اختار ابن تيمية من النصوص ما يبرهن به على إثبات الأسباب، مثل قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة، الآية: ١٦٤] وقال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف، الآية: ٥٧] .
وقال ﷿: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) [ق، الآية: ٩] .
وهناك آيات كثيرة أخرى في كتاب الله تعالى حيث يذكر سبحانه أنه فعل هذا بها، كما ذكر أنه أنزل الماء بالسحاب، وأنه أحيا الأرض بالماء.
أما ما ورد في السنة، فكثير أيضًا، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته. ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده. فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة".
وأمر - ﷺ - عند الكسوف بالصلاة والذكر، والدعاء، والصدقة، والعتاقة، والاستغفار، وكذلك عند سائر الآيات التي يخوف الله بها عباده.
وقوله - ﷺ -: "لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته" رد لما كان قد توهمه بعض
_________________
(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٢٧٠.
[ ١٩١ ]
الناس من أن كسوف الشمس كان لأجل موت إبراهيم ابن النبي - ﷺ - وكان قد مات وكسفت الشمس، فتوهم بعض الجهال من المسلمين أن الكسوف كان لأجل هذا، فبين لهم النبي - ﷺ - أن الكسوف لا يكون سببه موت أحد من أهل الأرض، نفى بذلك أن يكون الكسوف معلولًا عن ذلك وبين أن ذلك من آيات الله التي يخوف بها عباده (١) .
وما يثبت أيضًا أن التخويف إنما يكون سببًا للشر وعلة له، ما قاله تعالى في سورة الإسراء: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) [الإسراء، الآية: ٥٩] وقياسًا على ذلك فلو كان الكسوف وجوده كعدمه بالنسبة إلى الحوادث، لم يكن سببًا لشر، وهو خلاف نص الرسول - ﷺ -.
ويدعم ذلك ما ورد في سنن - الترمذي والنسائي وأحمد - أن النبي - ﷺ - نظر إلى القمر وقال لعائشة: "يا عائشة، تعوذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب". وتفسير الحديث أيضًا يدل على أن الاستعاذة إنما تكون مما يحدث عنه شر.
أضف إلى ذلك أنه - ﷺ - أمر عند انعقاد أسباب الشر بما يدفع موجبها بمشيئة الله تعالى وقدرته من الصلاة والدعاء، والذكر، والاستغفار، والتوبة، والإحسان بالصدقة والعتاقة فإن هذه الأعمال الصالحة تعارض الشر الذي انعقد سببه، كما في الحديث "إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان" ومثل ذلك مثلما جاء عدو فإنه يدفع بالدعاء، وفعل الخير، وبالجهاد له، ومثلما يفعله المرء إذا هجم البرد، يدفعه باتخاذ الدفء فكذلك الأعمال الصالحة والدعاء.
وإذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، فإن ابن تيمية لا يكتفي بهذه الأدلة فيضيف إليها اتفاق أهل الملل وأساطين الفلاسفة، مؤيدًا ذلك لهما ذكر عن بطليموس أنه قال (واعلم أن ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات) (٢) .
_________________
(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٢٧٠- ٢٧١.
(٢) الرد على المنطقيين ص ٢٧٢ ويرى أن ذلك مخالف للحس والعقل والخلق عندهم الموجود في زماننا إنما هو جمع وتفريق لا ابتداع عين وجوهر قائم بنفسه، ولا خلق لشيء قائم لا إنسان ولا غيره وإنما يخلق أعراضًا.
[ ١٩٢ ]
من هذا يتضح خطأ تفسير الخلق - أو النشأة الأولى - بنظرية الجواهر الفردة كما فعل المتكلمون من المعتزلة والأشاعرة، فالثابت أن كل ما سوى الله تعالى محدث وأنه سبحانه خلق الأسباب والمسببات، وبذلك ينتظم الكون وفق نواميس ثابتة منتظمة.
أما الإعادة والبعث فإن النظرية أيضًا تقصر عن تفسيره والبرهنة عليه، فأدى إلى تقوية شبهات الفلاسفة المنكرين لمعاد الأبدان، ونتج عنها صعوبات لن تجد حلًا إلا بالأدلة الشرعية والعقلية، سنعرض لها كما يلي: