[ ٢٥ ]
قَائِمَة بِذَات الله جلّ وَعلا كالرأفة وَالرَّحْمَة والحلم فنجده جلّ وَعلا وصف نَفسه بِأَنَّهُ رؤوف رَحِيم قَالَ إِن ربكُم لرؤوف رَحِيم [النَّحْل ٧] وَوصف بعض المخلوقين بذلك قَالَ فِي وصف نَبينَا ﷺ لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم [التَّوْبَة ١٢٨] وَوصف نَفسه بالحلم قَالَ ليدخلنهم مدخلًا يرضونه وَإِن الله لعيم حَلِيم [الْحَج ٥٩] وَاعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَن الله غَفُور حَلِيم [الْبَقَرَة ٢٣٥] قَول مَعْرُوف ومغفرة خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى وَالله غَنِي حَلِيم [الْبَقَرَة ٢٦٣] وَوصف بعض المخلوقين بالحلم قَالَ فبشرناه بِغُلَام حَلِيم [الصافات ١٠١] إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم [التَّوْبَة ١١٤] وَوصف نَفسه بالمغفرة قَالَ إِن الله غَفُور رَحِيم [الْبَقَرَة ١٧٣] فَيغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء [الْبَقَرَة ٢٨٤] وَوصف بعض المخلوقين بالمغفرة قَالَ وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور [الشورى ٤٣] قَول مَعْرُوف ومغفرة [الْبَقَرَة ٢٦٣] قل للَّذين آمنُوا يغفروا للَّذين لَا يرجون أَيَّام الله [الجاثية ١٤] وَلَا شكّ أَن مَا وصف بِهِ خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض من هَذِه الصِّفَات أَنه حق لَائِق بِكَمَالِهِ وجلاله لَا يجوز أَن يَنْفِي خوفًا من التَّشْبِيه بالخلق وَإِن مَا
[ ٢٦ ]
وصف بِهِ الْخلق من هَذِه الصِّفَات حق مُنَاسِب لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم وعَلى كل حَال فَلَا يجوز للْإنْسَان أَن يتنطع إِلَى وصف أثْبته الله جلّ وَعلا لنَفسِهِ فينفي هَذَا الْوَصْف عَن الله متهجما على رب السَّمَوَات وَالْأَرْض مُدعيًا عَلَيْهِ أَن هَذَا الْوَصْف الَّذِي تمدح بِهِ أَنه لَا يَلِيق بِهِ وَأَنه هُوَ يَنْفِيه عَنهُ ويأتيه بالكمال من كيسه الْخَاص فَهَذَا جُنُون وهوس وَلَا يذهب إِلَيْهِ إِلَّا من طمس الله بصائرهم وسنضرب لكم لهَذَا مثلا يتَبَيَّن بِهِ الْجَمِيع لِأَن مثلا وَاحِدًا من آيَات الصِّفَات ينسحب على الْجَمِيع إِذْ لَا فرق بَين الصِّفَات لِأَن الْمَوْصُوف بهَا وَاحِد وَهُوَ جلّ وَعلا لَا يُشبههُ شَيْء من خلقه فِي شَيْء من صِفَاته الْبَتَّةَ فَهَذِهِ صفة الاسْتوَاء الَّتِي كثر فِيهَا الْخَوْض ونفاها كثير من النَّاس بفلسفة منطقية وأدلة جدلية سنتكلم فِي آخر الْبَحْث على وُجُوه إِبْطَالهَا كلَاما يخص الَّذين درسوا الْمنطق والجدل ليتبين كَيفَ اسْتدلَّ أُولَئِكَ بِالْبَاطِلِ وأبطلوا بِهِ الْحق وأحقوا بِهِ الْبَاطِل فَهَذِهِ صفة الاسْتوَاء تجرأ الآلاف مِمَّن يدعونَ الْإِسْلَام فنفوها عَن رب السَّمَوَات وَالْأَرْض بأدلة منطقية يركبون فِيهَا قِيَاسا استثنائيا مركبا من شَرْطِيَّة مُتَّصِلَة لزومية يستثنون فِيهِ
[ ٢٧ ]
نقيض التَّالِي ينتجون فِي زعمهم الْبَاطِل نقيض الْمُقدم بِنَاء على أَن نفي اللَّازِم نفي الْمَلْزُوم فَيَقُولُونَ مثلا لَو كَانَ مستويا على عَرْشه لَكَانَ مشابها لِلْخلقِ لكنه غير مشابه لِلْخلقِ ينْتج فَهُوَ غير مستو على الْعَرْش وَهَذِه النتيجة بَاطِلَة لمخالفتها صَرِيح الْقُرْآن اعلموا أَن هَذِه الصّفة الَّتِي هِيَ صفة الاسْتوَاء صفة كَمَال وجلال تمدح بهَا رب السَّمَوَات وَالْأَرْض والقرينة على أَنَّهَا صفة كَمَال وجلال أَن الله مَا ذكرهَا فِي مَوضِع من كِتَابه إِلَّا مصحوبة بِمَا يبهر الْعُقُول من صِفَات جَلَاله وكماله الَّتِي هِيَ مِنْهَا وسنضرب مثلا لذَلِك بِذكر الْآيَات ١ أَو سُورَة ذكر الله فِيهَا صفة الاسْتوَاء حسب تَرْتِيب الْمُصحف سُورَة الْأَعْرَاف قَالَ إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يغشى اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حثيثا وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين [الْأَعْرَاف ٥٤] فَهَل لأحد أَن يَنْفِي شَيْئا من هَذِه الصِّفَات الدَّالَّة على الْجلَال والكمال ٢ الْموضع الثَّانِي فِي سُورَة يُونُس قَالَ إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش
[ ٢٨ ]
يدبر الْأَمر مَا من شَفِيع إِلَّا من بعد إِذْنه ذَلِكُم الله ربكُم فاعبدوه أَفلا تذكرُونَ إِلَيْهِ مرجعكم جَمِيعًا وعد الله حَقًا إِنَّه يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات بِالْقِسْطِ وَالَّذين كفرُوا لَهُم شراب من حميم وَعَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكفرون هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ يفضل الْآيَات لقوم يعلمُونَ إِن فِي اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا خلق الله فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لآيَات لقوم يَتَّقُونَ [يُونُس ٣ ٦] فَهَل لأحد أَن يَنْفِي شَيْئا من هَذِه الصِّفَات الدَّالَّة على هَذَا الْكَمَال والجلال ٣ الْموضع الثَّالِث فِي سُورَة الرَّعْد فِي قَوْله جلّ وَعلا الله الَّذِي رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لأجل مُسَمّى يدبر الْأَمر يفصل الْآيَات لَعَلَّكُمْ بلقاء ربكُم توقنون وَهُوَ الَّذِي مد الأَرْض وَجعل فِيهَا رواسي وأنهارا وَمن كل الثمرات جعل فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يغشي اللَّيْل النَّهَار إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون وَفِي الأَرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وَزرع ونخيل صنْوَان وَغير صنْوَان يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم
[ ٢٩ ]
يعْقلُونَ [الرَّعْد ٢ ٣] وَفِي الْقِرَاءَة الْأُخْرَى وَزرع ونخيل صنْوَان وَغير صنْوَان تسقى (١) بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ فَهَل لأحد أَن يَنْفِي شَيْئا من هَذِه الصِّفَات الدَّالَّة على الْجلَال والكمال ٤ الْمَوْضُوع الرَّابِع فِي سُورَة طه طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى إِلَّا تذكرة لمن يخْشَى تَنْزِيلا مِمَّن خلق الأَرْض وَالسَّمَوَات الْعلي الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَمَا بَينهمَا وَمَا تَحت الثرى وَإِن تجْهر بالْقَوْل فَإِنَّهُ يعلم السِّرّ وأخفى الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى [طه ١ ٨] فَهَل لأحد أَن يَنْفِي شَيْئا من هَذِه الصِّفَات الدَّالَّة على الْجلَال والكمال
[ ٣٠ ]
٥ - الْموضع الْخَامِس فِي سُورَة الْفرْقَان فِي قَوْله وتوكل على الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت وَسبح بِحَمْدِهِ وَكفى بِهِ بذنوب عباده خَبِيرا الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش الرَّحْمَن فاسأل بِهِ خَبِيرا [الْفرْقَان ٥٨ ٥٩] فَهَل لأحد أَن يَنْفِي شَيْئا من هَذِه الصِّفَات الدَّالَّة على هَذَا الْكَمَال والجلال ٦ الْموضع السَّادِس فِي سُورَة السَّجْدَة فِي قَوْله تَعَالَى أم يَقُولُونَ افتراه بل هُوَ الْحق من رَبك لتنذر قوما مَا أَتَاهُم من نَذِير من قبلك لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش مَا لكم من دونه من ولي وَلَا شَفِيع أَفلا تتذكرون يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ ذَلِك عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْعَزِيز الرَّحِيم الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه وَبَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين ثمَّ جعل نَسْله من سلالة من مَاء مهين ثمَّ سواهُ وَنفخ فِيهِ من روحه وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة قَلِيلا مَا تشكرون [السَّجْدَة ٣ ٩] فَهَل لأحد أَن يَنْفِي شَيْئا من هَذِه الصِّفَات الدَّالَّة على الْغَايَة من الْجلَال والكمال ٧ الْموضع السَّابِع فِي سُورَة الْحَدِيد فِي قَوْله تَعَالَى هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم هُوَ الَّذِي
[ ٣١ ]