لقد وقع اختياري على منهج رحمت الله بالتحديد لما تميز به منهجه من التأثير والقوة، كما أنه امتلك أدوات منهجية ألزم نفسه بالسير عليها؛ لذا قبل أن نبدأ في دراسة منهجه أن نتعرف إن كان قد تأثر بمن سبقه، وعقب التحليل، نتعرف هل طور بعد ذلك، وهل من لحقه قد استفاد منه وطور؟
لابد - في بداية الأمر - من الحديث عن الشيخ ثناء الله الأمر تسري في أوائل القرن العشرين - من كبار زعماء أهل الحديث ورئيسهم، فأطلق عنان قلمه، وألف سلسلة من الكتب في الرد على الهندوسية والنصرانية؛ ففي النصرانية مثلا: (الإسلام والمسيحية) و(تقابل ثلاثة) وغيرها، وأعلن يطلب من يناظره في الإسلام والأديان الأخرى، وما زال على هذا إلى أن توفي عام ١٩٤٨ م (٢).
وقد كانت أولى اللقاءات الجدلية القوية رسالة الجاحظ في أول رسالة جدلية - وصلت إلينا - ضد النصارى، توالت بعدها الجهود الإسلامية والمؤلفات الكثيرة لأسماء لامعة: كالقاضي عبد الجبار، والجويني، والغزالي، والرازي، وابن حزم، وأبي الوليد الجابي، والقرطبي المفسر، والقرافي الفقيه (٣).
وما أن حل النصف الثاني من القرن السابع الهجري حتى تبوأ الإمام ابن تيمية مكان الصدارة فيه، ليضيف إلى تلك الجهود المشكورة أكبر الإسهامات وأبعدها أثرا، وليؤلف أغزر وأعمق ما كتب عن النصرانية في تاريخ الإسلام مستعينا بأدوات بحث لم تتوفر للكثيرين من سابقيه، منها ما وهبه الله إياها: كالحافظة القوية، والذكاء الحاد، والبصيرة النافذة والبديهة الحاضرة، ومنها ما هو نتاج الدرس والتحصيل: كالمعرفة الموسوعية، واستيعاب تراث السابقين من عقائد وفلسفات ومذاهب، وكرسوخ القدم في الجدل والحوار
_________________
(١) مرجع سابق: مقدمة محمد مسعود سليم - مدير المدرسة الصولتية، إظهار الحق، ص ١٩، ص ٢٠ (بتصرف).
(٢) محمد ضياء الدين الأعظمي، دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند، (الرياض: مكتبة الرشد، ط ٢، ٢٠٠٣ م)، ص ٣٤، ص ٣٥ وما بعدها (بتصرف يسير).
(٣) عبد الراضي عبد المحسن، منهج أهل السنة والجماعة في الرد على النصارى، (القاهرة: دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط ٢، ١٩٩٥ م). ص ٥ (بتصرف يسير).
[ ٣٤ ]
والمناظرة؛ لهذا جاءت دراسته للنصرانية: حافلة، شاملة، مستوعبة معظم قضاياها ومشكلاتها وأطروحاتها، فتراه وأنت تطالع مقالاته في النصرانية قد تسنم ذروة طود شامخ يشرف منه على آراء النصارى وعقائدهم وعباداتهم ملما بالنصرانية محيطا بمسالكها فيصف عن حس، ويفند عن بصيرة، ويمهد بكليات يشدها بأدلة الاستقراء من صحيح المنقول وصريح المعقول، حتى لنستطيع القول أن قوة المحجة، وصدق الحجة، ودحض الشبهة، هي أوضح سمات منهجه وأبين خصائص منهجه (١).
ليس له مصنف ولا نص في مسألة ولا فتوى إلا وقد اختار فيه ما رجحه الدليل النقلي والعقلي على غيره، وتحرى قول الحق المحض؛ فبرهن عليه بالبراهين القاطعة الواضحة الظاهرة وإذا نظر المنصف إليه بعين العدل يراه واقفا مع الكتاب والسنة لا يميله عنهما قول أحد كائنا من كان (٢).
ومن هنا لابد من التعرف على هؤلاء الأوائل في هذا الباب من المسلمين مثل: ابن حزم وابن تيمية - رحمهما الله تعالى - ولنبدأ بابن حزم:
يكتفي ابن حزم من النص بمعناه الأولي والبسيط والمباشر، بل والسطحي أحيانا، محكما المبادئ المنطقية فنحن أمام عقليتين متناقضتين تتحدثان لغتين مختلفتين تماما. ولا يخلو موقف ابن حزم من بعد أيديولوجي مرتبط بمناهضته للتيارات الباطنية في داخل الديانة الإسلامية وخارجها؛ حيث يرى أنها أسرفت في تأويل النصوص وألبستها من المعاني فوق ما تطيق إن ابن حزم لا يرفض المجاز مادام يوجد دليل عليه (٣).
