وفي الإيمان بالقدر الذي تنازع فيه المسلمون فيما بعد رأينا كيف كان أبو بكر - ﵁ - مصيبًا حين يقول: أقول برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان فهذا القول يدل على تأييده لحقيقة المسؤولية الأخلاقية ونفي الجبر، كما عزر عمر بن الخطاب - ﵁ - من ادعى أن سرقته كانت بقضاء الله، فلما سأله فقال:
قضى الله علي، فأمر بقطع يده وضربه أسواطًا، فلما استفسروا من عمر عن سبب هذا التعزير (١) فأجاب: القطع للسرقة، والجلد لما كذب على الله. ولما قال محاصرو عثمان - ﵁ - حين رموه: الله يرميك. قال: كذبتم لو رماني ما أخطأني.
وهناك توضيح أيضًا على لسان علي بن أبي طالب - ﵁ - شارحًا الفرق بين قضاء الله تعالى وأمره، قد سأله شيخ عند انصرافه من صفين أكان المسير بقضاء الله وقدره؟ فأجابه علي رضوان الله عليه: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، ما هبطنا واديا ولا علونا قلعة إلا بقضاء وقدر، ففهم الشيخ خطأ أن عليًا يفسر ما حدث بالجبر لذلك أسرع علي فأفهمه معنى الإيمان بالقدر على حقيقته، وأنه لا يتنافى مع حرية إرادة الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، فقال له:
لعلك تظن قضاء واجبًا وقدرًا حتمًا، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد، ولما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسيء، ولا المسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن.. ثم أردف قائلًا: (إن الله تعالى أمر تخييرًا، ونهى تحذيرًا، ولم يكلف مجبرًا، ولا بعث الأنبياء عبثًا) (٢) .
_________________
(١) التعزير: التأديب دون الحد.
(٢) القاضي عبد الجبار (فرق طبقات المعتزلة) ص ٢٤ ط دار المطوعات الجامعية بالإسكندرية تحقيق د. النشار وعصام الدين محمد علي.
[ ١٦ ]
ويسوق لنا التاريخ أيضًا ما فهمه عمر بن الخطاب وابنه ﵄ وتمييزهما الدقيق بين العلم الإلهي المسبق المحيط بكل شيء وبين أفعال الإنسان التي يؤديها بحريته وإرادته.
وللقارئ هذا المثل الذي يضربه عمر بن الخطاب - ﵁ - في شرح الصلة بين العلم الإلهي والفعل الإنساني قال: (مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم، والأرض التي أقلتكم، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض، كذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله، كما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب، كذلك لا يحملكم علم الله على ما تم) .
وبسؤال عبد الله بن عمر ﵄ عن حالة بعض الناس الذي يزنون ويشربون الخمر ويسرقون ويقتلون النفس زاعمين أن ذلك كان في علم الله تعالى، فغضب ثم قال: (سبحان الله العظيم، قد كان ذلك في علمه أنهم يفعلونها، ولم يحملهم علم الله على فعلها) (١) .
والإجابة توضح نفسها ولا تحتاج إلى مزيد، فإن علم الله تعالى المحيط بكل شيء - لأنه سبحانه بكل شيء عليم - صفة من صفات الكمال، والعلم الإلهي بما حدث ويحدث وسيحدث لا يحمل العباد على أفعالهم.