هو محمد رحمت الله بن خليل الله (ويعرف بخليل الرحمن) الكيرواني العثماني؛ وينتهي نسبه عند الجد الرابع والثلاثين إلى ذي النورين عثمان بن عفان ﵁. ولد بحي (درباركلان) في قرية كيرانة من توابع دلهي عاصمة الهند سنة ١٨١٨ م، وقد اشتهر أفراد أسرته بالعلم والطب والمناصب العالية. أتقن اللغات الثلاث (العربية والفارسية والأردية)، وقرأ كتب الشريعة واللغة على يد آبائه، وأسس مدرسة شرعية في كيرانة تخرج منها كبار المدرسين، والمؤلفين، ومؤسسي المدارس - في أرجاء الهند - كما أسس مراكز لتدريب الدعاة على مقاومة التنصير (١).
ولد في عائلة شهيرة وأسرة كريمة، اشتهر أفرادها في تلك المقاطعة أمراء ورؤساء وحكاما وعلماء وأطباء، وكان أول من قدم إلى الهند من آل سيدنا عثمان هو الشيخ عبد الرحمن الكاذروني، الجد الأعلى للشيخ، حيث كان قاضيا شرعيا للجيوش الإسلامية التي فتحت الهند على يد السلطان محمود الغزنوي، فاستقر الشيخ عبد الرحمن الكاذروني في بلدة (باني بت) وتوفي فيها، وقبره معروف حتى الآن وكان الشيخ رحمة الله من ذرية هذا المجاهد الغازي﵀- ولذا يطلق على الشيخ لقب " العثماني " (٢).
نشأ رحمة الله في أسرة واسعة الثراء والجاه، حفظ القرآن الكريم في الثانية عشر من عمره، وتتلمذ في مدينة العلم والحضارة لكهنؤ على يد المفتي سعد الله المراد آبادي. كان لازدياد النفوذ التنصيري في الهند أثره في توجهه للتأليف والرد على المنصّرين. وكان لدور علماء الهند الجهادي في إشعال الثورة ضد الاحتلال الإنكليزي أثره في سعي الإنجليز لاعتقاله؛ لكنه نجا بأعجوبة وخرج خفية وسافر بحرًا إلى اليمن، ومنها برًا إلى مكة سنة ١٢٧٨ هـ، الموافق ١٨٦٢ م، ولما عرفه الناس وخاصة الشيخ أحمد بن زيني دحلان صار له دوره
_________________
(١) إظهار الحق، تحقيق: د. الملكاوي، جزء التحقيق.
(٢) مقدمة محمد مسعود سليم - مدير المدرسة الصولتية، إظهار الحق، (الدوحة، قطر: دار إحياء التراث الإسلامي، ط ١، ١٩٨٠ م)، ص ١٢، ص ١٣ (بتصرف).
[ ٣٠ ]
العلمي في مكة، وطلب منه دحلان التأليف، ولما علم السلطان العثماني عبد العزيز بخبره وخبر المناظرة، دعاه إلى إستانبول، وأكرمه، وطلب منه التأليف عن المناظرة؛ فألف كتاب " إظهار الحق "، وعاش بقية حياته بمكة التي توفي بها عام ١٣٠٨ هـ، الموافق ١٨٩١ م.
أما مساعد الشيخ رحمة الله وشريكه في مناظرته فهو الحكيم محمد وزير خان الأكبر آبادي، الذي درس الطب في لندن، وتخرج عام ١٨٣٢ م، وكان يتقن الإنجليزية واليونانية، واطلع على المسيحية في مصادرها الأصلية، وأحضر معه مكتبة زاخرة عن النصرانية بلغاتها الأصلية. كان له دوره العلمي الدعوي في الهند، هاجر إلى مكة، وتوفي بالمدينة المنورة، ودفن بالبقيع (١).