وهذا النوع يتعلق بسلوك الإنسان إزاء التكاليف الشرعية.
ذلك لأن التكاليف والمسئولية لا يكونان إلا حيث تتوفر الإرادة الحرة للإنسان.
قال تعالى (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧).
(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)
(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠).
فالقرآن يثبت نوعا من المشيئة، يوجه بها قدرته إلى ما يختار.
[ ١٤ ]
ولكن هذه المشيئة، لا تخرج الإنسان من دائرة العبودية لله، الذي انفرد وحده بفعل ما يريد.
فمشيئتنا عطاءٌ من مشيئة الله سبحانه، كما أن علمنا شعاع من علمه
(وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ).
إن مشيئة البشر واختيارهم لا تتجاوز في النهاية ما أراده الله.
فالله - ﷿ - قد شاء أن يعبده كل الكون قهرا، بلا اختيار، فكل شيء في الكون يمارس نشاطه على وجه واحد بلا اختيار منه، إلا الإنسان فإن الله قد شاء أن يجعل له اختيارا في عبادته يؤهله للجزاء.
(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١).
فالقرآن أثبت لك مشيئة توجه بها قدرتك إلى طاعة
[ ١٥ ]
الله، أو تهوي بها في النار (١)
كما أثبت لك القرآن إرادة تستطيع بها أن تغير حالك، وتصلح من نفسك مع الله (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠).
فقوِّي إرادتك في الخير، ولا تتبع نفسك هواها، وتتمنى على الله الأماني
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
فلك مشيئة ولك إرادة، وقدرة على الإصلاح والتغيير.
وثمرة ذلك هي المسئولية عما تحاسب عليه.
إن راكب
[ ١٦ ]
السفينة حرُّ الحركة في حدودها، وهو مسئول عما عبث فيها، فإن أراد أن يتجاوز بحريته حجم السفينة، ابتلعته الأمواج.
* * *