لم تمض القرون المفضلة، حتى خاض علماء الكلام في مسائل الذات والصفات، وأثاروا مسائل توقيفية من الحقائق التي اكتفى بها الأوائل بما أمدهم به الوحي، وكان لظهور الحديث في الذات والصفات الإلهية بتأثير الفلسفة اليونانية آثارها الوخيمة على المجتمع الإسلامي، فبينما اتجه السابقون إلى الجهاد ونشر الدعوة، وصرف الهمم إلى تدوين العلوم التي يجدي بذل الجهود فيها، تقلص الاهتمام بالجهاد لتتحول الهمم إلى مسائل أفنى البعض فيها أعمارهم ولم يعودوا فيها بطائل، إذ ليست عندهم وسائل الوصول إليها، ومؤهلات الحكم عليها (١) .
من هنا جاءت المعارضة الشديدة للتيار المخالف لما كان عليه السلف، بادئًا بمعبد الجهني (٨٠ هـ) الذي تكلم في القدر، ثم غيلان الدمشقي، فشاع الكلام بعدهما بواسطة واصل بن عطاء (١٣١ هـ) وتوالى شيوخ الاعتزال في الظهور إلى أن تلقف هذا التيار أحد خلفاء المسلمين وهو المأمون (٢١٥ هـ) فاعتنق عقيدتهم، وأخذ على عاتقه نصرة مذهبهم بالإرهاب والبطش، فلم ينصت إلى أصوات المعارضة التي ارتفعت من الغالبية العظمى للمسلمين. وما من باحث يتعرض لهذه
_________________
(١) أبو الحسن الندوي - رجال الفكر والدعوة في الإسلام ص ١١٥.
[ ١١٣ ]
الفترة من الفكر الإسلامي، إلا وتأخذه الدهشة من أساليب المعتزلة ضد خصومهم، فقد استخدموا أسلوبًا مضادًا لمبادئهم المعلنة باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لينكلوا بكل مخالف، فكم من الضحايا المعارضين لهم ألقي بهم في السجون! فانكمش أغلب المحدثين والفقهاء يلعقون جراحهم، حتى أصبح الانتساب إلى الاعتزال فاشيًا منتشرًا، وكل من كان متسننًا كان متخفيًا مستترًا (١) .
وظهر في هذه الفترة التي عم فيها الاضطهاد بأشد أساليب القمع، الإمام أحمد ابن حنبل ليعلن استمساكه بعقيدة الأوائل، وكانت محنة (خلق القرآن) هي مركز الدائرة التي دارت حولها المنافشات الكلامية، وظل الأمر كذلك في أيام المأمون والمعتصم والواثق، وكأن التاريخ وقف عندهم حابسًا أنفاسه، ليدون تفاصيلها، مثبتًا أن الرأي لا يمكن أن يدحض إلا برأي مضاد، وأن أساليب القوة لا تجدي في مجال العقائد والأفكار، وظلت العقيدة الصحيحة حية توارثها الطائفة الظاهرة على الحق.
وقبل التعرض للمحنة، فإنه يجدر بنا تناول الحديث عن الإمام أحمد بإيجاز.