يرى ابن تيمية أن شيوخ الأشاعرة أقرب إلى الإمام أحمد تحقيقًا وانتسابًا. أما تحقيقًا، فإن الأشاعرة أقرب إلى مذهب السلف وأهل الحديث في مسألتي القرآن والصفات.
كذلك فإن انتساب الأشعري وأصحابه إلى أحمد بن حنبل والمحدثين عمومًا ظاهرة واضحة في كتبهم (٢) ويقول: (ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة وكان منتحلًا للإمام أحمد ذاكرًا أنه مقتد به متبع سبيله. وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف) (٣) .
_________________
(١) ابن الوزير اليماني: الروض الباسم. ج ٢ ص ١٦٨ وقد أورد نصوصًا كثيرة أخرى تثبت رجوع أئمة الكلام إلى طريقة السلف، فنقل عن القرطبي في شرح مسلم أيضًا أن الجويني كان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به. وأوصى الكرابيسي قبل موته أتباعه بقوله: (عليكم بما عليه أهل الحديث، إني رأيت الحق معهم) وأورد قول أبي الوفاء بن عقيل لأصحابه: (لقد بالغت في الأصول طول عمري ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب يعني الذين يكتبون الحديث ويشتغلون به) وأيضا قول الشهرستاني: (عليكم بدين العجائز فإنه أسنى الجوائز) والمصدر السابق ص ٩٦٨ - ١٦٩. وانظر أيضًا نص الوصية التي أوردها الدكتور علي محمد حسن العماري في كتابه (الإمام فخر الدين الرازي حياته وآثاره ص ٧٥ ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة ١٣٨٨ هـ ١٩٦٩ م) .
(٢) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٦٨.
(٣) ابن تيمية - نقض المنطق ١٣٧.
[ ٢٠٠ ]
أما عن موقفه من الإمام أبي الحسن، فإن القارئ لكتبه يلمس أحيانًا رقة في نقده، وذلك بسبب أقوال الأشعري المؤيدة لمذاهب أهل الحديث والسنة في عدة مواضيع كالصفات والقدر والإمامة، وردوده على المعتزلة والشيعة والجهمية. ولذا يرى أنه ينبغي أن يعرف لهذا الإمام حقه وقدره عملًا بقول الله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) كذلك فإن قيامه بنصرة مذهب أهل السنة في وجه أهل البدع وقهره للمخالفين يضعه في مرتبة المجاهدين (١) .
ومع أن شيخنا لا يعد أتباع المدرسة الأشعرية سلفيين خلَّصًا لأن المذهب السلفي بالمعنى الدقيق يلفظ استخدام الكلام المبتدع سواء على منهج المعتزلة أم بدفاع شيوخ الأشاعرة، إلا أنه يقر بوجود تقارب بين المذهبين كما قلنا، ويراه يكاد يلتحم عند المحدثين منهم خاصة: كابن عساكر (٥٧١ هـ)، والبيهقي (٤٥٨ هـ)، والنووي (٦٧٦ هـ) حيث غلب عندهم جانب الحديث عن الاتجاه الكلامي. ومن جهة أخرى، ينتسب إلى الحنابلة أيضًا من المتأخرين من يذهب إلى شيء من التأويل، كابن عقيل (٥١٣ هـ) وابن الجوزي (٥٩٧ هـ) (٢) كذلك فقد شذت منهم قلة - شأنهم في ذلك شأن أتباع المذاهب والفرق جميعًا - حيث اتفقت مع ابن حنبل في الفروع وخالفته في بعض الأصول قائلين بالجهة والجسمية ولكن (أحمد برئ منهم وأهل السنة والجماعة من الحنابلة لا يعدونهم منهم) (٣) .
وفي نقده للمحدثين، يرى أن ما يعيب بعض علماء الحديث يرجع إلى الحشو الناجم عن الاحتجاج بأحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو ما لا يصح الاحتجاج به. أما القاعدة السليمة التي ينبغي على المحدثين التقيد بها حتى يسلم منهجهم من الأخطاء والحشو، فهي تتلخص في ضرورة توافر عاملين:
أحدهما: التثبت من صحة الحديث، والثاني: فهم معناه (٤) .
_________________
(١) نفس المصدر ١١.
(٢) صفي الدين الحنفي: القول الجلي في ترجمة شيخ الإسلام. ص ٢٥٣.
(٣) ن. م ١٢٧.
(٤) ابن تيمية: نقض المنطق ص ٢٢.
[ ٢٠١ ]
وهكذا استطاع ابن تيمية باستخدامه لمنهج (المعادلة والموازنة) أن يحدد مدى الاقتراب والابتعاد عن طريقة السلف، محاولًا البرهنة على أن المحدثين الذين تنسحب الشروط السالف الإشارة إليها عليهم - هم الممثلون الحقيقيون لشيوخ السلف لأنهم (اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص، لا على خيال فلسفي، ولا رأي قياسي ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات) (١) .
أما سبب ذيوع المذهب الأشعري في رأي شيخ الإسلام فيرجع إلى العوامل
الآتية:
أولًا: كثرة الحق الذي يقولونه وظهور الآثار النبوية عندهم.
ثانيًا: لبسهم ذلك لمقاييس عقلية ظنوا أنها صحيحة بينما هي في الواقع موروثة عن تيار خارجي من الفلسفة وغيرها، وظنوا أيضًا أنه لم يمكن التمسك بالآثار النبوية في مواجهة المعتزلة بهذا الوجه.
ثالثًا: ضعف الآثار النبوية في عصورهم الموضحة لسبيل الهدى.
رابعا: تقصير المنتسبين للسنة. ويحملهم ابن تيمية مسؤولية ما حدث ناقدًا لبعضهم بقوله: (إنهم تارة يروون ما لا يعلمون صحته وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور) (٢) .