١- الجهمية:
أتباع الجهم بن صفوان وهم ينفون جميع الأسماء والصفات.
أما في أسماء الله ﷿ فقد عرف عن الجهم بن صفوان أنه له مسلكان: الأول: نفيه جميع الأسماء الحسنى عن الله ﷿.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئا لا حيا ولا غير ذلك إلا على سبيل المجاز"١
الثاني: أن الله يسمى باسمين فقط هما "الخالق" و"القادر".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الجهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء، وروي عنه أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق، فلم يسمه إلا "بالخالق" و"القادر" لأنه كان جبريا يرى أن العبد لا قدرة له"٢ وقال ﵀: "ولهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمى الله بشيء، ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمى بها الخلق: كالحي، والعالم والسميع، والبصير، بل يسميه قادرا خالقا، لأن العبد عنده ليس بقادر، إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية"٣
وأما في صفات الله ﷿ فالجهمية ينفون جميع الصفات ولا يصفون الله إلا
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١٢/ ٣١١) . ٢ منهاج السنة (٢/ ٥٢٦، ٥٢٧)، الأنساب للسمعانى (٢/ ١٣٣) . ٣ درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٧)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٠) .
[ ١٠١ ]
بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان١ فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات٢
٢- المعتزلة ومن وافقهم:
ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية والإباضية وابن حزم وغيرهم وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات٣ وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق٤ فالمعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.
الطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.
والطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسما ونفيها فعلا فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٣/ ٧)، شرح الأصفهانية (ص ٥١، ٥٢) ٢مجموع الفتاوى (٣/ ٨) . ٣مجموع الفتاوى (١٣/ ١٣١) . ٤مجموع الفتاوى (٦/ ٥١) .
[ ١٠٢ ]
والمقصود بنفي الصفات عندهم: هو نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وذلك أنهم يجعلونها عين الذات فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته١
وهناك آراء أخرى للمعتزلة لكنها تجتمع في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها٢
وهذه الآراء للمعتزلة حملها عنهم الزيدية والرافضة الإمامية٣ والإباضية. وابن تومرت٤ وابن حزم٥
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه فقالوا حينئذ إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ونحو ذلك.
وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به٦
_________________
(١) ١ المعتزلة وأصولهم الخمسة (ص ١٠٠) . ٢ المصدر السابق (ص ١٠١) . ٣ لم يكن في قدماء الرافضة من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في التجسيم مشهورا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله، شرح الأصفهانية (ص ٦٨) . ٤ كان أبو عبد الله محمد بن ترمرت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات، شرح الأصفهانية (صر، ٢٣) . ٥ درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٤٩، ٢٥٥) . ٦ مجموع الفتاوى (٦/ ٤٧ ١، ٤٨ ١، ٣٥٩) .
[ ١٠٣ ]
٣- النجارية:
وهم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله النجار المتوفى سنة (٢٢٠ هجرية) تقريبا. وكان-يزعم أن الله سبحانه لم يزل جوادا بنفي البخل عنه، وأنه لم -يزل متكلما بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأن كلام الله سبحانه محدث مخلوق، وكان يقول بقول المعتزلة في التوحيد، إلا في باب الإرادة والجود، وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء١
٤- الضرارية:
وهم أتباع ضرار بن عمرو الغطفاني المتوفى سنة (١٩٠ هجرية) تقريبا وكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر أنه ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه"٢
فكل من النجارية والضرارية يحملون النصوص الثبوتية على المعاني السلبية كما قال البغدادي عنهم: "من غير إثبات معنى أو فائدة سوى نفي الوصف بنقيض تلك الأوصاف عنه"٣
وكان الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية هم خصوم أهل السنة زمن فتنة القول بخلق القرآن٤
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤١- ٣٤٢)، وانظر الفرق يين الفرق (ص ٢٠٧)، والملل والنحل (١/ ٨٩، ٩٠) . ٢ مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٩) . ٣ الفرق يين الفرق (ص ٢١٥) . ٤ مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٥١، ٣٥٢) .
[ ١٠٤ ]
٥- الكلابية وقدماء الأشاعرة
ومن وافقهم (نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة) .
وهو قول الكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وقول الحارث المحاسبي١ وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم٢
وهؤلاء يسمون الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافا للمعتزلة لكنهم لم يثبتوا لله أفعالا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته٣ وأصلهم الذي أضلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته٤ لا فعل ولا غير فعل٥
والفرق بينهم وبين المعتزلة: أن المعتزلة تقول: "لا تحله الأعراض
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان الحارث المحاسبي يوافقه- أي يوافق ابن كلاب- ثم قيل إنه رجع عن موافقته؟ فإن أحمد ابن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقي بعض كلام الحارث؟ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبو بكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصرفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقرل إنه رجع عن قول ابن كلاب". مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢١، ١٥٢٢) ٢ مجموع الفتاوى (٥/ ١ ١ ٤، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ٤٧ ١)، شرح الأصفهانية (ص ٧٨) . ٣ مجموع الفتاوى (٦/٥٢٠) . ٤ مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٤) . ٥ مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٢)
[ ١٠٥ ]
والحوادث" فالمعتزلة لا يريدون (بالأعراض) الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون (بالحوادث)، المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك- مما يريده الناس بلفظ الحوادث- بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجيزون أن يقوم به خلق) ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه. ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: (لا تقوم به الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضا". ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته١
ففرقوا بين الأعراض- أي الصفات- والحوادث- أي الأمور المتعلقة بالمشيئة٢
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٦/٥٢٥، ٥٢١) ٢ مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٥) . وتتميما للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال: قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث) . قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل. قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمر التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها. قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩) .
[ ١٠٦ ]
فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله١، ويقولون: (لو قامت به لكان محلا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص وإن لم يوجب له كمالا لم يجز وصفه به٢
ولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: إضافة الصفة إلى الموصوف.
كقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ البقرة: ٢٥٥،، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ الذاريات: ٥٨،، فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.
والقسم الثاني: إضافة المخلوق إلى الله.
كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ الشمس: ١٣، وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الحج: ٢٦،، وهذا القسم لا خلاف يين المسلمين في أنه مخلوق
والقسم الثالث: وهو محل الكلام هنا- ما فيه معنى الصفة والفعل. كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ النساء: ١٦٤، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ المائدة: ١١، وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب﴾ البقرة: ٩٥،.
فهذا القسم الثالث لا يثبته الكلايية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:
_________________
(١) ١ الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى (٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠) . ٢ مجموع الفتاوى (٦ / ٦٩)، وانظر الرد على هذه الشبهة (٦/ ١٠٥)
[ ١٠٧ ]
١- إما قديما قائما به ٢- وإما مخلوقا منفصلا عنه.
ويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: (مسألة حلول الحوادث بذاته) ١ وذلك مثل صفات الكلام والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:
١- إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي٢ وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره٣
٢- وإما أن يجعلوها من باب "النسب" و"الإضافة" المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع الخاطب فقط٤. فهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به.
ولهذا يقول كثير منهم: "إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات٥.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٤، ١٤٧) ٢ مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٢) . ٣ مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٠) . ٤ مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٩) . ٥ مجموع الفتاوى (٥/ ٤١١، ٤١٢) .
[ ١٠٨ ]
٣- أو يجعلوها "أفعالا محضة" في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة١. مثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربا فيصير مستويا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري٢. وكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضا في بعض المخلوقات يسميها نزولا٣. ونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء. ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض. وأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأئمة الصحابة: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الاسفرائيني، وأبي بمر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من لا من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٥/ ٤١١، ٤١٢) . ٢ مجموع الفتاوى (٥/ ٤٣٧)، الأسماء والصفات للبيهقي (ص ٧ ١ ٥) . ٣ مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦) . ٤ مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ٠٣٤ ١، ٠٣٦ ١) .
[ ١٠٩ ]
وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها١.
٦- متأخرو الأشاعرة والماتريدية
(من يقول بإثبات سبع صفات فقط أو ثمان ونفي ما عداها) .
وهذا قول المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية الذين لم يثبتوا من الصفات إلا ما أثبته العقل فقط، وأما ما لا مجال للعقل فيه عندهم فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل ولا يستدل هؤلاء بالسمع في إثبات الصفات، بل عارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.
وهذه القول لمتأخري الأشاعرة إنما تلقوه عن المعتزلة، لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه، الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع، ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، وأثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضا للسمع، بل ما جعله معارضا له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.
وهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات٢. فالصفات الثبوتية عند متأخري الأشاعرة هي: الحياة، والعلم، والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام٣، وزاد الباقلاني وإمام الحرمين
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٧،١٤٨) ٢ درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧) . ٣ مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٨، ٣٥٩) .
[ ١١٠ ]
الجويني صفة ثامنة هي الإدراك١.
والصفات الثبوتية عند الماتريدية٢ هي ثمان: الحياة، والعلم، والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين٣. وهم قد خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها، لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم، وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم، فلذا قالوا بنفيها٤. وهؤلاء لا يجعلون السمع طريقا إلى إثبات الصفات ولهم فيما لم يثبتوه طريقان أ- منهم من نفاه ٢٠- ومنهم من توقف فيه فلم يحكم فيه بإثبات ولا نفي ويقولون بأن العقل دل على ما أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا فيه٥ وبهذا يعلم أنه ليس عند هؤلاء من الإثبات إلا الصفات السبع التي يسمونها صفات المعاني وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر والكلام وما عداها من الصفات الثبوتية لا يثبتونها ولهم في نصوصها أحد طريقين إما التأويل أو التفويض وفي هذا يقول قائلهم:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها٦
_________________
(١) ١ تحفة المريد (ص ٧٦)، وبعض الأشاعرة توقف فيها والبعض نفاها ٢ انظر إشارات المرام (ص ١٠٧، ١١٤)، جامع المتون (١٢٠٨)، نظم الفرائد (ص ٢٤)، الماتريدية دراسة وتقويم (ص ٢٣٩) . ٣ أثبت الماتريدية صفة التكوين وعليه فهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى. وأما الأشاعرة فقد نفوها. انظر تحفة المريد (ص ٧٥) . ٤ الماتريدية دراسة وتقويم (ص ٢٣٩) . ٥ شرح الأصفهانية ص ٩، مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٩) . ٦ تحفة المريد (ص ٩١) .
[ ١١١ ]