تدور المناقشات في أصول الدين التي يتكلم المتكلمون فيها ويتناظرون عليها، حول المسائل الآتية:
أولًا: الرد على الدهرية القائلين بقدم العالم فأخذ المتكلمون يبرهنون على حدوث الأجسام والدلالة على أن للعالم محدثًا هو الله تعالى.
ثانيًا: تنزيه الله ﷿، للرد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى ودحض مزاعم القائلين بكثرة الصانعين كالمجوس، فقد شبه اليهود الله ﷾ بصفات المخلوقين وادعى النصارى بالقول بالتثليث، وقال المجوس بإله النور وإله الظلمة.
ثالثا: إثبات أن الله تعالى عالم قادر حي قيوم، وأنه واحد، للرد على المعطلة
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج ١٧ ص ٤٤٣/ ٤٤٤.
[ ٧٥ ]
النافين للصفات.
رابعًا: الكلام في رؤية الله ﷿ في الجنة، وإثباتها أو نفيها، وأن كلام الله مخلوق أو غير مخلوق.
خامسًا: البحث في أفعال العباد وهل هي مخلوقة يحدثها الله - ﵎ - أو العباد وإذا كانت الاستطاعة قبل الفعل أو معه.
سادسًا: الحكم على من مات مرتكبًا الكبائر، فهل يخلد في النار أو يجوز أن يرحمه الله - تعالى - ويتجاوز عنه ويدخله الجنة؟
سابعًا: الدلالة على النبوة بعامة، ردًا على البراهمة وغيرهم من مبطلي النبوة. والدلالة على نبوة نبينا محمد - ﷺ - بخاصة.
ثامنًا: القول في الإمامة ومن يصلح لها ومن لا تصلح له وهل هي قضية مصلحية تتم بأهل الحل والعقد في الأمة أم أنها تتم بالنص (١) .
هذه هي المسائل المثارة في المدارس الكلامية، ويظهر من مصطلحاتها أنها ترتبط بمراحل تاريخية للمسلمين، من أهم سماتها أنهم كانوا فيها أصحاب الحضارة السائدة في عالمهم.
والآن، حلت مشكلات أخرى، فأصبح من الضروري أن يجابهها الفكر الإسلامي بطرق ملائمة لثقافة العصر وحضارته. فإذا صورنا العالم الإسلامي أيام الاشتباك العقلي مع خصوم الإسلام، فمن الواضح أنه كان مهاجمًا، يملك في يديه العناصر الحضارية الأسمى، ثم انحسرت موجة الحضارة وانقلب العالم الإسلامي مدافعًا بعد أن كان ممسكًا بزمام الأمور، مرهوب الجانب مسموع الكلمة (٢) .
والنظرة العامة لتاريخنا المعاصر تجعلنا ندرك صحة ما نذهب إليه، فقد اتخذ الغرب موقف المهاجم منذ شن نابليون هجومه على المشرق الذي بدأ في التمزق حينئذ بالغًا الذروة في الحرب العالمية الأولى، حيث انهار النظام الذي كان قائمًا في ظل الخلافة العثمانية.
_________________
(١) الخوارزمي: مفاتيح العلوم ط المنيرية ص ١٧-١٨ ط ١٣٤٢ هـ.
(٢) باول شمتز: الإسلام قوة الغد العالمية ترجمة الدكتور محمد شامة ص ٦٤.
[ ٧٦ ]
وتجددت المشاكل أمام الفكر الإسلامي الذي أخذ يجابهها بأساليب جديدة نتيجة من ناحية لمقاومة الاستعمار ومقاومة المذاهب والبحوث الفكرية التي خلفها بمعاونته في تمكين سلطه في رقعة البلاد الإسلامية (١)، ومن ناحية أخرى أصبح من واجب العلماء التعريف بالإسلام بصورته الشاملة كدين وحضارة وبعث النشاط في قيمه العليا - سواء في حقائقها الميتافيزيقية أو أنظمتها التشريعية والاجتماعية والسياسية - أو في قيمتها الإنسانية الأخلاقية في هذا العصر المصطبغ بالتقدم العلمي المادي، الذي عزل الإنسان عن القيم الروحية التي غذته بها الأديان.
ومهما بلغت العلوم في تقدمها وازدهارها، فليس لها أن تعترض طريق الدين. وقد أصبح هذا الاستدلال في غاية القوة حيث إن العلماء اعترفوا في هذا القرآن بأن العلوم المادية لا تعطي إلا علما جزئيًا عن الحقائق (٢)، ومن جانب آخر فقد اضطر العلماء إلى الانحناء والخضوع أمام آلاء الله ﷿، والإقرار بأن الزهو بالعلم والاكتشافات العلمية كان تعبيرًا عن قصور في إدراك الإنسان لمدى قدرته إزاء سنة الله الكونية ثم أظهرت الاكتشافات أن الإنسان لا يستطيع اكتشاف قوانين حياته بنفسه، وأن الأشياء التي لا نطلع عليها هي أهم بكثير من التي نطلع عليها، وإقرارا لهذا الواقع اشترك نحو مائة وخمسين من كبار علماء العالم في نشر معجم بعنوان (دائرة معارف الجهل) موضحين الكثير من الظواهر والحقائق الإنسانية والكونية التي لا تزال بدون تفسير.
كذلك مما يقرب عالم الغيب للأذهان الذي يشمل أصول الدين أغلب قضاياه له وسرعاته وأعداده كلها تحير العقل وتذهله وتعجزه عن التصور الحقيقي - لأن هذا العالم أعظم وأضخم من القوة المتخيلة للأذهان، فالإنسان الذي يدرس الكون (مضطر لتغيير قيمه ومقايسه إلى هذه الحجوم والكتل الهائلة التي لا يستطيع أن يجد لها تشبيهًا معقولًا ليساعده على تصورها وفهمها) (٣) .
_________________
(١) محمد البهي: الفكر الإسلامي في تطوره.
(٢) وحيد الدين خان: الإسلام يتحدى.
(٣) زهير الكرمي: مقدمة كتاب (الكون والثقوب السوداء) ص ١٢ سلسلة كتاب (عالم المعرفة) بالكويت.
[ ٧٧ ]
ثم جاءت النظرية النسبية لتنفي فكرة العبثية عن الكون ولتثبت أن الظواهر الكونية كلها تخضع لقوانين رياضية ثابتة (١) .