وبعد أخذ ورد طويلين ومناقشات حول معاني القرآن وطرق قراءته بالفصل والوصل مما أثبت به عبد العزيز المكي جهل بشر المريسي بأسرار اللغة العربية، عاد المريسي ليقول: إن قول الله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) لا تخرج عنها شيء لأن تلك كلمة تجمع الأشياء كلها فلا تدع شيئًا يخرج عنها وكل ذلك داخل فيها.
وهنا أخذ عبد العزيز يسترسل في ذكر آيات من القرآن الحكيم، مثل قوله تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ) [طه، الآية: ٤١] (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران، الآية: ٢٨، ٣٠] وقوله ﷿ (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام، الآية: ٥٤] وقال: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) [المائدة، الآية: ١١٦]، فأخبرنا الله ﷿ أن له نفسًا، وطلب من بشر المريسي الإقرار بذلك، فأقر.
وأشهد المأمون على هذا الإقرار. وهنا تلا قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)
_________________
(١) الحيدة ص ١٩- ٢٠.
(٢) الحيدة ص ١٩- ٢٠.
(٣) عبد العزيز المكي- الحيدة ص ٢٠.
[ ١٣٠ ]
[آل عمران، الآية: ١٨٥]، ثم سأل بشر (فتقول يا بشر إن نفس الله ﷿ داخلة في هذه النفوس التي تذوق الموت)، فصاح المأمون بأعلى صوته - وكان جهوري الصوت - معاذ الله، معاذ الله قال عبد العزيز: (معاذ الله أن يكون كلام الله داخلًا في الأشياء المخلوقة كما أن نفسه ليست بداخلة في الأشياء الميتة) .
وقد اعترف المأمون عندئذ بأن حجة عبد العزيز قد وضحت وانكسر قول بشر، وطالب عبد العزيز بالمزيد من هذه الأخبار في القرآن الكريم.
قال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين إن الله ﷿ شرف العرب وكرمهم وأنزل القرآن بلسانهم فقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف، الآية: ٢] وقال: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ) [مريم، الآية: ٩٧] فخص الله ﷿ العرب بفهمه ومعرفته وفضلهم على غيرهم بعلم أخباره ومعاني ألفاظه وخصوصه وعمومه ومحكمه ومبهمه وخاطبهم بما عقلوه وعلموه ولم يجهلوه، إذْ كانوا قبل نزوله عليهم يتعاملون بمثل ذلك في خطابهم فأنزل الله ﷿ القرآن على أربعة أخبار خاصة وعامة (١) .
فمنها: ١ - خبر مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى الخصوص وهو قوله تعالى: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ) [ص، الآية: ٧١] وقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [آل عمران، الآية: ٥٩] ثم قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) [الحجرات، الآية: ١٣] والناس اسم يجمع آدم وعيسى وما بينهما وما بعدهما فعقل المؤمنون عن الله ﷿ أنه لم يعن آدم وعيسى لأنه قدم خبر خلقهما.
٢- خبر مخرجه مخرج العموم ومعناه معنى الخصوص وهو قوله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف، الآية: ١٥٦] فعقل عن الله أنه لم يعن إبليس فيمن تسعه الرحمة لما تقدم فيه من الخبر الخاص قبل ذلك وهو قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص، الآية: ٨٥] فصار معنى ذلك الخبر العام خاصًا لخروج إبليس ومن تبعه من سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء.
_________________
(١) الحيدة ص ٣٢- ٣٣.
[ ١٣١ ]
٣- خبر مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى العموم وهو قوله: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) [النجم، الآية: ٤٩]، فكان مخرجه خاصًا ومعناه عامًا.
٤- خبر مخرجه العموم ومعناه العموم.
فهذه الأربعة الأخبار خص الله العرب بفهمها ومعرفة معانيها وألفاظها وخصوصها وعمومها والخطاب بها، ثم لم يدعها اشتباهًا على خلقه وفيها بيان ظاهر لا يخفى على من تدبره من غير العرب ممن يعرف الخاص والعام، فلما قدم إلينا ﷿ في نفسه خبرًا خاصًا أنه حي لا يموت بقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان، الآية: ٥٨] ثم أنزل خبرًا مخرجه مخرج العموم ومعناه الخصوص فقال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران، الآية: ١٨٥] فعقل المؤمنون عن الله ﷿ أنه لم يعن نفسه مع هذه النفوس لما قدم إليهم من الخبر الخاص، كذلك وقدم إلينا في كتابه خبرًا خاصًا (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل، الآية: ٤٠]، فدل على قوله باسم مفرد فقال إذا أردناه - ولم يقل أردناهما - ففرق بين القول والشيء المخلوق الذي يكون بالقول مخلوقًا ثم قال ﷿ (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [غافر، الآية: ٦٢] فعقل المؤمنون عن الله ﷿ أنه لم يعن كلامه وقوله في الأشياء المخلوقة لما قدم من الخبر الخاص (١) .