معنى الولي لغة: اسم من الوَلْي، والولي هو القرب والدنو١.
قال ابن فارس: "الواو واللام والياء، أصل صحيح يدل على قرب"٢.
ويطلق الولي على الصديق والنصير والتابع والمحب، والمولاة ضد المعاداة٣.
قال ابنُ الأثير: "الولي هو الناصر، وقيل المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها وهو الربُّ المالك، والسيد المنعم، والمعتق والناصر والمحب والتابع.. وكلّ من وليَ أمرًا أو قام به، فهو مولاه ووليه.."٤.
ومن هذا يتبين لنا أنَّ معنى الولي والولاية في اللغة، يدور حول القرب والدنو، والصديق والنصير، والتابع والمحب، والناصر والمتولي للأمور، ونحو ذلك.
أما ولاية الله للعبد، فهي هدايته إلى الإيمان، وإلى طاعته ومحبته ونصرته له، وتقريبه إليه ﷿ حتى يحبه، فإذا أحبه قرب منه وتولى
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور ١٥/٤١١، والقاموس المحيط للفيروزابادي ٤/٤٠١. ٢ معجم مقاييس اللغة ٦/١٤١. ٣ لسان العرب ١٥/٤١١. ٤ النهاية في غريب الحديث ٥/٢٢٧-٢٢٨.
[ ٢ / ٦١٩ ]
أموره، ونصره وحفظه، فكان بذلك وليه، كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
ومعنى ذلك أن الله تعالى: يتولى المؤمنين بعونه وتوفيقه، ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.. وأنه ولي المؤمنين ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه وهاديهم"٢.
وإذا كان الله ينصر عبده المؤمن، ويعينه ويتولى أموره، فهذا يدلُّ على أنَّ ربه يحبه ويرضى عنه، ويقربُه منه، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤.
وقال تعالى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿﵃
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢٥٧. ٢ انظر: تفسير ابن جرير الطبري ٣/٢١. ٣ سورة آل عمران الآية: ٧٦. ٤ سورة الأعراف الآية: ٥٦.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ١.
وأما ولاية المؤمن لله تعالى، فهي: الإيمان به ﵎ قولًا وعملًا واعتقادًا، ونصرة دينه والمحافظة على شرائعه، وموالاته في ما يحبه ويرضاه، وعدم معاداة من والاه.
وخلاصة القول في هذا: فإنَّ ولاية العبد لله تكون في الموافقة في ما يحبُّ الله ويبغض، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه.
والفرق بين الولايتين بين واضح، وذلك أنّ الله تعالى لا يوالي أحدًا من خلقه افتقارا له واحتياجا إليه، وإنّما يواليه إكرامًا له، وإنعامًا عليه؛ لأنّ الله تعالى غني عن كل ما سواه، والخلق كلهم في حاجة إليه، وقد نفى الله تعالى أن يكون له ولي من الذل، فقال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٢.
وأما العبد فإنه يوالي ربه لشدة فقره واحتياجه إلى هدايته ونصرته وإعانته، ورعايته ومحبته ورضاه عنه، وتقريبه إليه، وهو في حاجة ملحة إلى ربه ﵎ في كل أمر من أموره في دنياه وآخرته.
_________________
(١) ١ سورة البينة الآية: ٨. ٢ سورة الإسراء الآية: ١١١.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وقد بين القرآن الكريم أن المشركين ما عبدوا الأصنام واتخذوا الأولياء والشفعاء إلا بتقربهم إلى الله زلفى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١.
ومعنى الآية الكريمة: أنّ هؤلاء المشركين اتخذوا من دون الله أولياء من الأصنام والأوثان، يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله منزلة، وحظوة وتشفع لنا عنده في النصر والرزق، وما ينوبنا من أمور.
وقد هددهم الله تعالى، وبين لهم عاقبة ما يفعلون، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، أي: إنَّ الله يحكم بينهم وبين خصومهم في موضوع التوحيد والإشراك، ويجازي كلًا بما هو أهل له، فيدخل المخلصين الموحدين الجنة، ويدخل المشركين النار.
