تبين لنا مما تقدم أن المسلمين الأوائل من الصحابة والتابعين عارضوا الانشقاقات التي أحدثها البعض، وأظهروا معارضتهم لهذه البدع الطارئة وهي في جوهرها كانت نوعًا من أنواع الغزو الثقافي الزاحف من حضارات وديانات أخرى كان المجتمع الإسلامي عند نشأته في المدينة المنورة محصنًا إزاءها، إذ كان الوحي يتنزل على الرسول - ﷺ - وكان الصحابة يتلقون منه كل ما يحتاجونه في حياتهم الفردية والاجتماعية ويستفسرون عما يعنُّ لهم في العقيدة والعبادات والمعاملات. كما سألوا عن المسائل الغيبية وعرفوا الإجابات عنها من النبي - ﷺ - كصفات الله - ﷾ - والحياة الآخرة والجنة والنار والعذاب والحساب والعقاب والملائكة والجان وغير ذلك من أمور الغيب. والبدعة اصطلاحًا هي: (التعدي في الأحكام والتهاون
_________________
(١) السيوطي: صون المنطق ج ١ ص ٤٢. ويربط أستاذنا الدكتور محمد علي أبو ريان - رحمه الله تعالى - بين الغزوين: الحديث والقديم فيقول: (ومن أمثلة هذا الغزو الفكري انقضاض التيارات المادية والوجودية والبراجماتية على الفكر الإسلامي.. وكذلك ما تلقاه المسلمون من فلسفة إسلامية زيفاء لا يزالون يولونها عنايتهم إلى عصرنا هذا) ص ٦ من كتابه (أسلمه المعرفة، العلوم الإنسانية ومناهجها من وجهة نظر إسلامية) دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية ١٩٩٧ م وينظر بحثه بنفس المصدر تحت عنوان: (جناية الفكر الفلسفي الملفق على الفلسفة الإسلامية) ص ٨٠ - ٨٤.
(٢) السيوطي: صون المنطق ج ١ ص ٥٦
[ ٦٦ ]
بالسنن واتباع الآراء والأهواء وترك الاقتداء والاتباع) (١) .
وفي ضوء هذا التعريف، يصح بحث أسباب ذم السلف للكلام ورفضهم لما أدخله المتكلمون على البيئة الثقافية الإسلامية من تساؤلات وما بحثوه من قضايا وما استخدموه من مصطلحات طارئة.
ويمكن أن نستخلص هذه الأسباب في ضوء معرفة حقيقة الصراع الذي بدأ في ميدان العقيدة بين الإسلام والتيارات التي أخذت تهب من الخارج والتي استهدفت زعزعة العقيدة في النفوس باعتبارها الحصن المكين الذي يتمكن به الصحابة والتابعون وتابعوهم من خوض المعارك الكبرى والمنتصرة في تاريخ الإسلام.