القرآن الكريم أنه حضَّ على تخليص الإنسان من هذه الأباطيل التي طرأت على الجنس البشري، قال تعالى: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ ٢.
فقد وصف الله تعالى في هذه الآية الكريمة قدرته العظيمة على الإحياء والإماتة، بينما الأسلاف الغابرون لا يملكون شيئًا من ذلك، بل هم أموات، فما أبعد الميت عن نفع نفسه، فضلًا عن نفع غيره.
وفي الآية الكريمة إعلان من الله تعالى بأنه رب الناس جميعًا الأحياء
_________________
(١) ١ سورة الزخرف الآيات: ٢٣-٢٥. ٢ سورة الدخان آية: ٨.
[ ١ / ١٦١ ]
منهم والميتين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١.
؟- عبادة بعض الظواهر الطبيعية:
ومن الناس من راعه الكون وما فيه من عجائب الطبيعة وجمالها، وما فيها من منافع وخيرات للخلق، كالشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، فعبد بعض هذه الظواهر.
وقد أبطل القرآن الكريم عبادة هذه المخلوقات، وبين أنها من حجج الله تعالى على خلقه، ومن آياته العظيمة الدالة على وحدانيته ﷾، وأنه لا يجوز التوجه إليها بشيء من أنواع العبادة كالصلاة، أو السجود، أو الركوع، أو الدعاء، ونحو ذلك.
قال تعالى: الْخَلْق ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ١٥٨. ٢ سورة الأعراف الآية: ٥٤.
[ ١ / ١٦٢ ]
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا َيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
_________________
(١) سورة الحج الآية: ١٨. سورة الصافات: ٤-٥. سورة فصلت الآية: ٣٧.
[ ١ / ١٦٣ ]