يمتاز بعدة مميزات (٣):
الأولى: أن المؤلف آثر خطة الهجوم على خطة الدفاع التي لا تزال أقوى وأكثر تأثيرا في النفس، فإنها تلجئ الخصم إلى أن يتخذ موقف الدفاع، وأن يقف في قفص الاتهام، ويدافع عن نفسه وينفي التهمة، وكان مما تورط فيه علماء المسلمين - قديما - أنهم وضعوا التوراة والإنجيل والقرآن على مستوى واحد، وبذلك نالت هذه الصحف القديمة ما لم تكن تستحقه من الثقة والتقدير، مع أن أصحابها أنفسهم لا يدعون أنها كلها كلام الله والوحي المنزل من
_________________
(١) أحمد ديدات، هل الكتاب المقدس كلام الله، ([د. م]: [د. د]، [د. ط]، [د. س]) ص ٧٧.
(٢) إظهار الحق، تحقيق: د. الملكاوي، ص ٧٤.
(٣) مرجع سابق: مقدمة أبي الحسن الندوي، إظهار الحق، ص ١٠ (بتصرف يسير).
[ ٤٥ ]
السماء، بنصه وقصه، كما هو الشأن مع القرآن الكريم والمؤمنين به (١) وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، موفقا كل التوفيق في إيثار خطة الهجوم في كتابة «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» مع أن قيمة الصحف الأربعة للإنجيل لا تعدو عند المحققين قيمة كتب السيرة والحديث من الطبقة الثانية والثالثة، ليس لها سند متصل صحيح، وقد ألفت بعد رفع المسيح في فترات مختلفة، وفيها أشياء من كلام المسيح وأشياء من أفعاله ومعجزاته (٢) وقد تفطن الشيخ رحمة الله بدقة دراسته وأصالتها، وأصاب المحز، فغير ذلك وجه البحث والجو الذي تقوم فيه المناظرة، وأفقد الخصوم الموقف المشرف الذي تمتعوا به واستغلوه زمنا طويلا.
الثانية: أن المؤلف تجنب البحوث الدقيقة التي يتسع فيها مجال الجدال، ويكثر فيها القيل والقال، بل اعتمد في الكتاب على التناقضات الواضحة، والبديهيات الجلية، التي لا تقبل التأويل، واستخرج منها نتائج، كنتائج رياضية لا يختلف فيها اثنان، فقد أثبت أن التوراة والإنجيل مليئة بالاختلافات والتناقضات، وقد وقعت فيها أخطاء فاحشة عد منها مائة وثمانية ١٠٨ من الأخطاء، وبرهن بذلك على أنها كلها ليست إلهاما من الله، وأن التحريف قد وقع في «الكتاب المقدس» لا محالة، من زيادة ألفاظ، وحذف كلمات، وعبارات إلحاقية، وبذلك أصبح هذا الكتاب شديد الوطأة على من يؤمن بكونه صحفا سماوية منزلة وصلت إلى البشر عن طريق الوحي والإلهام.
تعرض المؤلف فيه لمغالطات النصارى وتمويهم، ورد عليها في أسلوب سائغ مقنع، وتعرض لإثبات النسخ ووقوعه في الديانتين السابقتين وصحفهما. وضع المؤلف العلامة حقيقة عقيدة التثليث في النصرانية على محك العقل، ونقدها نقدا علميا يستسيغه كل من رزق العقل السليم والذوق الصحيح.
لم يكتف المؤلف بنقد المسيحية وعقائدها وصحفها، بل أضاف إلى ذلك الحديث عن القرآن الكريم وإثبات أنه كلام الله، لا شك في ذلك، وأجاب في هذا الصدد على كل ما عارضه به النصارى، واعترضوا على القرآن، وذكر في ذلك نبذة من سيرة الرسول ﷺ ومعجزاته والبشارات التي وردت في شأنه وقد ذكر ثماني عشرة ١٨ بشارة، وحقق الأحاديث، لذلك كان الإقبال على هذا الكتاب كبيرا والعناية به عظيمة، وقد ظهرت الطبعة الأولى في عام ١٢٨١ هـ في استنبول، ونقله عالم تركي إلى اللغة التركية ووسماه بـ «إبراز الحق» وقامت الحكومة العثمانية بترجمة الكتاب في عدة لغات أوروبية، ونقله أحد الكتاب بالإنجليزية في الهند إلى اللغة الإنجليزية.