ولا يقبل ابن حزم - وفق منهجه اللغوي المنطقي لفهم النصوص - التأويل الرمزي، الذي يفسح المجال - حسب رأيه - لفوضى تأويلية، نتيجة فقدان ذلك الرباط المقدس بين الألفاظ ودلالاتها. فكل فريق يوجه النص نحو وجهته الخاصة؛ فاليهود يؤولون النبوءات نفسها التي يستشهد بها النصارى، ويرون فيها حلمهم المسيحاني بعودة مجدهم القومي - الديني - الذي لم يتحقق بعد، والنصارى يرون فيها بشارات تحققت في المسيح والخلاص على يديه. وهكذا (٤).
يعتمد ابن حزم في الحديث عن النصارى على القواعد الآتية (٥):
١ - فهم الأناجيل على ظاهر الألفاظ - كما تدل عليه اللغة - وعدم اعترافه بتأويل الكنيسة وأحبارها، إذ يرى في ذلك نوعا من الخداع.
٢ - اعتبار كل كتاب يوجد الكذب في جزء من أجزائه مثل الكل من حيث الرد وعدم القبول.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٥.
(٢) عمر بن علي بن موسى البزار أبو حفص، الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، تحقيق: زهير الشاويش (بيروت: المكتب الإسلامي، ط ٣، ١٤٠٠ هـ). الفصل الثالث عشر.
(٣) عدنان المقراني، نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، (أمريكا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط ١، ٢٠٠٨ م)، ص ١٦٥ (بتصرف يسير).
(٤) مرجع سابق: عدنان المقراني، نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، ص ١٧٢.
(٥) د. محمود علي حماية، ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان، (القاهرة: دار المعارف، ط ١، ١٩٨٣ م). ص ٢٦٣. (بتصرف).
[ ٣٥ ]
٣ - عدم الاعتراف بالكثرة "؛ فالحق حق، صدقه الناس أو كذبوه، والباطل باطل، صدقه الناس أو كذبوه، ولا يزيد الحق درجة في أنه حق إطباق الناس كلهم على تصديقه.
٤ - التركيز على العقائد في مناقشة النصرانية؛ لأنه ليس في الاشتغال بالأحكام الشرعية شيء يوجبه العقل أو يمنعه بل كلها من الممكن، فإذا قامت البراهين الضرورية على قبول الأمر بها ووجوب طاعته وجب قبول كل ما أتى به كائنا ما كان من الأعمال.
٥ - اعتماده في مناقشة الإنجيل، وغيره من كتب النصارى، على النصوص الواضحة؛ التي لا يشك في أنه كذب على الله تعالى وعلى الأنبياء ﵈ إلى أخبار أوردوها لا يخفي الكذب فيها على أحد.
يحصر ابن حزم الكذب في الطبقة الأولى التي روت الخبر، أما الطبقات التالية لها فهي لديه صادقة بلا شك في نقلها جيلا بعد جيل، بمعنى أن ناقل الكذب معتقدا صدقه يعد صادقا، وهذا موقف فيه شيء من الانفتاح من قبل ابن حزم إزاء نصارى عصره، من شأنه أن يعزز الثقة ويفسح مجالا للحوار (١).
كما ينقد ابن حزم العهد الجديد بأسلوب النقد الخارجي والداخلي؛ فالخارجي مثل: طرق ورود النصوص ونقلها مركزا بصفة خاصة على الطبقات الأولى التي عاصرت المسيح ﵇ والتي تلته مباشرة، أما النقد الداخلي فيعنى بفحوى النصوص، كما يبحث عن مكامن الخلل والتناقض فيها، من المنظور الحزمي بطبيعة الحال، بالمقارنة بين النصوص والرجوع إلى معطيات الحواس وأوليات العقل وبديهياته (٢).
أما ابن تيمية فقد وضع قاعدتين في ذلك:
الأولى: ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله.
الثانية: الكلام في صدق مدعي الرسالة وكذبه متقدم على الكلام في عموم الرسالة وخصومها.
على الرغم من شهرة ابن تيمية الواسعة التي بلغت الآفاق إلا أن رحمت الله قد تأثر به وزاد عليه في منهجه في الرد على النصارى كما سيتبين وفقا لمتطلبات العصر ومقتضيات المنطق.
أما قواعد ابن تيمية الشاملة في الرد على النصارى- كما سيتبين - فقد تلخصت فيما يلي (٣):
_________________
(١) مرجع سابق: عدنان المقراني، نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، ص ١٠١ - ص ١٠٢.
(٢) مرجع سابق: عدنان المقراني، نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، ص ١٤٣.
(٣) د. حمدي بن حميد بن حمود القريقري، قواعد ابن تيمية في الرد على المخالفين، (الرياض: دار الفضيلة، ط ١، ٢٠١١ م). ص ٨٦ وما بعدها.
[ ٣٦ ]
١ - وكل شيئين اتحدا فإنهما يصيران جوهرا ثالثا وأقنوما ثالثا وطبيعة ثالثة. ويثبت ذلك بالقول: إن كان اللاهوت والناسوت قد اتحدا - كما زعموا - فقد استحالت صفة اللاهوت، واستحالت صفة الناسوت فلم يبق اللاهوت لاهوتا ولا الناسوت ناسوتا بل صاروا جوهرا ثالثا، لا لاهوت ولا ناسوت.
