اتضح لنا - مما تقدم - أن النبي - ﷺ - نهى عن النظر في تشابه القرآن، وقد أخرج الشيخان عن عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧]، قال "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".
وقد نفذ أصحاب الصدر الأول هذا النهي وأطاعوا أمر الرسول - ﷺ - واجتنبوا تحذيراته، فلم يظهر من يجادل ويبحث في الآيات المتشابهة، وعلة ذلك - كما يذكر ابن عباس ﵄ - منع وقوع الشك في القلوب (١) .
أما عن أول من خالف هذه السنة وسأل عن المتشابه فهو رجل يقال له: "عبد الله صبيغ" جعل يسأل عن متشابه القرآن عندما قدم المدينة، فاستدعاه "عمر بن الخطاب" - ﵁ -، وسأله عن اسمه، فلما أخبره، أخذ عرجونًا من عراجين النخل فضربه حتى أدمى رأسه. ويبدو أن الرجل كان مصمما على موقفه؛ لأنه وعد بترك السؤال، ثم عاد إليه فطلبه عمر فقال: (إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلًا جميلًا، فأذن له إلى أرضه. وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين) (٢) .
كذلك بالنسبة للناظر في القدر، روى "مسلم" أن رسول الله - ﷺ - خرج على الصحابة وهم يتناظرون في القدر، ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: "أبهذا أمرتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا. ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضًا، لا ليكذب بعضه بعضًا، انظروا ما أمرتم به فافعلوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه".
وبسبب عصيان هذا الأمر النبوي ظهرت القدرية - وهم نفاة القدر في أواخر
_________________
(١) صون المنطق للسيوطي ج ١ ص ٧٦ البحوث الإسلامية.
(٢) نفس المصدر ص ٥٠.
[ ٥٥ ]
زمن الصحابة، وقد روي أن أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له (سيسويه) من أبناء المجوس وتلقاه عنه "معبد الجهني" (١) .
فلما أعلن هؤلاء التكذيب بالقدر رد عليهم من بقي من الصحابة "كعبد الله ابن عمر" و"عبد الله بن عباس" و"واثلة بن الأسقع" وكان أكثرهم في أطراف البلاد لا في وسطها، فكان أكثر القدرية بالبصرة والشام (٢)، وقليل منهم بالحجاز، أي أن التيارات الخارجية وجدت بغيتها في العناصر الداخلة في الإسلام حديثًا، والتي لم تستمد عقيدتها من الجهابذة العالمين بدينهم كالصحابة والتابعين.
وبدأ نفي صفات الله ﷿ بواسطة "الجعد بن درهم" وهو أول المتكلمين في الصفات وأعلن نفيها، ثم تتلمذ على يديه "جهم بن صفوان ".
ولكن أصابع المؤرخين ومؤلفي كتب الفرق تشير إلى سلسلة حلقات النافين للصفات إذ تبدأ في حلقتها الأولى "بلبيد الساحر" المعاصر للرسول - ﷺ - الذي قال بخلق القرآن ناقلًا بدوره هذا القول من يهودي باليمن.
والتقت حول "جهم بن صفوان" (١٢٨ هـ) عدة فرق كلها تنتمي إلى رأي من آرائه: كإنكار صفات الله تعالى، والقول بالجبر، وإنكار رؤية أهل الجنة لله تعالى، والقول بأن الجنة والنار لم يخلقهما الله بعد وأنهما تفنيان بعد خلقهما، وإنكار الميزان، والشفاعة، والكرام الكاتبين، وعذاب القبر، ومنكر ونكير، إلى غير ذلك فيما وردت به النصوص الثابتة.
_________________
(١) معبد الجهني - وصفه الذهبي بأنه تابعي صدوق في نفسه، لكنه سنَّ سنة سيئة فكان أول من تكلم في القدر ونهى الحسن البصري (١١٠ هـ) عن مجالسته وقال: هو ضال مضل. قتله الحجاج صبرًا لخروجه مع ابن الأشعث. الذهبي: (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) ط الخانجي ١٣٢٥ هـ ج ٣ ص ١٨٣.
(٢) فأما الأعصار الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين ألبتة كما خرج من سائر الأمصار فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد والشام كان بها النصب (أي عداوة علي بن أبي طالب - ﵁ -) والقدر. وأما التجهم فإنما ظهر من ناحية خراسان، وهو شر البدع ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية وحدثت المرجئة قريبا من هذا وأما الجهمية فإنما حدثوا في أواخر عصر التابعين، بعد موت عمر بن عبد العزيز ص ٢٢ من كتاب (صحة أصول مذهب أهل المدينة) - تصحيح زكريا علي يوسف - مطبعة الإمام بصر.
[ ٥٦ ]
يقول "الملطي" بعد سرد عقائد فرق الجهمية: (وهذا جماع كلام الجهمية وإنما سموا جهمية لأن "الجهم بن صفوان" كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية (١)، وكانوا شككوا في دينه حتى ترك الصلاة أربعين يومًا، وقال لا أصلي لمن لا أعرفه ثم اشتق هذا الكلام، وبنى عليه من بعده) (٢) . ولقد لخص وكيع بن الجراح الاعتقادات التي ذمها السلف بقوله: (القدرية يقولون الأمر مستقبل وأن الله لم يقدر الكتابة والأعمال، والمرجئة يقولون: القول يجزئ من العمل، والجهمية أتباع "جهم بن صفوان" يقولون: المعرفة تجزئ من القول والعمل) (٣) . وقد مرت القدرية بمرحلتين: في المرحلة الأولى أنكروا القدر بالمعنى الوارد بالحديث في الصحيحين عن "عبد الله بن مسعود" أن الله يبعث ملكًا بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح فيه فيكتب أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد. ولكن عندما اشتهر الكلام في القدر في مرحلة تالية وشارك فيه كثير من النظار أصبح أغلب القدرية يقرون بتقديم العلم الإلهي، وينكرون عموم المشيئة والخلق (٤) .
