أولى اللقاءات التي حدثت بين الإسلام والنصرانية بمستوى المناظرة تلك التي جرت بين الرسول ووفد نصارى نجران في المدينة المنورة. كما جرت مناظرة بين المقوقس في مصر وحاطب بن أبي بلتعة، كما جرت مناظرة كذلك بين عمرو بن سعد بن أبي وقاص وبين البطريرك اليعقوبي مار يوحنان الأول، وعلى الرغم من ضعف مستوى هذه المناظرة التي سجلت بعد ذلك بالسريانية - من حيث مستوى الأسئلة والإجابات - إلا أنها تعطي دلالة على أن علماء النصارى في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون شيئا عن الاعتقادات الإسلامية. كما كانت تجرى مناظرات في مجلس معاوية بن أبي سفيان ومجلس عبد الملك بن مروان بين المسلمين والنصارى من نساطرة ويعاقبة (٢).
وتشير بعض الدراسات إلى أن القرن الثاني الهجري كان بداية الهجوم النصراني على العقائد الإسلامية، وربما تأيدت هذه الفكرة بكونها نتيجة للكتابات النصرانية الجدلية ككتابة يحيى الدمشقي أو يوحنا الدمشقي كما يطلق عليه النصارى (٣) ولا يعد يوحنا الدمشقي كارزا أو
_________________
(١) حسن حنفي، مقدمة في علم الاستغراب، (الإسكندرية: الدار الفنية للنشر والتوزيع، [د. ط]، ١٩٩١ م)، ص ٣٣، ص ٣٤ (بتصرف يسير).
(٢) عبير محمد ربيع عاتي، وسائل التنصير وكيفية مواجهتها، رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٣١ هـ (بتصرف يسير)، ص ٣.
(٣) انظر: ابراهيم بن صالح الحميدان، أسلوب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام، دارسة تحليلية تقويمية للمناظرات التي جرت في أمريكا الشمالية في التفرة من ١٤٠٠ هـ - ١٤١٠ هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٩٩٤، ص ٦٦ - ٨٦.
[ ٩٧ ]
مبشرا أو حتى منصرا بالمعنى المتداول المعروف بل معلما، ولا يصل مستواه كما وصل ريموندلول على سبيل المثال في وضع خطط لتنصير العالم الإسلامي.
كما أن الرشيد كان يجري مناظرات بين أتباع الديانات المختلفة، كما يقال أنها جرت بين المهدي (١) وتيموثاوس الأول (٢)، كما دعى المأمون جماعة من رؤساء النساطرة وعقد لهم مناظرة مع بعض علماء المسلمين كانت الغلبة فيها للمسلمين (٣).
وكانت الأندلس محيطا رحبا للمناظرات - استمرت حتى سقوطها - كذلك مناظرة الفخر الرازي لأحد علماء النصارى في خوارزم. وكان جنكيز خان يحرص على إجراء مناظرات بين أتباع الديانات المختلفة ومن بينها الإسلام والنصرانية (٤).
ومنذ بداية عصر ابن تيمية - ﵀ - فقد بدء منهج جديد في الرد على النصارى، وقد سلك ابن تيمية فيه مسلك العدل والعلم - مسلك الأنبياء في محاججة النصارى، وبين سبب ضلال النصارى، وأمثالهم من أهل البدع في المسلمين في أمور منها:
١ - تمسكهم بالألفاظ المتشابهة المجملة المشكلة.
٢ - اعتمادهم على خوارق وأحوال شيطانية ظنوها آيات.
٣ - اعتمادهم على أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقا، وهي كذب.
وذكر أنهم بنوا كلامهم في أن تحريف كتبهم وقع بعد مبعث النبي على أصلين فاسدين هما:
١. أن الرسول أثبت مامعهم، ونفى - عن كتبهم التي بأيديهم - التهم والتبديل.
٢. ظنوا أن المسلمين يقولون أن هذه الكتب حرفت ألفاظ جميع النسخ الموجودة منها بعد مبعث محمد - ﷺ - «٥).
والمناظرة مع النصارى كانت ولا تزال من أبرز المناظرات التي تحدث في مجال الدعوة؛ إما دفعا لشبهة يثيرونها على الإسلام، أو إظهارا لفساد قول عندهم مما حرفوه وأدخلوه على دين المسيح عيسى بن مريم كالقول بألوهيته وصلبه ونحو ذلك. يقول شارل جنيبر: "ولم يقل عن نفسه أنه "ابن الله"، وذلك تعبير لم يكن في الواقع ليمثل - بالنسبة إلى اليهود - سوى خطأ لغوي فاحش، وضرب من ضروب السفه في الدين، كذلك لا يسمح لنا أي نص من نصوص الأناجيل بإطلاق تعبير "ابن الله" على عيسى، فتلك لغة لم يبدأ في استخدامها سوى المسيحيين اللذين تأثروا بالثقافة اليونانية، إنها اللغة التي استخدمها القديس بولس كما استخدمها مؤلف الانجيل الرابع، وقد وجد فيها معاني عميقة وعلى قدر كاف من الوضوح
_________________
(١) ثالث الخلفاء العباسيين.
(٢) البطريرك النسطوري.
(٣) انظر مرجع سابق: ابراهيم بن صالح الحميدان، أسلوب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام، دارسة تحليلية تقويمية للمناظرات التي جرت في أمريكا الشمالية في التفرة من ١٤٠٠ هـ - ١٤١٠ هـ، ص ٦٦ - ٨٦.
(٤) انظر: المرجع السابق، ابراهيم بن صالح الحميدان، أسلوب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام، ص ٦٦ - ٨٦.
(٥) انظر: ابن تيمية، تحقيق: د. علي بن حسن بن ناصر، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح- ([د. م]: دار العاصمة للنشر والتوزيع - المجلد الأول - الطبعة الثانية -١٩٩٩ م) - ص ٣٥ - ٤٠.
[ ٩٨ ]
بالنسبة إليهما. ويمكن لليهودي أن يعتبر نفسه "عبدا ليهوه"، "لا" ابنا ليهوه، ونعتقد أنه من المحتمل أن يكون عيسى قد تصور نفسه " عبد الله " وتقدم للناس بهذه الصفة والكلمة العبرية "عبد" وكثيرا ما تترجم إلى اليونانية بكلمة تعني "خادما" و"طفلا" على حد سواء. وتطور كلمة " طفل " إلى كلمة "ابن" ليس بالأمر العسير، ولكن مفهوم "ابن الله" ينبع من العالم الفكري اليوناني (١).
وفي المقابل ومع مناظرة مع يهودي، قال يحيى بن أكثم (٢): إنه كان للمأمون مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب طيب الرائحة، فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، فلما أن تقوض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم! قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما فتكلم عن الفقه فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، فأنت مع ما تراني حسن الخط، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيع فاشتريت مني وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها سبب الزيادة والنقصان رموا بها ولم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ فكان هذا هو سبب إسلامي (٣).