إن مذهب الصحابة ﵃ - كما يذكر الشاطبي- وعليه دأبوا أن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره، فلم ينكر أحد منهم ذلك، بل أقروا وأذعنوا لكلام الله وكلام رسول الله - ﷺ - ولم يصادموه ولا عارضوه بأشكال، بل آمنوا به وأقروه (٢) .
وتعليل ذلك عنده:
١ - إن الرسول - ﷺ - نهاهم عن التنقيب فيما لا طائل وراءه بمثل قوله (ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا
_________________
(١) ابن تيمية: منهاج السنة ج ٢ ص ١٠٣.
(٢) الشاطبي: الاعتصام ج ٢ ص ١٩١/٢ - نفس المصدر ج ٢ ص ٢٠٧.
[ ٤١ ]
نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم) ولهذا قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: (إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم) . والآثار كثيرة تشير إلى ذم إيثار نظر العقل على آثار النبي - ﷺ -. ثم جاء جهم بن صفوان وغيره فخالفوا السنن وعارضوها بعقولهم فاستعملوا قياسهم وآراءهم في رد الحديث.
٢- إن جميع ما قالوه مستمد من معنى قول الله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) ثم قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، فإنها صريحة في هذا الرأي الذي قررناه - فإن كل ما لم يجر على المعتاد في الفهم متشابه.
٣- اتخذوا من الشرع حجة قاطعة وحاكمًا أعلى، وظهرت هذه الحقيقة في عدة مواقف عقب انتقال الرسول - ﷺ -، ومنها يوم السقيفة إذ قال بعض الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير) فأتى الخبر عن رسول الله - ﷺ - بأن الأئمة من قريش أذعنوا لطاعة الله ورسوله - ﷺ - ولم يعبأوا برأي من رأى غير ذلك لعلمهم بأن الحق هو المقدم على آراء الرجال.
وفي حرب أبي بكر لمانعي الزكاة، قال له عمر ﵄: كيف نقاتل وقد قال رسول الله - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءَهُمْ وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" فرد أبو بكر بقوله (إلا بحقها)، فقال: الزكاة حق المال، مع أن الذين أشاروا عليه بترك قتالهم إنما أشاروا عليه بأمر مصلحي ظاهر تعضده مسائل شرعية، ولكن لم يقو عنده آراء الرجال إن تعارض مع الدليل الظاهر الخ.
ونفهم - من استقراء أقوالهم وسلوكهم في جميع أصول الدين - أنهم كانوا يتقيدون بهذا المنهج أي: تقديم الشرع على العقل، لا عن قصور في الفهم، ولكن لمعرفتهم بمكانة الشرع وضرورة تقديمه على الاستنباطات العقلية التي لا تستند إلى دليل.
[ ٤٢ ]
وإليكم مواقفهم من هذه الأصول:
١ - ففيما يتصل بمسائل الغيب كالكلام عن الميزان والصراط وعذاب القبر والميزان وأوصاف أهل الجنة وأوصاف أهل النار.
فلم ينكر أحد منهم ما جاء من ذلك بل أقروا وأذعنوا لكلام الله وكلام رسوله - ﷺ - ولم يصادموه ولا عارضوه بأشكال، ولو كان شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى بينهم من القضايا والمناظرات في الأحكام الشرعية، فلما لم ينقل إلينا شيء من ذلك دل على أنهم آمنوا به وأقروه، كما جاء من غير بحث عن الكيفيات لأمور الغيب.
ويذكر لنا الشاطبي في كتابه "الاعتصام" طريقة الصحابة إزاء هذه المسائل موضحًا على سبيل التفصيل الاتجاه الصحيح في تلقي الأخبار المنقولة عن صاحب الشرع - ﷺ -:
- ففهموا وصف الصراط بأنه كحد السيف لأن العادة قد تخرق حتى يمكن المشي والاستقرار.
وفى مسألة الميزان فأثبتوا أن كيفيته تليق بالدار الآخرة، لأن الأعمال ليست كالأجسام التي توزن في دارنا، ولم يأت في النقل ما يعين أنه كميزاننا من كل وجه. مسألة عذاب القبر، فإن رد الروح إلى الميت وتعذيبه بغير أن يراه البشر أو يسمعونه أمر ثابت بالحديث.
والعقل يسلم بما نراه، فالميت يعالج سكرات الموت ويخبر بآلام لا مزيد عليها ولا نرى عليه من ذلك أثر، وكذلك أهل الأمراض المؤلمة.
ويلحق بها مسألة سؤال الملكين للميت وإقعاده في قبره، فإنه إنما يشكل إذا حكمنا المعتاد في حياتنا الدنيا، ولكنه من قبيل خرق العوائد التي لا تحيط بمعرفتها العقول. كإنطاق الجوارح شاهدة على صاحبها يوم القيامة، وقراءة الصحف لمن لم يقرأ قط.
رؤية الله ﷿ في الآخرة جائزة، إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا.
كلام الباري تعالى إنما نفاه من نفاه وقوفًا مع الكلام الملازم للصوت
[ ٤٣ ]
والحرف، وهو في حق الله ﷿ محال؛ فكلامه تعالى خارج عن مشابهة المعتاد، لائق بالرب، إذ لا يجزم العقل بأن الكلام إذا كان على غير الوجه المعتاد - محال. فالموقف الصحيح إذن الوقوف مع ظاهر الأخبار مجردًا.
وكذلك باقي الصفات إنما نفاها من نفاها للزوم التركيب عنده في ذات الباري تعالى وهذا قطع من العقل الذي ثبت قصور إدراكه في المخلوقات فكيف بإثبات صفات الله تعالى، فالصواب في حقه أن يثبت من الصفات ما أثبته لنفسه، والإقرار مع ذلك بالوحدانية له على الإطلاق والعموم.
تحكيم العقل على الله تعالى بحيث يقول: يجب عليه بعثة الرسول ويجب عليه الصلاح والأصلح ويجب عليه اللطف.. إلى آخر ما ينطق به أصحاب المذاهب العقلية المنحرفة، ونتج هذا لأن المعتاد إنما حسن في المخلوق من حيث هو عبد مقصور محصور ممنوع، والله تعالى ما يمنعه شيء ولا يعارض أحكامه حكم، فالواجب الوقوف مع قوله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) [الأنعام، الآية: ١٤٩]، وقوله: (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [آل عمران، الآية: ٤٠] . ويقول الإمام الشاطبي في النهاية: (فالحاصل من هذه القضية أنه لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، فإنه من التقدّم بين يدي الله ورسوله - ﷺ - بل يكون ملبيًا من وراء وراء) (١) .