أ- الكرامية١ هم أتباع محمد بن كرام بن عراق بن حزبة السجستاني المتوفى سنة (٢٥٥هـ) .
وهم في باب الصفات يثبتونها ولكنهم خالفوا أهل السنة في مسألتين:
المسألة الأولى: أنهم يبالغون في الإثبات ويخوضون في شأن الكيفية، ودخل عليهم ذلك، من جهة إطلاقهم لألفاظ مبتدعة كلفظ (الجسم)، و(المماسة) . ومن بدع الكرامية أنهم يقولون في المعبود إنه جسم لا كالأجسام٢. ومن بدعهم قولهم: إن الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا٣.
ويقولون: إن الله جسم قديم أزلي، وإنه لم يزل ساكنا ثم تحرك لما خلق
_________________
(١) ١ يبلغ عدد طوائف الكرامية اثنتي عشرة فرقة وأصولها ستة هي:
(٢) العابدية، ٢- النونية، ٣- الزرينية، ٤- الإسحاقية، ٥- الواحدية، ٦- الهيصمية. (وهم في باب الإيمان مرجئة يقولون: إن الإيمان هر القول فقط فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبا بقلبه كان منافقا مؤمنا من أهل النار، وبعض الناس يحكي عنهم أنه من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن كامل الإيمان وانه من أهل النار) . انظر مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٦) . وانظر الكلام عن الكرامية في الفصل لابن حزم (٤/٤٥،٢٠٤،٢٠٥)، لسان الميزان (٥/ ٣٥٣-٣٥٦)، والفرق بين الفرق (ص ٣ ١- ١٣٧)، والملل والنحل (١/١٨٠-١٩٣) . ٢ لسان الميزان (٥/ ٣٥٤) . ٣ درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٦) .
[ ١٣٢ ]
العالم، ويحتجون على حدوث الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة، فهي تقبل الاجتماع والافتراق، ولا تخلو من اجتماع وافتراق، وهي أعراض حادثة لا تخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
وأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق، ولكنه لم يزل ساكنا. والسكون عندهم أمر عدمي، وهو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة. وهؤلاء يقولون: إن الباري لم يزل خاليا من الحوادث حتى قاما به، بخلاف الأجسام المركبة من الجواهر المفردة، فإنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق١.
ويقولون: إن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك٢.
ويقول ابن كرام: إن الله مماس للعرش من الصفحة العليا٣.
ويقول كذلك: له حد من الجانب الذي ينتهي إلى العرش ولا نهاية له٤. وقد غالى أتباع ابن كرام في شأن الكيفية فزعم بعضهم أنه تعالى على بعض أجزاء العرش. وادعى بعضهم أن العرش امتلأ به بحيث لا يزيد على عرشه من جهة المماسة، ولا يفضل منه شيء على العرش٥.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٢٧) . ٢ المصدر السابق (٥/ ٢٤٦) . ٣ الفرق بين الفرق (ص ٩٨ ١)، والملل والنحل (١/١٠٨-١٠٩) ٤ الملل والنحلل (١/١٠٩)
[ ١٣٣ ]
المسألة الثانية: إن الكرامية يثبتون الصفات بما فيها أن الله تعالى تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن، أنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا: لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها، فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
فعندهم أن الله يتكلم بأصوات تتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه تقوم به الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته، لكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأن الله في الأزل لم يكن متكلما إلا بمعنى القدرة على الكلام، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك١
ومعلوم أن عقيدة السلف تقوم على إثبات جميع الصفات الذاتية منها والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة٢.
٢- مقاتل بن سليمان٣.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى (٦/٥٢٤-٥٢٥)، ودرء تعارض العقل والنقل (٢/٧٦) ٢انظر مجموع الفتاوى (٦/١٤٩ ٥٢٠-٥٢٥) ٣ هو أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير، الأزدي بالولاء، البلخي، الخراساني، المروزي، أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل بغداد وحدث بها. ذكره الذهبي في آخر ترجمة ابن حيان (تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٤) وقال: (فأما مقاتل بن سليمان المفسر فكان في هذا الوقت، وهو متروك الحديث، وقد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلم بحرا في التفسير) . وقد توفي بالبصرة سنة (١٥٠هـ) وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٩- ٢٨٥)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٩٦-١٩٧)، تاريخ بغداد (١٣/١٦٠-١٦٩) وفيات الأعيان (٤/ ٣٤١- ٣٤٣) .