٢ - الواجب التمسك بالصريح المحكم ورد المتشابه إليه ولا يجوز التمسك بالمتشابه ورد المحكم إليه.
والواجب أن يحملوا هذا اللفظ المتشابه المحتمل على اللفظ المحكم وذلك لما يلي:
أولا: أنه كان في لغة من قبلنا يعبر عن الرب بالأب وبالابن عن العبد المربي الذي يربه الله ويربيه.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ومما يبين ذلك أن لفظ الابن في لغتهم ليس مختصا بالمسيح بل عندهم أن الله تعالى قال في التوراة لإسرائيل: أنت ابني بكري، والمسيح كان يقول: أبي وأبوكم فيجعله أبا للجميع، ويسمي غيره ابنا له، فعلم أنه لا اختصاص للمسيح بذلك، ولكن النصارى يقولون: هو ابنه بالطبع، وغيره ابنه بالوضع، فيفرقون فرقا لا دليل عليه. ثم قولهم هو ابنه بالطبع يلزم عليه من المحالات عقلا وسمعا ما يبين بطلانه ".
ثانيا: أن هناك نصوصا كثيرة صحيحة وصريحة تبين أن المسيح عبد مخلوق لله.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " أن جميع ما عندهم من النصوص الصحيحة لا يدل على مذهبهم ألبتة نصا، بل غاية ما يدعون فيها الظهور، وهم منازعون في ذلك حتى يقال: بل الظاهر فيما يحتجون به خلاف قولهم.
ومن النصوص الصريحة التي تبطل مذهبهم
- كقول المسيح ﵇ في انجيل متى لما سئل عن علم الساعة: "لا يعلمها إنسان ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن إلا الأب فقط" مر ٣٢/ ١٣.
- ومن ذلك ما قيل: إنه قول المسيح: " إن الله ربي وربكم وإلهي وإلهكم ".
- ومن أقوال المسيح " من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم "يو ٧: ١٨.
- وقال: " إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس من تلقاء نفسي، ولكن من الذي أرسلني - يوحنا ١٤/ ٢٤، والويل لي إن قلت شيئا من تلقاء نفسي ولكن بمشيئته هو من أرسلني ".
- ومن أقواله الدالة على بشريته وإبطال عقيدة النصارى فيه: " يارب قد علموا أنك قد أرسلتني وقد ذكرت لهم اسمك " يوحنا ١٧.
٣ - مدلول اللفظ هو بحسب ما يعنيه المتكلم ويقصده ويتصوره وهذا يختلف باختلاف إرادات الناس.
[ ٣٧ ]
فعندهم أن الله تعالى قال في التوراة لإسرائيل: أنت ابني بكري، والمسيح كان يقول: أبي وأبوكم فيجعله أبا للجميع، ويسمي غيره ابنا له، فعلم أنه لا اختصاص للمسيح بذلك، وإن كلمة أقانيم كلمة رومية لا دليل عليها.
٤ - ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله.
يلزم النصارى أن يقروا بنبوة محمد - ﷺ - لأنه قد قامت البراهين الواضحة والدلائل القاطعة والمعجزات المؤيدة لصدقه وتبين من أحواله أنه رسول صادق من الله تعالى، وعلى هذا لا يجوز أن يكذب كما يفعل ذلك كثير من النصارى، ولا يجوز أن يقر بأنه أرسل إلى العرب خاصة ولم يرسل إلى أمة أخرى، وعندئذ يلزم النصارى الإيمان به - كما قال الله تعالى: " قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ".
٥ - كل ما يدل على كذب الكاذب لا يدل على صدق الصادق، وبالعكس، فإن دليل الكذب مستلزم له، ودليل الصدق مستلزم له، وهما ضدان يمتنع أن يكون مدعي النبوة نبيا صادقا، ومتنبئا كاذبا، والضدان لا يجتمعان، فيمتنع أن يكون شيء واحد يدل على الضدين.
٦ - المضاف إلى الله نوعان: إضافة صفة، وإضافة عين. الأول: صفة لله قائمة به ليست مخلوقة له بائنة عنه. الثاني: مملوك لله مخلوق له بإذن عنه.
٧ - كل كمال في الفرع المتعلم هو من الأصل المتعلم.
٨ - الكلام في صدق مدعي الرسالة وكذبه متقدم على الكلام في عموم رسالته وخصوصها.
٩ - ما من طريق صحيح يثبت بها نبوة موسى وعيسى إلا وهي تثبت بها نبوة محمد - ﷺ - بطريق أولى.
١٠ - كل الأنبياء دينهم الإسلام.
- ومن خلال عرض السابقين لرحمت الله، لا يمكن أن نغفل فيه - أولا - من كان معه، ويسانده، ومن هذا المنطلق رأيت أن أرتكز على أهمهم، وأقارنه بمن أتى بعده، وهل إذا ما كان قد سار على نفس النهج أم طور؟