إذا كانت دائرة الحديث قد أكملت في المرحلة الثالثة على أيدي أصحاب الصحاح المعروفين فإن سندهم في الحقيقة يتصل - جيلًا بعد جيل - منذ الصحابة، وهم الطرف الأعلى في نقل الحديث، فإذا عرفنا مكانة الصحابة وعلو قدرهم في الدين، عرفنا مضمون ما نقله علماء الحديث، ودورهم ومكانتهم مما جعل الإمام الشافعي ﵀ يقول: "أهل الحديث في كل زمان كالصحابة في زمانهم) (٢) .
فالصحابة قد ورثوا عن الرسول - ﷺ - العلم والإيمان. فهم أهل حقائق الإيمان، وأهل الفهم لكتاب الله تعالى والعلم والفهم لحديث الرسول - ﷺ - (٣) .
ولكن بامتداد العصور والأزمنة واختلاط المسلمين بغيرهم من الأمم والنزاع الحادث بين المتكلمين وغيرهم على أثر ظهور الفرق تأسست مناهج جديدة في سماعه أو كتابته أو روايته بل شمل كل من كان حافظًا له عارفًا به ظاهرًا وباطنًا مع اتباعه وكذلك أهل القرآن (٢) .
وكشأن أي طائفة من الناس ظهرت قلة قليلة ضمن المنتسبين إلى أهل الحديث، غالوا في إثبات صفات الله تعالى وأخذوا يروون أحاديث موضوعة في
_________________
(١) قواعد التحديث ص ٤٨.
(٢) القاسمي: قواعد التحديث ص ٤٩.
(٣) المصدر: نقض المنطق ص ٥٥، ٨١، ٧٧.
(٤) القاسمي: قواعد التحديث ص ٤٩.
[ ٨٩ ]
الصفات، وقد تبرأ منهم أهل الحديث وأعلنوا أنهم أبرياء منهم (١) .
وبسبب الخصومات الناجمة عن اختلاف المناهج وتحزب كل فريق لآراء أتباعه، أطلق خصوم أهل الحديث عليهم أسماء أخرى تخالف الحقيقة وتدل على شدة الخصومة المبنية على الهوى.
قال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي: (علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر أي الحديث، وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة، وعلامة القدرية أن يسموا أهل السنة مجبرة، وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية) (٢) .
_________________
(١) نقض المنطق ص ١١٩.
(٢) القاسمي - قواعد التحديث ص ٥٨.
[ ٩٠ ]