[ ١٣٤ ]
نسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر أنه من المشبهة وذكروا أنه هو الذي قال فيه الإمام أبو حنيفة: أتانا من المشرق رأيان خبيثان؟ جهم معطل، ومقاتل مشبه"١ وقال ابن حبان: "كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي وافق كتبهم، وكان يشبه الرب بالمخلوقات وكان يكذب في الحديث"٢. وقال أبو الحسن الأشعري في "المقالات": "وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان: إن الله جسم وإنه جثة على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره"٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما مقاتل فالله أعلم بحقيقة حاله. والأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة، وفيهم انحراف على مقاتل ابن سليمان، فلعلهم زادوا في النقل عنه، أو من نقلوا عنه، أو نقلوا عن غير ثقة، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد. وقد قال الشافعي: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل٤، ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. ومقاتل بن سليمان وان لم يكن ممن يحتج به في الحديث- بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه في التفسير وغيره وإطلاعه، كما أن أبا حنيفة
_________________
(١) ١ لسان الميزان (١٠/ ٢٨١) . ٢ ميزان الاعتدال (٤/١٧٥) ٣ المقالات (ص ٢٠٩) . ٤ وجاء في "وفيات الأعيان" في ترجمة مقاتل بن سليمان: "حكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة، على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام"وفيات الأعيان (٣٤١١٤) .
[ ١٣٥ ]
الخاتمة
دين الله وسط يين الغالي فيه والجافي عنه، وقد عرف عن أهل السنة وسطتهم في جميع أمور الدين بما في ذلك مسائل العقيدة، والتي من بين أهم مسائلها مسألة الإيمان بأسماء الله وصفاته.
وقد تبين من خلال ما تقدم عرضه في ثنايا البحث وسطية أهل السنة في هذا الباب بين الغلاة من المشبهة، والجفاة من المعطلة. الأمر الذي يشهد لمنهج أهل السنة والجماعة بأنه المنهج الأسلم والأعلم والأحكم، وذلك لموافقته لنصوص الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح من هذه الأمة.
وبحمد الله كان متمسك أهل السنة في هذا الباب وغيره من مسائل الدين بهذه الأصول الثابتة التي بها يفصل النزاع يين الناس، فالناس لا يفصل بينهم النزاع إلا الشرع المنزل، فلا يمكن الفصل بينهم بالرد إلى عقولهم وأهوائهم إذ لكل واحد منهم عقله وهواه، ولو تركوا لعقولهم لزعم كل واحد منهم أن عقله أداه إلى ما ينازعه فيه الآخر.
ومن المعلوم أن العقل المجرد لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات على وجه التفصيل، فوجب الرجوع في علم ذلك على النصوص القرآن والسنة.
فمن فضل الله ونعمته أن تعرف لعباده عن طريق ما أخبر به من أسمائه وصفاته الواردة في القرآن والسنة، فهما مليئان بالنصوص الصريحة الدالة على أسمائه وصفاته، وتلك النصوص هي من الوضوح والكثرة بمكان بحيث يستحيل إنكارها وتأويلها والتلاعب بنصوصها.
وكلما ازداد المسلم إطلاعا ومعرفة بتلك النصوص وما دلت عليه، لم يزده إنكار أهل الباطل لها إلا احتقارا لهم ويقيئا بفساد معتقدهم وبطلانه.
[ ١٣٩ ]
ولقد- جاءت رسالة النبي صلى الله ﷺ بإثبات الأسماء والصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقيني، ورفع الشك والريب فثلجت له الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه ففصلت الأسماء والصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.
وهذه الأصول الكلية هي التي ميزت عقيدة أهل السنة عن عقائد خصومهم فضمنت لهم بحمد الله صحة المعتقد وسلامة المنهج. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعداد، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم"١.
وما ضل من ضل في هذا الباب وغيره إلا بتركه لتلك الأصول الكلية التي يجب الرجوع إليها في جميع مسائل الدين كبيرها وصغيرها، فالسعيد من لزم السنة وتمسك بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ وفهم السلف الصالح. قال الإمام أحمد: "اعلم رحمك الله أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة، وأن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معنى ما أراد الله منه، أو أثر عن أصحاب رسول الله ﷺ، ويعرف ذلك بما جاء عن النبي ﷺ أو عن أصحابه، فهم شاهدوا النبي ﷺ، وشهدوا تنزيله، وما قصه الله له في القرآن، وما عنى به، وما أراد به أخاص هو أم هو عام.
فأما من تأوله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٥/ ٨٣.
[ ١٤٠ ]
فهذا تأويل أهل البدع؟ لأن الآية قد تكون خاصة ويكون حكمها حكما عاما ويكون ظاهرها على العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول الله صلى اله عليه وسلم هو المعبر عن كتاب الله وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك"١
فهذه العبارة وما حوته من قواعد رسمت منهج أهل السنة والجماعة، ذلك المنهج الذي لم يتغير باختلاف المسائل ومرور العصور وتعدد الأجيال. فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) ١ كتاب الإيمان لابن تيمية ص (٣٧٣- ٣٧٤) .
[ ١٤١ ]