علم الكلام:
إن علم الكلام عند ابن خلدون (علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة) .
ومع أنه أجاز الدفاع عن العقائد الإيمانية بواسطة الأدلة العقلية، إلا أنه عاد فأوضح أن المسائل الغيبية إنما هي لا تقع في حيز الإمكانيات التي يستطيع العقل وحده الاهتداء إليها لأنها فوق طور العقل. وتحدث أيضًا عن الملكة الإيمانية الراسخة في النفس من أثر أداء العبادات فيقول:
(فقد تبين لك من جميع ما قررناه أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس يحصل عنها علم اضطراري هو التوحيد وهو العقيدة الإيمانية وهو الذي يحصل بها السعادة) .
ثم أخذ يحدد معالم الفكر والنطاق الذي يدور فيه ويصف الحدود الضيقة التي لا يستطيع أن يتجاوزها، وأن الفكر عاجز عن الإحاطة بتفصيل الوجود كله - أي: الوجود المطلق - لأن الوجود (عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها فالأمر نفسه بخلاف ذلك) وأن الأمثال التي يسوقها مؤرخنا تدعم هذا الرأي، فالأصم ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع ويفقد صنف المسموعات ويسقط عند الأعمى صنف المرئيات.
إن هذا يثبت عجز الإدراك الإنساني عن الإحاطة بما في الوجود كله فما بالنا بخالق هذا الكون، ﷾؟
ولكن لا يعني هذا القدح في العقل بل العقل ميزان صحيح لأن أحكامه يقينية ولكن بسبب ما بيناه من عجزه عن الإحاطة بالوجود - لأنه أوسع نطاقًا من المدارك الإنسانية - أي أن العقل لا يستطيع الإنسان أن يزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية (١) .
وربما كان المثال الذي ضربه لنا "ابن خلدون " في هذا الصدد يعد أقوى دليل
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون ص ٣٨٢ - ط دار الفكر ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.
[ ٧٣ ]
فيما يقدمه من رأي دقيق لإثبات عجز العقل عن إدراك ما وراء طوره في المسائل الغيبية، إذ يقول: "وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك. على أن الميزان في أحكامه غير صادق، ولكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه، وتفطن في هذا الغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبين لك الحق من ذلك (١) .
وقد أشار "ابن خلدون " في تعريفه إلى أهم النقاط المثيرة للخلاف بين علماء الكلام في دائرتي المعتزلة والأشاعرة، وبين علماء الحديث والسنة، مما جعلنا نرجح أن وراء هذه الأسطر قراءات متشعبة ومستوعبة لقضايا أصول الدين ووجهات النظر المتباينة حولها.
ويتضح أيضًا أنه أعطى الجانب النقدي اهتمامه أيضًا.
لذلك لا ينبغي أن ننسى جبهة عريضة وقفت تعارض علم الكلام في دائرة السلف من علماء الحديث على مر الأعصار وتعده من قبيل البدع الطارئة على الفكر الإسلامي وأنه أدى إلى الاضطرابات والفتن، وفتت جهود المسلمين وأجهد عقولهم في مجال كفاه القرآن والسنة. وحتى أمام وجهة النظر المدافعة عن المتكلمين بأنهم دافعوا عن الإسلام فإن الرأي المعارض - الذي يمثله ابن تيمية والجامع للاتجاه السلفي قبله - على العكس - يرى أنهم أخفقوا في هذه المهمة لأنهم لم يستندوا في أصولهم على المبادئ الاستدلالية القرآنية (فالكلام الذي ابتدعوه وزعموا أنهم به نصروا الإسلام وردوا به على أعدائه كالفلاسفة، لا الإسلام ولا لعدوه كسروا، بل كان بما ابتدعوه ما أفسدوا به حقيقة الإسلام على من اتبعهم) (٢) .
_________________
(١) المقدمة ص ٣٨٤.
(٢) ابن تيمية: شرح حديث النزول ص ١٦٣.
[ ٧٤ ]
ومضى يذكر أسباب ذلك ودوافعه مما لا يدخل في نطاق موضوعنا الآن، وسنفصله عند الحديث عن آرائه الكلامية.
ونقتصر هنا على بيانه لخطأ المتكلمين المنهجي - وهو يعبر لنا عن الاتجاه السلفي العام، إذ يستند إلى ضرورة طلب علم ما أنزل الله على رسوله - ﷺ - من الكتاب والحكمة كما فعل الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم لا سيما في أصول التوحيد والإيمان - ثم بعد معرفة ما بينه الرسول ينظر في أقوال المفكرين وما أرادوه بها فتعرض على الكتاب والسنة، مع العلم بأن العقل الصريح دائمًا موافق للرسول - ﷺ - لا يخالفه قط، فإن الميزان مع الكتاب (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) [الشورى، الآية: ١٧]، ولكن قد تقصر عقول الناس عن معرفة تفصيل ما جاء به، فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا فيه، لا بما يعلمون بعقولهم بطلانه، فالرُّسُل صلوات الله وسلامه عليهم تخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول. وإذا كان هذا المنهج الصحيح فإن المناهج المخالفة على العكس من ذلك، فإنها ناجمة عن ابتداع بدعة برأي البعض وتأويلاتهم، ثم جعل ما جاء به الرسول تبعًا لها، فيحرفون ألفاظه ويؤولونها على وفق ما أصلوه (١) .