أولًا: لقد أغنى الله تعالى المسلمين بكتابه وسنة رسوله - ﷺ - عن الالتجاء إلى مصادر أخرى لمعرفته ﷿، أو إثبات توحيده وصفاته وأسمائه الحسنى، فقد أرسل الرسول (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب: الآيتان ٤٥ - ٤٦] مع تكليفه بالتبليغ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧] .
وقد أدى الرسول - ﷺ - الأمانة وبلغ الرسالة على خير وجه وأشهد المسلمين على إتمام التبليغ في خطبة الوداع (ألا هل بلغت؟) وكمل إتمام الدين بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ) [المائدة: الآية ٣]
وهذا يثبت أن الرسول - ﷺ - لم يترك أمرًا من أمور الدين - أصوله وفروعه - إلا وقد وضحها وأتم بيانها، بل إنه كان يبلغ كل أوامر ربه - ﷿ - في التو واللحظة ولا يؤخرها (ومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدًا في كل وقت ومكان، ولو أخر عن البيان لكان التكليف واقعًا بما لا سبيل للناس إليه، وذلك فاسد غير جائز) (٢) .
ثانيًا: يرى علماء السلف أنه بمسائله واصطلاحاته وأبحاثه يعد من قبيل فضول الكلام الذي لا يفيد الاشتغال به بل إن العمل به مضيعة للجهد والوقت بعد أن
_________________
(١) نفس المصدر ص ١٧١.
(٢) صون المنطق ج ١ ص ١٤١.
[ ٦٧ ]
كفانا الله ﷿ مؤونة العكوف على مسائله بما بين لعباده ما يحتاجون إليه في عاجلهم وآجلهم (أوضح لهم سبيل النجاة والتهلكة وأمر ونهى وأحل وحرم وفرض وسن) .
هذا فضلا عن أننا نعثر في الأحاديث النبوية على توضيحات لكافة المباحث التي خاض فيها المتكلمون، فقد اشتمل الحديث على معرفة (أصول التوحيد وبيان ما جاء من الوعد ووجوه الوعيد وصفات رب العالمين تعالى عن مقالات الملحدين والإخبار عن صفات الجنة والنار وما أعد الله فيها للمتقين والفجار وما خلق الله في الأرضين والسموات من صنوف العجائب وعظيم الآيات وذكر الملائكة المقربين ونعت الصافين والمسبحين) (١) .
ثالثًا: خشية الفتنة بسبب استخدام المصطلحات الكلامية التي لم يأت بها الكتاب والسنة إذ لم يدع الرسول - ﷺ - الناس في أمر التوحيد إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر فضلًا عما أدت إليه هذه المصطلحات من منازعات وخصومات بين المسلمين لعدم الاتفاق على مدلولاتها وتركيباتها، فأصبح لكل فرقة تشقيقات كلامية تختلف عن غيرها وظهرت الفرقة بين صفوف المسلمين (٢) .
والحق أن أسباب ذم السلف لعلم الكلام لا يمكن تقديرها حق قدرها وفهمها على وجهها الصحيح إلا إذا وضعناها في إطار الصراع الثقافي الحادث في المجتمع الإسلامي عقب وفاة الرسول - ﷺ - وصاحبيه وانقضاء دولة الخلافة الراشدة.
ونضرب على ذلك أمثلة من واقعنا المعاصر، فنتساءل: هل يجرؤ أحد في بلاد الاتحاد السوفيتي مثلًا؛ حيث النظام الماركسي، على القيام بالدعوة لنظم الغرب في الحكم والاقتصاد؟ إنه بلا شك سيواجه بتهمة الخيانة العظمى، فإما يعدم أو يطرد من بلاده شر طردة. كذلك فإن أية حركة تقوم في الغرب لمحاولة المساس بالنظام الديمقراطي في الحكم أو الاقتصاد الحر في المعاملات إلا وتواجه بمقاومة عنيفة من الرأي العام.
بمثل هذا نستطيع تقريب فهم ما حدث من معارضة للمتكلمين في عصر
_________________
(١) نفس المصدر ص ١٩٤.
(٢) نفس المصدر ص ١٤٢.
[ ٦٨ ]
الحضارة الإسلامية الزاهية، حيث تأكد لعلماء الحديث والسنة بطريق لا تقبل الشك ويشهد بها التاريخ ويقرها الواقع الماثل أمامهم أن عقيدة الإسلام وعباداته ونظمه وأخلاقياته قد تحققت كاملة في عصر النبي - ﷺ - والخلافة الراشدة فكانت دولة عالمية تشع نورًا بقيمها وعلومها ومثلها العليا، فكان العلماء حريصين على بقاء هذه الدولة العظمى بأركانها جميعًا، وأهم أركانها بلا شك هي العقيدة بأصولها المدعمة بالأدلة من الكتاب والسنة، فلما جاء المنشقون لإثارة اللغط حول ما بني واكتمل وظهر آثاره رأوا أنه بمثابة معول هدم لن يتوقف إلا بعد أن يتحول البناء إلى ركام.
ونحن نرى - من زاوية التشابه مع نظرتنا المعاصرة التي بيناها آنفًا - أنهم كانوا محقين في معارضتهم. وسيزداد اقتناعنا كلما مضينا في بحثنا.