لم يخع المبطلون أنفسهم بشيء كما خدعوها بأن معاصيهم حتمية الوقوع، لأنها سبقت في علم الله، ونحن نؤمن بأن الله بكل شيء عليم، وهذا الإيمان يدعو إلى الحياء من الله، الذي يراك حين تقوم، ويرقب حركاتك وسكناتك في الليل والنهار، فمن يرغب في المعصية، وهو يؤمن بعلم الله، فعليه أن يبحث عن مسرح لمعاصيه، لا يراه الله فيه.
ويروى أن امرأة دفعتها الحاجة الشديدة إلى بيت رجل غني، وامتنع عن قضاء حاجتها حتى تمكنه من نفسها، وبعد تردد شديد، وخوف من الهلاك، أسلمت نفسها،
[ ٥٠ ]
فقال لها مداعبًا: إن الكواكب تحكي جمالك الفاتن.
فقالت له: ترى الكواكب وأنا أرى موكب الكواكب، وهو غضبان، فانتفض الرجل خجلًا من الله - وقضى حاجتها، وأناب إلى ربه، فغفر له.
فالإيمان بعلم الله حصن عن معاصيه، ولكن فنون الجدل العقيم، حولته إلى ستار لمعاصيهم.
إن علم الله كالمرآة الصافية التي تعكس على كل إنسان حقيقة وجهه.
فمن وقف أمام المرآة باسِم الوجه، طليق الملامح، يرى ابتسامة ونضرة.
ومن وقف أمام المرآة عابس الوجه، كئيب الملامح، فلا يتهم المرآة.
إن المدرس الماهر يعلم مصائر تلاميذه قبل الامتحان، وليس من حق تلميذ فاشل أن يقول: إن علمك برسوبي مسبقًا، هو السبب في رسوبي.
إن المدرس أدى واجبه، فقد شرح ونصح، هذا - ولله المثل الأعلى.
[ ٥١ ]
إن الله يعلم بعلمه القديم ما سيختاره العباد من خير أو شر.
فيسر كل إنسان لما عزم عليه، إقرارا ً لحريتهم، وتطبيقًا لقانون الجزاء العادل فيهم.
ونسألهم: لماذا لا ينسبون فعل الخير الذي تعلمونه إلى علم الله، كما تنسبون المعاصي إلى علمه سبحانه؟
لماذا لا تقولون: إننا نتصدق، ونقضي حاجات الناس؛ لأنه جرى في علم الله أننا سنفعل هذا، فلا ثواب لنا؟
هل يتصورون علم الله خاصًّا بمعاصيهم؟
أم أن نفوسهم خلت من الخير، فلم يشغلوا أنفسهم به.
إن صفة العلم بالنسبة لله سبحانه، صفة انكشاف، وليست صفة إجبار.
إن الله سبحانه هداك النجدين، وأرسل الرسل، فتخيَّر زادك، فالسفر الطويل يحتاج إلى زاد.
* * *