وقد ظنّ الجهلةُ أنّ من يظهر لدية أمور خارقة للعادة، أنّه من أولياء الله المقربين، ولو كانت أفعال ذلك الشخص وأعماله تخالف شريعة الله، وتخالف سنة رسوله ﷺ، ولهذا فقد تجرأ كثيرٌ من الجهلة
_________________
(١) ١ سورة الزمر الآية: ٣.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
إلى تعظيم ومحبة وموالاة من ليس بولي، حتى وصل بهم الأمر إلى دعائهم والاستغاثة بهم، سواء كان الولي المتقرب إليه حيًا أو ميتًا، وهذه الأعمال والاعتقادات هي شرك محض.
يقول صاحب كتاب صراع بين الحق والباطل: "يفهم الناسُ اليوم الولاية فهمًا معكوسًا يخالف حقيقتها ومعناها، فإنّه لفرط جهلهم بأمور الدين، وعدم معرفتهم لحقيقة الولاية، نسبوا الأمر إلى غير أهله، وخلعوا الشيء على من ليس جديرًا به، فأطلقوا لفظ الولي على من لا يستحقون من المتعطلين الخاملين الذين عطّلوا جوارحهم، وتعطلوا عن العمل والسعي والكفاح، بحجة التواكل والزهد والانقطاع للعبادة، ولزوم التكايا وزوايا الأضرحة، وأطلقوا أيضًا على كل من سال لعابه ولبس الثياب الممزقة المرقعة، وأطال شعر رأسه، وأرخى لحيته، وأطبق يديه على مسبحة طويلة، ووضع على رأسه عمامة كبيرة وظهر أمام الناس في زي عجيب، حتى البله ومن في عقولهم خبل وهوس.
وأعطوا كذلك لبعض المجرمين الأشقياء الذين يعيشون آمنين متسترين تحت لعب الولاية، ويباشرون أعمال الدجل والشعوذة والكذب باسم الدين.
وهكذا ظن السذج من الناس أنّ كل من ظهر على هذه الصورة
[ ٢ / ٦٢٣ ]
الخادعة قطب كبير، وصاحب سر باتع، وأنه واصل ومتصل مع الله اتصالا مباشرًا بدون حجاب "١.
ويقول الميلي الجزائري: "الولي عند الناس اليوم: إما من انتصب للآذان بالأوراد الطرقية، ولو كان في جهله بدينه مساويًا لحماره، وإما من اشتهر بالكهانة وسمّوه حسب اصطلاحهم "مرابطًا"، ولو تجاهر بترك الصلاة وأعلن شرب المسكرات، وإما من انتهى إلى مشهور بالولاية، ولو كان إباحيًا لا يحرم حرامًا".
ثم يقول: "وحق هؤلاء الأولياء على الناس الجزم بولايتهم، وعدم التوقف في دخولهم الجنة، ثم الطاعة العمياء، ولو في معصية الله، وبذل المال لهم ولو أخلّ بحق زوجته وصبيته، فهم المطلوبون في كل شدة، وهم حماة للأشخاص وللقرى والمدن كبيرها وصغيرها، حاضرها وباديها، فما من قرية بلغت في البداوة أو الحضارة إلاّ ولها ولي تنسب إليه، فيقال: سيدي فلان هو مولى البلد الفلاني، ويجب عند هؤلاء الناس أن يكون بعض علماء الدين خدمة لهؤلاء الأولياء، مقرين لأعمالهم وأحوالهم، غير منكرين لشيء منها"٢ا.؟.
_________________
(١) ١ صراع بين الحق والباطل لسعد صادق محمد ص: ١٥-١٦، منشورات دار اللواء الرياض، ط الرابعة ١٣٩٨؟. ٢ رسالة الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص: ١٦٥.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
هذا هو مفهوم الولاية والأولياء عند جهلة الناس في كثير من أنحاء العالم الإسلامي اليوم، وهو كما ترى، جهل واضح، وخطأ فادح لا يستند إلى شيء من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ.
