يتضح لقارئ القرآن الكريم، والمطلع على السنة النبوية، عنايتهما الفائقة بإثبات الأسماء والصفات الإلهية.
فما مغزى ذلك وما جدواه؟
[ ٩٤ ]
قلنا من قبل، إن الإنسان مفطور على معرفة ربه ﷿ والإقرار بوجوده، ونستطيع القول هنا أيضًا (على سبيل اليقين، لا على سبيل الظن، بأن صحائف الفكر البشري لم تشهد إنسانًا بغير عقيدة في إله) .
ولكن يأتي الاختلاف بين البشر في التصور نفسه لا في الاختلاف في أساس الاعتقاد بوجود الله (١) .
خذ مثلًا فلسفة أرسطو التي تصف المبدأ الأول بواجب الوجود، ولكنها ذاتًا مجردًا من كل وصف، ولا دخل له في أي شأن من شؤون الكون، فسدت بذلك باب الدعاء والالتجاء بل قطعت كل خيط من الأمل والرجاء لدى بني آدم، إذ لا جدوى من محاولة إيجاد أية علاقة بينهم وبين (المبدأ الأول) كما تصوره هذه الفلسفة.
وعلى العكس خلقت عقيدة العرب الجاهلية كل صفة من صفات الإله على أشخاص من خلقه، كالقدرة على الإحياء، والرزق، والعلم.. الخ.. فقطعت بذلك أيضًا الرجاء في سؤال الإله الواحد والالتجاء إليه ثم جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. مذكرة الإنسان بصفات الله أي بعلمه وقدرته وسائر صفاته، وأسمائه الحسنى.
فهو سبحانه الحي القيوم، يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف عنه السوء وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه ﷿ معه بعلمه أينما كان حيث يطمئن قلبه، ويجعله شديد الثقة بالعون الإلهي، إذ يؤمن أن لا ملجأ منه إلا إليه، فيصبر عند البلاء ويشكر عند الرخاء: يستنصره فينصره ويسأله فيعطيه، يستسقيه فيسقيه، ويتقرب إليه فيقربه.
وهكذا تأتي الأسماء والصفات الإلهية منبهة بني آدم إلى حاجتهم الدائمة إلى خالقهم ورازقهم لكي لا يتوهموا الاستقلال والغنى بذواتهم عن مولاهم، وتفتح أمامهم باب الأمل في حياة أفضل دائمًا سواء في الدنيا أو الآخرة.
فمعرفة العبد لربه ذاتًا وصفاتًا تجعله يدرك أن الله يراقبه في حركاته وسكناته في سره وعلنه، فيخشاه ويتقيه ويلجأ إليه عابدًا داعيًا متضرعًا.
_________________
(١) د. زكي نجيب محمود: الله وحياة الإنسان في فكره وسلوكه ص ١٨، ١٩ مجلة الهلال جمادى الأولى سنة ١٣٩٩ هـ إبريل ١٩٧٩ م.
[ ٩٥ ]
وبوسعك الإلمام بطرف من عقائد أهل الملل والنحل الأخرى كاليهودية والنصرانية والمجوسية، فلا تعثر في تصوراتها الإلهية، بمثل تصور المسلم لربه ﷿ مما أدى إلى الافتقار إلى الألوهية، بالنسبة إلى الإنسان الغربي، وإحلال العلم والإنسان مؤلهين، محلها على الأرض، وليتدبر بعد ذلك ما أوقعته كوارث القرن العشرين المتلاحقة بتلك الألوهية الجديدة للعلم والإنسان من دمار.
والأسوأ من ذلك انتقال العدوى إلينا معشر المسلمين بعد ضعف عقيدة التوحيد وهي الحصن الذي نلوذ به لرفع هذه البلوى، بعد أن تسرب إلينا انحراف الغرب فأصبح خضوعنا لحواسنا يكاد يكون تامًّا مثلهم، وكادت الغالبية منا تفقد القدرة على تخطي الظواهر ببصائرها وعقولها إلى الله ﷿ خالق الكون ومدبره (١) .
وعلى المستوى الحضاري، قامت الحضارة الإسلامية على عقيدة التوحيد، فظلت متماسكة عندما وازن المسلمون بين أطرافها، أي بين الإيمان بالله غيبًا ذاتًا وصفاتًا - وبين إعداد العدة بالأساليب العسكرية المعروفة آنذاك، فاجتاح المسلمون الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية بفضل إيمانهم بالله تعالى على هذه الصورة، إذ أيقنوا أنه ناصرهم، فلم ترهبهم قوى الأعداء الظاهرة الملموسة ولم يخفهم الفارق المشاهد في القوى والعتاد والعدد، لأنهم أيقنوا أن الله من وراء الغيب يؤيدهم ويشد أزرهم.
(٢) العدل:
والمقصود بالأصل الثاني وهو العدل، إرجاع كل عمل إلى الإنسان لتفسير ظهور الشر ونسبته إلى الإنسان فقط. وإذا كان المسلمون كافة يؤمنون بعدل الله ﷾، فإن المعتزلة فرعوا الكلام عن هذا الأصل، فأدى بهم إلى إيجاب الصلاح والأصلح على الله تعالى، وانبثقت فكرتهم عن الحسن والقُبْح العقليين وأنهما ذاتيان عقليان كما تفرعت أيضًا مسألة خلق أفعال العباد قالوا (يمتنع عليه إرادة الشر والمعاصي والقبائح) وقالوا: (يريد ما لا يقع، ويقع ما لا يريد) فزعموا أنه تعالى أراد
_________________
(١) الندوي: دعاء النبي - ﷺ - معجزة من معجزات السمو ودليل من دلائل النبوة مجلة البعث الإسلامي للكهنوت [[كذا في المطبوع، والصواب: "لكهنو" وهي بلدة معروفة في الهند]] . (الهند) ص ١٦، ١٧ جمادى الأولى ١٣٩٦ هـ - مايو ١٩٧٦ م.
[ ٩٦ ]