قال جماعة من المفسرين: كان لعمر أرض بأعلى المدينة فكان يأتيها، وكان طريقه على موضع مدارسة اليهود، وكان كلما مر دخل عليهم فسمع منهم وأنه دخل عليهم ذات يوم فقالوا: يا عمر ما من أصحاب محمد - ﷺ - أحد أحب إلينا منك، إنهم يمرون بنا فيؤذوننا وتمر بنا فلا تؤذينا، وإنا لنطمع فيك، فقال لهم عمر: أي يمين فيكم أعظم؟ قالوا: الرحمن قال: فبالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتجدون محمدًا عندكم نبيًا؟ فسكتوا فقال: تكلموا ما شأنكم والله ما سألتكم وأنا شاكٌّ في شيء من ديني، فنظر بعضهم لبعض، فقام رجل منهم فقال: أخبروا الرجل أو لأخبرنه، قالوا: نعم إنا نجده مكتوبًا عندنا، ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه
_________________
(١) نفس المصدر ص ٢٦.
[ ١٧ ]
بالوحي هو جبريل، وجبريل عدونا وهو صاحب كل عذاب وقتل وخسف، ولو أنه كان وليه ميكائيل لآمنا به. فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث قال لهم: فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أين ميكائيل وأين جبريل من الله؟ قالوا جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، قال عمر: فأشهد أن الذي هو عدو للذي عن يمينه هو عدو للذي عن يساره والذي هو عدو للذي عن يساره هو عدو للذي عن يمينه وأن من كان عدوًا لهما فإنه عدو لله.
ثم رجع عمر ليخبر النبي - ﷺ - فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فدعاه النبي - ﷺ - فقرأ عليه: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة، الآيتان: ٩٧، ٩٨] فقال عمر: والذي بعثك بالحق لقد جئت وما أريد إلا أن أخبرك (١) .
_________________
(١) الحافظ ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) جامع بيان العلم وفضله ج ٢ ص ١٢٣، ١٢٤.
[ ١٨ ]