الله -﵎- هو التواب، «قابل الدعاء بالعطاء، والاعتذار بالاغتفار، والإنابة بالإجابة، والتوبة بغفران الحوبة، وإذا تاب العبد إلى الله بسؤاله، تاب الله عليه بنواله» (^٢).
يقول ابن القيم -﵀- في لطائف أسرار التوبة: «أن يعرف- أي: العبد- عزته سُبْحَانَهُ في قضائه، وبره في ستره، وحلمه في إمهال راكبه، وكرمه في قبول العذر منه، وفضله في مغفرته …
فإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه، وتمكن شهوده منه؛ كان الاشتغال به عن ذل المعصية أولى به وأنفع له؛ لأنه يصير مع الله، لا مع نفسه …
ومن شهود عزته أيضًا في قضائه: أن يشهد أن الكمال والحمد، والغناء التام، والعزة كلها لله، وأن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم، والعيب والظلم والحاجة، وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره؛ ازداد شهوده لعزة
_________________
(١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٩/ ١٦٨).
(٢) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ٤١٣).
[ ١ / ٩٥ ]
الله وكماله، وحمده وغناه، وكذلك بالعكس، فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة …
ومنها: أن يعرف بره سُبْحَانَهُ في ستره عليه حال ارتكاب المعصية، مع كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بره، ومن أسمائه: البَرُّ، وهذا البَرُّ من سيده كان عن كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيشتغل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم، فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سُبْحَانَهُ، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته، وشهود ذل معصيته؛ فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى، والمقصد الأسنى، ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقًا، بل في هذه الحال، فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة، وذكر الجناية، ولكل وقت ومقام عبودية تليق به.
ومنها: شهود حلم الله -﵎- في إمهال راكب الخطيئة، ولو شاء لعاجله بالعقوبة، ولكنه الحليم الذي لا يعجل، فيحدث له ذلك معرفة ربه سُبْحَانَهُ باسمه الحليم، ومشاهدة صفة الحلم، والتعبد بهذا الاسم، والحكمة والمصلحة الحاصلة من ذلك بتوسط الذنب أحب إلى الله، وأصلح للعبد، وأنفع من فوتها، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع -﷿-.
ومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه، إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الاعتذار، لا بالقدر، فإنه مخاصمة ومحاجة، كما تقدم، فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره، ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به، ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده،
[ ١ / ٩٦ ]
والواقع شاهد بذلك، فعبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا لون آخر.
ومنها: أن يشهد فضله في مغفرته، فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو أخذك بمحض حقه، كان عادلًا محمودًا، وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك، فيوجب لك ذلك- أيضًا- شكرًا له ومحبة، وإنابة إليه، وفرحًا وابتهاجًا به، ومعرفة له باسمه الغفار ومشاهدة لهذه الصفة، وتعبدًا بمقتضاها، وذلك أكمل في العبودية، والمحبة والمعرفة.
ومنها: أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه، والافتقار إليه» (^١).
وبذلك يتضح تضمن اسم الله التواب لعدد كبير من أسماء الله وصفاته.