ويتضح لنا من العرض التاريخي أن بذور الانشقاقات بدأت متناثرة وبواسطة أفراد معدودين، جوبهوا بردود مفحمة ومواقف حاسمة لبتر آثارهم حتى لا تستشري وتنتقل عدواها إلى غيرهم. ثم بدأ الاعتزال بواسطة واصل بن عطاء ١٣١ هـ وعمرو بن عبيد ١٤٨هـ، وتضخم بعدهما المذهب، إذ جمع ما تناثر من الأقوال الآنفة في شكل نسق شبه فلسفي متضمنا الأصول الخمسة عند المعتزلة.
_________________
(١) السمنية: بعض الهند وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات.
(٢) الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص ٩٩. الجعد بن درهم: يصفه الذهبي بأنه مبتدع ضال، زعم أن الله تعالى لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى - ميزان الاعتدال ج ١ ص ١٩٧ ط الخانجي سنة ١٣٢٥ هـ - وقال أبو حنيفة عن جهم: (أفرط جهم في نفس التشبيه حتى قال: إنه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في معنى الإثبات حتى جعله مثل خلقه) ميزان الاعتدال ج ٣ ص ١٩٦.
(٣) ابن تيمية: كتاب الإيمان مكتبة أنصار السُّنَّة المحمدية بالقاهرة ص ٢٢.
(٤) نفسه.
[ ٥٧ ]
قال "السفاريني": وكان أول من صنف في علم الكلام والجدال والخصام مع أهل السنة والجماعة "واصل بن عطاء" وهو رئيس المعتزلة (١) .
والذي نود إبرازه في هذه العجالة عن مراحل ظهور الكلام في الدين أن المشكلات ظهرت بسبب عوامل سلبية - إن صح التعبير - أي: انحسارًا عن موجة المد الإسلامية الأولى في أصول الدين وفروعه ونظمه وأخلاقياته، ورجوعًا عن النموذج المثالي الذي حققه المسلمون في عصر النبي - ﷺ - وصحابته والتابعين بعده.
كما يتضح أنها لم تبدأ من أصل إسلامي صحيح، بل بدأت بمخالفة الأصول المدعمة بالأدلة، والأمثلة على ذلك كثيرة منها أن الآية القرآنية الآنفة تتناول تقسيم الكتاب إلى آيات محكمات وأخر متشابهات تحمل في طياتها الأمر بعدم اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة فجاء البعض ليضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض.
وكان النبي - ﷺ - قد أمر بعدم الكلام في القدر فخالفه المخالفون، وأمر بألا يسب أحد أصحابه، فجاء الشيعة بعده فسبوا أبا بكر وعمر ﵄.
وإذن فهي لا تدل على النضج العقلي أو التفكير الحر كما يصور ذلك بعض دراسات المستشرقين؛ فإن هذا من قبيل الخطأ الشائع الذي يردده كثير من الباحثين والعكس - تماما - صحيح، ولنبحث في عقيدة أقرب الفرق إلى خطأ التفسير اللغوي - وهم المرجئة - فقد نجم خطؤهم من الجهل باصطلاحات اللغة العربية، فزعموا أن الإيمان - لغة - هو التصديق، والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان، أو بالقلب فقط، والأعمال عندهم حسب هذا الفهم المنحرف ليست من الإيمان.
ويتضح خطؤهم إذا بحثنا في قضية الإيمان، فإن الأفعال تسمى أيضًا تصديقًا، وهذا معنى الإيمان المتواتر عن النبي - ﷺ -. مثال ذلك ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: "العينان تزنيان وزناهما النظر والأذن تزني وزناها السمع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ذلك ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف قال الجوهري: الصدّيق الدائم التصديق الذي يصدق قوله بالعمل.
_________________
(١) شرح عقيدة السفاريني ص ١٠ ط المنار ١٣٢٣ هـ.
[ ٥٨ ]
أضف إلى ذلك ما يلي:
من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان والإيمان من العمل، وهذا معروف أيضًا عن غير واحد من السلف والخلف أنهم يجعلون العمل مصدقًا للقول ورووا ذلك عن النبي - ﷺ -.. فقد سأل "أبو ذر" النبي - ﷺ - عن الإيمان قال: "الإيمان الإقرار والتصديق بالعمل" ثم تلا (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إلى قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة، الآية: ١٧٧] .
وروي عن "علي بن أبي طالب" أنه قال: (إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب: فكلما ازداد العبد إيمانًا ازداد القلب بياضًا، حتى إذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب؛ فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادًا حتى إذا استكمل النفاق اسود القلب، وايم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبْيَضَ، ولو شققتم عن قلب المنافق والكافر لوجدتموه أسود) . وقال "ابن مسعود": (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) .
وعرف "الحسن البصري" الإيمان بقوله: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال) (١) .
لم يكن الكلام في الدين إذن تطورًا من البسيط إلى المركب، أو من الأدنى إلى الأعلى، بل كان نكوصًا من الكمال إلى النقصان، وعصيانًا للأوامر، وانشقاقا عن الجماعة. وهذا ينقلنا إلى بحث عوامل نشأة المشكلات الكلامية.