ولكن بشرا عاد إلى موقفه الأول مصممًا على أن قوله مؤيد بنص التنزيل، واستخرج من القرآن الكريم آية يدلل بها على رأيه بقول الله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [الزخرف، الآية: ٣] ذاهبًا إلى معنى جعلناه: خلقناه.
وفي مقدمة رد عبد العزيز المكي على بشر المريسي أرجع خطأه إلى أنه رجل من أبناء العجم يتأول كتاب الله تعالى على غير ما أنزل، ويحرفه عن مواضعه ويبدل معانيه ويقول ما تنكره العرب وكلامها ولغاتها، ويكفر بشر الناس ويستبيح دماءهم بتأويل لا بتنزيل.
وأخذ عبد العزيز المكي يستقرئ آيات القرآن التي يثبت فيها أن (جعل)
_________________
(١) الحيدة ص ٣٤.
[ ١٣٢ ]
ليست بمعنى (خلق) مثل قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) [النحل، الآية: ٩١] فإذا كان (جعلتم) هنا بمعنى خلقتم الله عليكم كفيلا، ومن قال هذا فقد أعظم الفرية على الله ﷿ وكفر به.
وقال ﷿: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) [البقرة، الآية: ٢٢٤]، وقال سبحانه: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ) [النحل، الآية: ٥٧] وقوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) [الأعراف، الآية: ١٩٠]، وقال: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) [الأنعام، الآية: ٩١] .
وإزاء هذه الحجة المفحمة لما يترتب على تأويل معنى (جعل) بـ (خلق) من مقالات، اعترف المأمون بصحة ما ذهب إليه عبد العزيز المكي فقال: (ما أقبح هذه المقالة وأعظمها وأشنعها فحسبك يا عبد العزيز فقد صح قولك وأقر بشر بما حكيت عنه وكفر نفسه من حيث لم يدر) (١) .