الفصل الأول:
عصر الصحابة ﵃
- أصول الدين في عصر النبي - ﷺ - والصحابة.
- رد الرسول - ﷺ - على وفد نجران.
- القرآن كلام الله تعالى.
- الإيمان بالقدر وفهمه على الوجه الصحيح.
- الملائكة.
[ ٩ ]
عصر الصحابة ﵃
ظلت أغلب دراسات المحدثين في الإسلاميات التي تحوم حول علم الكلام في نشأته وتطوره تعتمد على كتب المتكلمين أنفسهم من المعتزلة والأشاعرة في الغالب، فلا تكاد تعثر على دراسة عن المسلمين الأوائل ومناهجهم الشرعية العقلية في الاستدلال على أصول الدين.
ونلحظ أن أغلب البحوث المعاصرة تعتمد على آراء المستشرقين الذين يهتمون عادة بالفرق المنشقة عن أهل السنة والجماعة، والاهتمام بإيجاد الصلات بين معتقدات الفرق والمصادر الخارجية من عقائد وديانات وفلسفات يونانية وفارسية ونحوها.
وكثيرًا ما تتضخم أبحاثهم بالمسائل الخلافية والعناية بالفرق الغالية، وتصور التاريخ الإسلامي من خلال الخلافات والانشقاقات، فتختفي الحقيقة تحت أكوام من الجدل والخلاف بحيث يصعب على القارئ التمييز بين الحق والباطل.
ومثل هذا المنهج - فضلا عن النتائج المغرضة التي يراد الوصول إليها فإنه يتجاهل حقيقة بارزة لا يمكن إخفاؤها، ألا وهي أن آراء الفرق المنشقة قد حوصرت منذ ظهورها بواسطة علماء الحديث والسنة، ورفضتها الغالبية من أهل السنة والجماعة التي ظلت مستمسكة بالعقيدة الصحيحة المتلقاة بالقبول والفهم منذ عصر النبي - ﷺ - وصحابته.
لهذا، رأينا - مستعينين بالله ﷾ - إجلاء المنهج المتبع بواسطة علماء الحديث والسنة، وكانت أولى خطواتنا البدء بعصر الصحابة لاستقراء الاتجاهات الدالة على ألوان من النظر العقلي قبل أن يظهر أهل الكلام وقبل أن ينشق الصف الإسلامي إلى فرق ومذاهب متطاحنة، لنحاول أن نقف على تفسيرات أصحاب الصدر الأول للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتصلة ما سماه المتكلمون بـ (أصول الدين) والتي لم توضع في الصيغ الكلامية أو الأنساق الفلسفية خلال العصور المبكرة التي نتحدث عنها، ولكن الذي حدث هو أنه كلما تفتقت مسألة، أو حدث انشقاق طارئ مستحدث، قام لها من يتصدى بالتفسير والتوضيح، أو النهي والزجر إذا كان من قبل
[ ١١ ]
البدع المنهي عنها.
ثم ظهر على مر الأعصار المتكلمون في الفرق المختلفة فصاغوا كل هذا الكلام وشرحوه في أبواب وفصول نقلته إلينا مصادرهم، وجاء الباحثون لمحاولة استقصاء هذه المسائل في صيغها التقليدية بعينها، فلم يعثروا لها على أثر، فظنوا أن الصحابة لم يعرفوها، ولم يتطرقوا إليها، بينما الحق أنهم عرفوها وفهموا دقائقها، كما ينبغي أن تفهم وتعرف. ولا شك أن الأدلة تدعم اتجاهنا في اتخاذ عصر الصحابة نقطة البدء في البحث؛ لأن دراسة التاريخ الإسلامي ترشدنا إلى معرفة أسبقية الأوائل في العلم والعمل، في العقيدة والسلوك. وسنتخذ هذا المنهج في البحث لمحاولة شجب النتائج التي توصل إليها أمثال جولد تسيهر وغيره من المستشرقين الذين يطبقون على الإسلام - في العقائد والعبادات - آثار فكرة التطور، فيتصورون أنه بدأ بسيطًا ثم تطور على يد المسلمين فكانت أكبر زلاتهم.
ولما كانوا غير مسلمين معنا بالدليل القطعي الثابت في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة، الآية: ٣] فإن استقراء الأحداث بأناة وصبر وجهد - مع توافر الصدق وحسن الطوية - ليثبت أن الإسلام في حياة الرسول اكتمل في عقائده وعباداته وأخلاقه وأحكامه ونصوصه وقواعده وأن الرسول صلوات الله عليه انتقل إلى الرفيق الأعلى، وترك الإسلام على هذا النحو وأن المسلمين من القرن الأول يرفضون من أي مخلوق، ومن أي جماعة، أن يضعوا في هذا الدين جديدًا إلى يوم الناس هذا، ويعتبرون أي تزيد على هذا الدين بدعة تحارب.
وسنحاول على قدر الاستطاعة، وبقدر ما تسمح به هذه الدراسة، الالتفات إلى عصر الصحابة والتابعين للبحث عن مواقفهم إزاء المسائل التي أثارها المتكلمون في العصور التالية.