أما أولياء الله الحقيقيون، فقد بينهم الله تعالى في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ١.
فالآيات الكريمة تبين أنّ أولياء الله هم الذين آمنوا به وبرسوله، واتبعوا شرائعه وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ووافقوه فيما يحب، وابتعدوا عن مساخطه، ووالوا أولياءه، وعادوا أعداءه.
وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وفي هاء الكناية في قوله ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ﴾ قولان:
أحدهما: أنها ترجع إلى المسجد، وهو قول الجمهور، والمعنى أنّ المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بهذا.
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيات: ٦٢-٦٤. ٢ سورة الأنفال الآية: ٣٤.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
والثاني: أنها تعود إلى الله عز وجل١.
قال ابن جرير: "وما لهؤلاء المشركين ألاّ يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام، ولم يكونوا أولياء الله، أي: ما أولياء الله إلا المتقون، يعني: الذين يتقون الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أنّ أولياء الله المتقون"٢.
ومن هذا يتبين لنا أنّ ولي الله هو المؤمن التقي الصالح، المؤمن بما جاء به رسول الله ﷺ، المطيع فيما يأمرُ به، المجتنب لما ينهى عنه.
وإذًا فالمظاهر وحدها لا تدلّ على الولاية، ونحن لا يمكننا أن نقطعَ لأحد بالولاية والتقوى، وإنّما يمكن أنْ نَحْكُم بإسلام شخص من خلال ما يظهر لنا من أحواله وسيرته على قاعدة: "لنا الظاهر والله يتولى السرائر".
أمّا القطع بولاية شخص وتقواه، فهذا مردّه إلى الذي يعلم سرائر العباد، ﷾، قال ﷿: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ زاد المسير لابن الجوزي ٣/٣٥٢. ٢ تفسير ابن جرير الطبري ٩/٢٣٩. ٣ سورة النساء الآية: ٢٥.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٢.
وقد دعا القرآن الكريم المؤمنين أنْ يتخذ بعضُهم بعضًا أولياء لنصرة دين الله، وإعلاء كلمته، والدفاع عن عقيدة التوحيد ومحاربة الشرك، ومقاومة البدع والخرافات المنتشرة بين الناس باسم الدين، ومعاونة بعضهم بعضًا فيما يعود عليهم بالخير والنفع في أمور الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ
_________________
(١) ١ سورة النجم الآية: ٣٠. ٢ سورة النجم الآية: ٣٢. ٣ سورة الأنفال الآية: ٧٢.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وقد نهى الله تعالى المؤمنين أنْ يتخذوا أعداءه من الكافرين والمشركين أولياء، يتوددون إليهم ويناصرونهم ضد إخوانهم من المؤمنين الذين يعملون لإعلاء كلمة الله ونصرة الحق.
قال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ٧١. ٢ سورة آل عمران الآية: ٢٨. ٣ سورة النساء الآية: ١٣٩. ٤ سورة الأعراف الآية: ٣.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
ومن خلال الآيات الكريمة، يتبين لنا أنّ أولياء الله الحقيقيين لا يعلنون عن أنفسهم، لأنّ الولاية الحقة إنّما تكون في القلوب إيمانًا وتقوى، وليس لها آثار معروفة أو ملموسة سوى الاستقامة على طاعة الله ﷾، والمحبة الخالصة له ولرسوله ﷺ، والانقياد لأوامر الدين، والابتعاد عن نواهيه.
وموقفهم تجاه دين الله يتمثل في العمل به ونصرته، وعلاقتهم مع الله سبحانه باتخاذه وحده وليًا لهم دون غيره، وعلاقتهم بعضهم ببعض يتمثل في التعاون والتناصح والتأييد والنصرة في الحق.
وعلاقتهم مع أعداء الله يكون في عدم محبتهم أو مناصرتهم.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ الله قال من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبد بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها،
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٥١.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته"١.
هذه الولاية الحقة، وهذا ما فهمه السلف الصالح عنها، لا كما يدعي الدجالون في هذا الزمان.
