واضح أن المسيحية استقت عقيدة التثليث عن المصريين الذين كانوا يعبدون الثالوث: أوزوريس، إيزيس، حورس، وهو التثليث الذي طوره الأفلاطونيون لاحقا، وتبنته الكنيسة ويتساءل يونغ: لماذا لم تكن السيدة مريم ﵍ ثالث الثلاثة بدلا من الروح القدس؟ ويرى أن ذلك عائد إلى التأثر بأديان مصر القديمة التي ترفض أن تكون المرأة عنصرا في الثالوث، وهذا في رأيه ما انتقل إلى المسيحية حيث نرى في الإنجيل موقفا غريبا جدا ينسبه يوحنا إلى السيد المسيح ﵇ زورا وبهتانا تجاه أمه، فهو يظهر في الإنجيل ينهر أمه وينكرها ولا يعترف بها (٢).
كذلك نجد أن هناك أوجه شبه كثيرة بين الديانات والعقائد القديمة وبين الفكر المسيحي، وهذا التشابه يوضح أن المسيحية استعارت كثيرا من معتقداتها وطقوسها من البوذية واليهودية، وحتى الوثنية أخذت المسيحية منها نصيبا موفورا؛ فالتثليث، والأقانيم الثلاثة، وقصة الصلب والفداء للتكفير عن خطيئة البشر، والزهد، والرهبنة، كلها مأخوذة من البوذية التي تتشابه تعاليمها مع المسيحية تشابها كبيرا، مع بعد المسافة بين الديانتين، إذ ظهرت البوذية قبل المسيحية بأكثر من خمسة قرون (٣).
وعندما ننظر في العهد الجديد فإننا لا نتوقع أن نجد عقيدة محددة وثابتة، أو تفصيلا كاملا لتنظيم الكنيسة، بل العكس من ذلك تماما، فإننا نتوقع - وهذا ما نجده فعلا اقتراحات لم يعمل بها أبدا، وحلول تجريبية قصد التغاضي عنها في مستقبل الكنيسة (٤).
توصل علماء الغرب - في القرن العشرين - بعد التنقيب والفحص والموازنة - إلى أن النصرانية قد استمدت عقائدها الأساسية (التثليث، والكلمة، والتجسد، أو الاتحاد، أو اللاهوت والناسوت، وموت الإله الابن وصلبه، وقيامته من الأموات، والفداء والكفارة، والخلاص، الخ) من الديانات الوثنية القديمة السابقة على المسيحية، وبذلك قد تخلت عن ديانة عيسى التي أوحاها الله إليه وتشبهت بالوثنيات وتابعتها وأتمت بها. هذا ما أعلنه علماء الغرب المسيحيون أخيرا.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٥٧.
(٢) اندريه نايتون، إدغار ويند، كارل يوستاف يونغ، الأصول الوثنية للمسيحية، ترجمة سميرة عزمي الدين، منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية، سلسلة من أجل الحقيقة (٤)، ص ١٠، ص ١١.
(٣) عبد الفتاح حسين الزيات، ماذا تعرف عن المسيحية (القاهرة: مركز الراية للنشر والإعلام، ط ٣، ٢٠٠١ م)، ص ١٤٣، ص ١٤٤.
(٤) أحمد عبد الوهاب، المسيح في مصادر العقائد المسيحية، (القاهرة: مكتبة وهبة، ط ٢، ١٩٨٨ م)، ص ١٥.
[ ١١٢ ]
ومما يذكر هنا أن القرآن الكريم نص على ذلك منذ أربعة عشر قرنا، حيث قال الله تعالى تعليقا على تبديل النصارى العقائد وتغييرها:
(ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) [التوبة: ٣٠] (١)؛ أي: ذلك قولهم هم، وليس ما جاء به الوحي، وأبلغه لهم عيسى ﵇، وهم يقلدون ويتشبهون بالأمم الوثنية الكافرة التي سبقتهم: الوثنية المصرية القديمة، والوثنية الهندية البوذية والبرهمية، والوثنية البابلية والفارسية والرومانية واليونانية .. الخ (٢).
وأما بالنسبة للعهد الجديد فلا توجد له مخطوطات أصلية أيضا؛ فلا يوجد إلا نسخا أقدمها يعود إلى القرن الرابع، وهو الوقت الذي وضعت فيه الكنيسة الكتاب القانوني أو الرسمي. إن هذا الفقدان للمخطوطات الأصلية قد ألغى أية إمكانية للتثبت من صحة النسخ. وهكذا فإن التغييرات التي زحفت إلى النص قد بقيت في نص الكتاب المقدس (٣).
وفي رأيي أن الكتاب المقدس هو جملة من الروايات التاريخية - غير المثبتة - يحمل بعض الحقائق أو العبارات المقدسة التي توافق القرآن الكريم.