إن إيمان العبد بأن الله سُبْحَانَهُ البصير كما يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، كما قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، يجعله يحقق التوحيد الخالص لله، فلا معبود كمل بصره وعلمه، فاستحق العبادة وحده إلا الله.
_________________
(١) وسيأتي مزيد بيان في الأثر الرابع.
(٢) تفسير السعدي (ص ٥٠٢).
(٣) وسيأتي مزيد بيان في الآثار المسلكية اللاحقة.
[ ١ / ٧٤ ]
يقول السعدي -﵀- في إثبات أنواع التوحيد للبصير سُبْحَانَهُ: «﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ «أي: ليس يشبهه تَعَالَى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تَعَالَى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه، … وهذه الآية ونحوها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، وفيها رد على المشبهة في قوله تَعَالَى: «﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وعلى المعطلة في قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (^١).
ولذا قال سُبْحَانَهُ موبخًا الكفار ومسفهًا عقولهم؛ لعبادتهم الأصنام، التي هي من الحجارة الجامدة، لا تتحرك ولا تملك سمعًا ولا بصرًا: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧، ١٩٨].
وأنكر إبراهيم -﵇- على أبيه عبادته ما لا يبصر ولا يسمع، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢].
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٧٥٤).
[ ١ / ٧٥ ]