يذكر الأستاذ رشيد رضا جوانب هامة عن حياة هؤلاء الأدعياء تحت عنوان "أولياء الخيال وأولياء الطاغوت والشيطان"، فيقول: " فأولياء الله الذين يشهد لهم كتابه بالولاية هم المؤمنون الصالحون المتقون، ولكن اشتهر بين المسلمين بعد عصر السلف ما يدلّ على أنّ الأولياء عالم خيالي غير معقول، لهم من الخصائص في عالم الغيب، والتصرف في ملكوت السموات والأرض، فوق كل ما ورد في كتاب الله وأخبار رسوله الصادقة، في أنبياء الله المرسلين، وينقلون مثل هذه الدعاوى عن بعض من اشتهروا بالولاية ممن لهم ذكر في التاريخ، ومن لا ذكر لهم إلا في كتاب الأدعياء الذين فتنوا المسلمين والمسلمات بهم، ممن يسمون بالمتصوفة وأهل الطريق، ينقلون عنهم ما يؤيدون به مزاعمهم الخرافية الشركية"٢.
هذه بعض صور أولياء الله عند أولئك القوم، وهم في الحقيقة أعداء الله ورسوله والمؤمنين؛ لأنهم تركوا ما أمروا به، وفعلوا ما يخالف كتاب
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١١/٣٤٠ كتاب الرقاق، باب التواضع. ٢ تفسير المنار ١١/٤٢٠ مع بعض اختصار.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
الله وسنة رسوله ﷺ.
وقد أبطل الله تعالى تلك الولاية والموالاة، لأنها لا تكون إلا لله عالم الغيب والشهادة، المتصرف في ملكوت السموات والأرض، المطلوب في كل شدة، لأجل هذا عاب الله المشركين لاتخاذهم الأولياء من دونه، فقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ أنْ يقول لهم، أجعلتم لله شركاء وعبدتموهم من دون الله، وهم لا يقدرون على نفع أنفسهم، ولا دفع الضر عنها، فكيف يستطيعون لغيرهم، وذلك ما ورد نصه في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم
_________________
(١) ١ سورة الرعد الآية: ١٦. ٢ سورة البقرة الآية: ١٠٧.
[ ٢ / ٦٣١ ]
مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ ٢.
فالله وحده هو الولي الحق الناصر للمؤمنين الصادقين، لا مولى سواه، ولا ناصر غيره، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ٤.
وقال ﷿: ﴿مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ١١٦. ٢ سورة الكهف الآية: ١٠٢. ٣ سورة الشورى الآية: ٩. ٤ سورة الشورى الآية: ٤٦. ٥ سورة الجاثية الآية: ١٠.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
وقد شبه القرآن الكريم الذين اتخذوا من دون الله أولياء يرجون نفعهم بالعنكبوت في اتخاذها بيتًا لا يغني عنها في حرٍ ولا برد، ولا مطر ولا أذى.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقد أكد القرآن أنّ هذه الولاية الشركية إنّما هي نتيجة لموالاة مشركي الإنس، واستمتاعهم بالشياطين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت الآية: ٤١. ٢ سورة الأنعام الآيتان: ١١٢-١١٣. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٢١.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ ٢.
وأما كيفية استمتاع شياطين الإنس وشياطين الجن بعضهم ببعض، فذكر الصحابة أنّ ذلك في الدنيا، وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض، فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة، وأما استمتاع الجن بالإنس، فإنه كان فيما ذكر، ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سُدْنا الإنس والجن٣ ا.؟.
وقد بين القرآن أنّ من يطع الشيطان ويواليه، ويترك أمر الله، فقد خسر وهلك هلاكًا مبينًا واضحًا.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٢٨. ٢ سوة الأعراف الآية: ٣٠. ٣ انظر: تفسير الطبري ٨/٣٣، وتفسير ابن كثير ٢/١٩٠.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ .
نعوذ بالله من موالاة الشياطين وأوليائهم.
_________________
(١) سورة النساء الآية: ١١٩.
[ ٢ / ٦٣٥ ]