من كمال الله تَعَالَى وجلاله: سعة بصره وعلمه، «فهو سُبْحَانَهُ من تحيرت العقول في عظمته، وسعة متعلقات صفاته، وكمال عظمته ولطفه، وخبرته بالغيب والشهادة، والحاضر والغائب، يرى خائنات الأعين وتقلبات
[ ١ / ٧١ ]
الأجفان، وحركات الجنان» (^١)، فهو سُبْحَانَهُ القائل: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٨].
ومظاهر إبصار الله لعباده كثيرة، يمكن تقسيمها بالتالي:
أولًا: مايتعلق باثبات بصر لله سُبْحَانَهُ، كما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل، يقول تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومن مظاهر ذلك:
أن الله سُبْحَانَهُ يبصر كل شيء، وإن دق وإن صغر، يقول تَعَالَى مثنيًا على نفسه بعظم وكمال سمعه وبصره: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦].
يقول الطبري -﵀- في تفسيره: «وذلك بمعنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء» (^٢).
فهو سُبْحَانَهُ يبصر ماتحت الأراضي السبع، كما يبصر مافوق السموات السبع، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولافي السماء، ولا في الدنيا ولا الآخرة، لا تخالطه الظنون ولا تغيره الحوادث والسنون، لا تواري عنه سماء سماءه، ولا أرض أرضه، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قاعه، يبصر كل شيء ويعلمه، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، مطلع على أعمال الناس وخباياهم.
_________________
(١) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٣٤ - ٣٦).
(٢) تفسير الطبري (١٥/ ٢٣٣).
[ ١ / ٧٢ ]
«فأحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسموات، حتى أخفى ما يكون فيها، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها، وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك» (^١).
ولله در القائل:
يَا مَنْ يَرَى صَفَّ البَعُوضِ جَنَاحَهَا … فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ
وَيَرَى مَنَاطَ عُرُوقِهَا فِي نَحْرِهَا … وَالمُخَّ مِنْ تِلْكَ العِظَامِ النُّحَّلِ
امْنُنْ عَلَيَّ بِتَوْبَةٍ تَمْحُو بِهَا … مَا كَانَ مِنِّي فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ (^٢)
ثانيًا: ما يتعلق بإثبات بصر البصيرة بالأشياء، فهو سُبْحَانَهُ الخبير بها، فيكون متعلقها العلم، ومن مظاهر ذلك:
- أن الله بصير بمن آمن من عباده ومن كفر، يقول تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢].
- والله بصير بما يصلح أحوال خلقه من الغنى والمال، ومن يفسده
_________________
(١) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٣٤ - ٣٦).
(٢) ربيع الأبرار، الزمخشري (١/ ١٠).
[ ١ / ٧٣ ]
ذلك، فيعطي كلًّا منهم ما يستحقه، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (^١).
- والله بصير بما يسر عباده وما يخفونه، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].
يقول السعدي -﵀- في معنى السر: «الكلام الخفي ﴿وَأَخْفَى﴾ من السر الذي في القلب ولم ينطق به، أو السر ما خطر على القلب ﴿وَأَخْفَى﴾ ما لم يخطر، يعلم تَعَالَى أنه يخطر في وقته وعلى صفته، المعنى: أن علمه تَعَالَى محيط بجميع الأشياء دقيقها وجليلها خفيها وظاهرها، فسواء جهرت بقولك أو أسررته، فالكل سواء بالنسبة لعلمه تَعَالَى» (^٢).
- والله بصير بذنوب عباده، السر منها والعلن، ماظهر منها وما بطن، وسيجازيهم عليها سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧] (^٣).