قبل إثارة محنة خلق القرآن قد لا نعثر في المصادر التاريخية على روايات تشرح موقف الصحابة بنفس الطريقة التي تقابلنا بكتب الفرق أثناء مناقشة بعضها البعض، كالمعتزلة والأشاعرة، أو المعتزلة والسلف، ولكن مع هذا، نستطيع لمح آراء متناثرة تفيدنا في التوصل إلى معرفة موقف الصحابة بما ورد على ألسنة أئمتهم كعلي وابن مسعود وابن عباس - ﵃ -، وأقوالهم حجة.
ومن المعروف تاريخيًا أن أول من قال بأن القرآن مخلوق الجعد بن درهم من سني نيف وعشرين ومائة بعد الهجرة ثم الجهم بن صفوان.
ولكن الثابت عن هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قالوا: إن القرآن كلام الله، صحيح لم يرد لفظ غير مخلوق، لأن المشكلة ظهرت بعدهم واستخدم المتكلمون هذه الألفاظ ولكن استقراء النصوص الواردة عنهم تفيد ذلك، فقد اعترض الخوارج - كما هو معروف - عليًا بن أبي طالب لأنه حكم الحكمين وقالوا له: (حكمت رجلين قال: ما حكمت مخلوقًا إنما حكمت القرآن) وفي إجابته أنه ما حكم إلا القرآن نفي لهذا الخلق عنه.
وأيضا قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: (من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع) (٢) .
_________________
(١) الواحدي: أسباب النزول ص ٦١/٦٢ ط مؤسسة الحلبي ١٣٨٨ هـ- ١٩٦٨ م.
(٢) ابن تيمية الفتاوى الكبرى، تحقيق حسين محمد مخلوف ج ٥ ص ٥٦.
[ ١٥ ]
وأما قول ابن عباس ﵄، قد كان مرة في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: القرآن منه وفي رواية أخرى (القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود) .