ولعل أهم نقد لشيخ الإسلام ابن تيمية للقياس الأرسططاليسي أن هذا القياس إذا استخدم في الاستدلال على (واجب الوجود) ﵎، لا يدل على ما يختص به، وإنما يدل على أمر مشترك كلي بينه وبين غيره؛ لأن قياس الشمول تستوي أفراده، والله تعالى ليس كمثله شيء.
ولا يجتمع سبحانه، هو وغيره، تحت كلٍّ تستوي أفراده، وقد جعلوا الوجود المطلق موضوع الفلسفة الأولى.
فإن وصفهم (للوجود) الذي هو موضوع العلم الإلهي عندهم هو الوجود المطلق الكلي، فإذا كان هذا هو (العلم الأعلى) عندهم، لم يكن العلم (الأعلى) عندهم علمًا بشيء موجود في الخارج، بل علمًا بأمر مشترك بين جميع الموجودات، وهو مسمى (الوجود)، وذلك كمسمى (الشيء)، و(الذات)، و(الحقيقة)، و(النفس) و(العين)، و(الماهية) ونحوها من المعاني العامة.
ويرى ابن تيمية أن العلم بهذا ليس هو علمًا بموجود في الخارج، لا بالخالق ولا بالمخلوق، وإنما هو علم بأمر مشترك كلي تشترك فيه الموجودات، لا يوجد إلا في
_________________
(١) ابن تيمية: موافقة صحيح المنقول ص ١٤ وجاء (تفسير الجلالين) (أدخل يدك اليمنى بمعنى الكف في جيبك - وهو طريق القميص وإخراجها (تخرج) بخلاف ما كانت عليه من الأدمة (بيضاء من غير سوء: برص، فأدخلها وأخرجها، تُضئ كشعاع الشمس، تغشي البصر (.. فذانك) بالتشديد والتخفيف أي: العصا واليد. والآية كاملة: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [سورة القصص: ٣٢] . ويقول الأصفهاني: فالبرهان أوكد الدلالة وهو الذي يقتضي الصدق أبدًا، لا محالة قال تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [سورة البقرة: ١١١] (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ) [سورة الأنبياء: ٢٤] (قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [سورة النساء، آية: ١٧٤] المفردات في غريب القرآن ص ٤٥.
[ ٢٣٥ ]
الذهن (١) .
وهذا بخلاف (العلم الأعلى) عند المسلمين؛ فإنه العلم بالله - تعالى - الذي هو في نفسه أعلى من غيره من كل وجه. والعلم به أصل لكل علم ولاختصاص الله - تعالى - بصفات الكمال بالإطلاق، فقد استعمل الأنبياء - ﵈ - في الاستدلال عليه - تعالى - قياس الأولى (على وزن الأعلى)، لإثبات أن كل ما ثبت لغيره من كمال فثبوته له بطريق الأولى وما تنزه عنه غيره من النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى.
والآيات الكثيرة في القرآن في هذا الصدد تستند إلى قياس الأولى. قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) [الروم: ٢٨] .
وقال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [النحل: ٥٧ - ٦٠] .
ويستخدم القرآن الكريم أيضًا قياس الأولى في بيان إمكان المعاد:
(أ) فتارة يخبر عمن أماتهم ثم أحياهم، كما أخبر عن قوم موسى بقوله: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة الآية: ٥٥، ٥٦] .
وكما أخبر عن المسيح ﵇ أنه كان يحيي الموتى بإذن الله.
وبنفس الطريقة أخبر عن أصحاب الكهف أنهم لبثوا نيامًا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا [الكهف: ٢٥] وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) [الكهف: ٢١] .
وقد ورد تفسير هذه الآية عن غير واحد من العلماء أن قضية البعث أثيرت في ذلك الزمان أيضًا فتنازع الناس حول حقيقته، هل هو بالأرواح فقط أم بالأرواح
_________________
(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ١٣٠ - ١٣١.
[ ٢٣٦ ]
والأجساد؟ ولذلك أعثر الله تعالى هؤلاء على أهل الكهف، وعلموا أنهم بقوا نيامًا لا يأكلون ولا يشربون ثلاثمائة سنة شمسية وهي ثلاثمائة وتسع هلالية، فأعلمهم الله بذلك إمكان إعادة الأبدان (١) .
(ب) وتارة يستدل القرآن الحكيم على البعث بالنشأة الأولى، وأن الإعادة أهون من الابتداء، كقوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: ٧٨ - ٧٩] وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: ٢٧] .
(جـ) وتارة يستدل على إمكان ذلك بخلق السموات والأرض، فإن خلقها أعظم من إعادة الإنسان، كقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) [يس: ٨١] وقوله سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأحقاف: ٣٣] .
(د) وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ٥٧] وقوله سبحانه: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر: ٩] .