ولكن عبد العزيز المكي فاجأ المأمون والحاضرين وأبدى تمام استعداده للمناظرة بالنظر والقياس دون الاحتجاج بآية من كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ وسأل بشر المريسي: (تسألني أم أسألك؟ قال: اسأل أنت) وقال مستطردًا: (وطمع في هو وأصحابه وظنوا أني إن خرجت عن الكتاب والسنة لم أحسن أن أتكلم بغيرهما) (٣) .
_________________
(١) الحيدة ص ٤٩ - ٥٠.
(٢) الحيدة ص ٥٠.
(٣) والمقصود بالحيدة الانصراف عن السؤال والهروب من إجابته. وقد استند عبد العزيز المكي إلى واقعتين أحدهما في القرآن الكريم والأخرى فى تاريخ المسلمين. فأما في القرآن فقال الله تعالى في قصة إبراهيم حين قال لقومه: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ =
[ ١٣٤ ]
قال عبد العزيز لبشر المريسي: (يلزمك في قولك بخلق القرآن واحد من ثلاث:
١- أن الله خلق كلامه في نفسه.
٢- أو خلقه في غيره.
٣- أوخلقه قائمًا بذاته أي شيئًا منفصلًا قائمًا بنفسه.
فقل ماعندك يا بشر) .
فأجاب بشر: (أنا أقول: إنه مخلوق وإنه خلقه كما خلق الأشياء كلها) فصاح عبد العزيز في وجهه ليثبت عليه الحيدة عن جوابه قائلًا: (تركنا الكتاب والسنة عند هرب بشر عنهما، وناظرته بالقياس والنظر لما ادعاه وذكر أنه يحسبه ويقيم على الحجة ولكنه مال إلى الحيدة ونقض ما شرط على نفسه، فإن بشرًا إنما يحسن أن يناظر من لا يفهم ولا يدري ما يقول) .
وهنا نهره المأمون وأمره بأن يجيب عبد العزيز المكي، فقال معترفا بعجزه عن الإجابة (ما عندي جواب غير ما أجبته به) (١) .
فأقبل المأمون على عبد العزيز فقال: (قد حاد بشر عن جوابك فتكلم أنت يا عبد العزيز في شرح المسألة) .
وهنا أعاد عبد العزيز المكي الإلزامات الثلاثة التي ذكرها في بداية سؤاله، وفصلها حسب البيان الآتي:
١ - إن قال بشر: إن الله خلق كلامه في نفسه، هذا محال باطل لا يجد للسبيل إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول، لأن الله - تعالى عما يقولون علوًا كبيرا -
_________________
(١) = تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) [الشعراء، الآية: ٧٢، ٧٣] وإنما قال لهم إبراهيم هذا؛ ليذمهم ويعيب آلهتهم ويسفه أحلامهم فعرفوا ما أراد به فصاروا بين أمرين، أن يقولوا نعم يسمعونا حين ندعو وينفعونا أو يضرونا فيشهد عليهم بلغة قومهم أنهم كذبوا ويقولوا: لا يسمعونا حين لا ندعو ولا ينفعونا ولا يضرونا فينفوا عن آلهتهم القدرة، وعلموا أن الحجة عليهم لإبراهيم لأنهم فى أي القولين أجابوه فهو عليهم، فحادوا عن جوابه واجتلبوا كلامًا من غيرهم ما سألهم عنه فقالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون فلم يكن هذا جواب مسألته.
(٢) الحيدة ٥٢.
[ ١٣٥ ]
لا يكون مكانًا للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصًا بشيء إذا خلقه.
٢- وإن قال: خلق كلامه في غيره فهذا أيضًا محال باطل لا يجد السبيل إلى القول به من قياس ولا نظر، ولا معقول، لظهور الشناعة من قبله لأنه يلزم قائل هذه المقالة في القياس والنظر والمعقول أن يجعل كل كلام خلقه في غيره هو كلام الله، فيجعل الشعر وقول الزور والفحش والخنا وكل كلام ذمه الله وذم قائليه من كلام الكفر والسحر وغيره لله تعالى عن ذلك.
٣- وإن قال: خلق كلامه قائمًا بذاته، فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد السبيل إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول؛ لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا القدرة إلا من قدير، ولا رؤي ولا يرى أبدًا كلام الله قائم بذاته متكلم بنفسه، وهذا ما لا يعقل، ولا يعرف ولا يثبت من قياس ولا نظر، ولا غيره.
فلما استحال القرآن أن يكون مخلوقًا من هذه الجهات، ثبت أنه صفة لله ﷿ وصفات الله ﷿ غير مخلوقة، فيبطل قول بشر من جهة النظر والقياس كما بطل من الكتاب والسنة.
وهنا قال المأمون: (أحسنت يا عبد العزيز)، ولكن بشرًا انتقل إلى موضوع آخر فقال: (دع هذه المسألة واسأل عن غيرها) (١) .
وانتقلا من الحديث عن كلام الله تعالى إلى صفاته ﷿ وقد بدأ بالعلم ثم الحديث عن القدرة والفعل، واختتما المحاورة بالبرهنة بالمنهج القياسي على أن كلام الله تعالى غير مخلوق، ونرى كيف التزم عبد العزيز طرقًا ثلاثة في محاورته: أي التنزيل والنظر والقياس.