وعندما ضيق الخناق على بشر المريسي، قال للمأمون: (يا أمير المؤمنين هذا يريد نص القرآن لكل شيء يتكلم به، وهذا مما لا يقدر عليه لأنه ليس كل ما يتكلم به الناس مما يحتاجونه إليه من علم أديانهم يوجد في كتاب الله بنص التنزيل، وإنما يوجد فيه بالتأويل)، أي أنه عاد يطالب بالتأويل بعد أن أفحمه عبد العزيز المكي بالتنزيل.
وظن أنه بهذه الطريقة سيعجز عبد العزيز عن إثبات صحة ما ذهب إليه، فأخذ يتحدى مطالبًا بآيات تدل على شمولها لكل المخلوقات.
وأخذ يطالب عبد العزيز بالإتيان ببراهينه، فقال: (أوجدني أن هذا الحصير مخلوق بنص القرآن) .
ولكن عبد العزيز لم يعجز عن إثبات ذلك، فطالب بشر المريسي أولًا بالإقرار
_________________
(١) الحيدة ص ٣٧- ٣٨.
[ ١٣٣ ]
بأن الحصير من سعف النخل وجلود الأنعام بالإضافة إلى صناعة الإنسان الذي يعمله حتى صار حصيرًا، ثم أخذ يردد آيات الله تعالى في هذا الصدد قال تعالى في النخيل: (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ) [الواقعة، الآية: ٧٢] فهو نص بخلق النخل والسعف.
وأما الجلود فقال الله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ) [النحل، الآية: ٥] وهذا خلق الجلود وأما الصانع فقال الله ﷿: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) [ق، الآية: ١٦] فهذا خلق الصانع، فصار الحصير مخلوقًا بنص التنزيل لا بتأويل ولا بتفسير. وسأل بشر: (فهل عندك مثل هذا لخلق القرآن، ما تذكره أو تحتج به وإلا فقد بطل ما تدعونه من خلقه وصح ولم يزل صحيحًا أن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل جهة وعلى أي جهة تصرفت) (١) .
ثم دارت المحاولة على النحو التالي:
قال بشر: يا أمير المؤمنين، عندي أشياء كثيرة إلا أنه يقول بنص التنزيل، وأنا أقول بالنظر والقياس. فليدع مناظرتي بنص التنزيل وليناظرني بغيره.
فتعجب المأمون من طريقة بشر في المناظرة وسأله في دهشة (تقول لرجل يناظر بالكتاب والسنة دعهما واخرج إلى النظر والقياس؟ هذا ما لا يجوز؟) (٢) .