من علم أنه سُبْحَانَهُ الآخر، وأنه الدائم الحي الذي لا يموت فكل شيء ينتهي إليه، ويعود إليه، فلا يفلت أحد من قبضته ولا يدوم أحد إلا وجهه الكريم، فكل من على ظهر الأرض فان، كما قال تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦] فالخلائق كلها مرجعها إليه سُبْحَانَهُ، ومنتهاها إليه جل في علاه، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] وقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].
فهو سُبْحَانَهُ الذي ينتهي إليه سير السائرين ومعارف العارفين، فكل معرفة قبل معرفته سُبْحَانَهُ فهي سلم على معرفته، وكل رتبة قبل الوصول
[ ١ / ٥٥ ]
إليه والنظر إلى وجهه الكريم فهي رتبة نازلة عند من همتهم. قوله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
فمثل هذا العلم يورث العبد معرفة حقيقة الدنيا، فيقصر أمله فيها؛ لعلمه أنها منقطعة، والكل عنها راحلون، وعن وراثتها زائلون، فعليه أن يجتهد للآخرة، فلا يفرح فيها بموجود، ولا يأسف منها بمفقود، فنعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا، كما قال سُبْحَانَهُ:
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١].
يخبر تَعَالَى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات أعمارهم بلهو القلوب، والغفلة عن ذكر الله وعما أمامهم من الوعد والوعيد، وتراهم قد اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة، فإن قلوبهم معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد أشغلوا أوقاتهم بالأعمال التي تقربهم إلى الله، من النفع القاصر والمتعدي.
قال ابن القيم -﵀-: «الغايات والنهايات كلها إليه تنتهي: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]؛ فانتهت إليه الغايات والنهايات؛ وليس له سُبْحَانَهُ
[ ١ / ٥٦ ]
غاية ولا نهاية؛ لا في وجوده، ولا في مزيد جوده؛ إذ هو (الأول) الذي ليس قبله شيء، و(الآخر) الذي ليس بعده شيء، ولا نهاية لحمده وعطائه؛ بل كلما ازداد له العبد شكرًا: زاده فضلًا، وكلما ازداد له طاعة: زاده لمجده مثوبة، وكلما ازداد منه قربًا: لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك، وهكذا أبدًا لا يقف على غاية ولا نهاية، ولهذا جاء: إن أهل الجنة في مزيد دائم بلا انتهاء (^١).
فإن نعيمهم متصل ممن لا نهاية لفضله ولا لعطائه؛ ولا لمزيده، ولا لأوصافه، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ) (^٢)» (^٣).
وقد يبدو في الظاهر أن بقاء أهل الجنة والنار أبدًا، متعارض مع إفراد الله -﷿- بالبقاء، وأنه الآخر الذي ليس بعده شيء، لكن هذا التعارض يزول إذا علمنا أنه لا بد أن نفرق في قضية البقاء والآخرية بين ما يبقى ببقاء الله وما يبقي بإبقاء الله، أو نفرق بين بقاء الذات والصفات الإلهية، وبقاء المخلوقات التي أوجدها الله كالجنة والنار وما فيهما؛ فالجنة مثلًا باقية بإبقاء الله وما يتجدد فيها من نعيم متوقف في وجوده على مشيئة الله، أما ذاته وصفاته فباقية ببقائه، وشتان بين ما يبقي ببقاء الله وما يبقي بإبقائه، فالجنة مخلوقة خلقها الله -﷿- وكائنة
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٢٥٦).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).
(٣) مدارج السالكين (٢/ ٢٦٨).
[ ١ / ٥٧ ]
بأمره ورهن مشيئته وحكمه، فمشيئة الله حاكمة على ما يبقى وما لا يبقى.
ومِن ثَمَّ فإن السلف الصالح يعتبرون خلود الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية إنما هو بإبقاء الله وإرادته، فالبقاء عندهم ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا الفناء، فالخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته، وإنما هو بمدد دائم من الله تَعَالَى وإبقاء مستمر لا ينقطع، أما صفات الله -﷿- ومنها وجهه وعزته وعلوه ورحمته ويده وقدرته وملكه وقوته، فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته، حيث البقاء صفة ذاتية لهم، كما أن الأزلية صفة ذاتية له أيضًا.
فلا بد إذًا أن نفرق بين صفات الأفعال الإلهية وأبديتها، ومفعولات الله الأبدية وطبيعتها، وهذا ما جاء به القرآن؛ حيث فرق بين نوعين من البقاء؛ الأول: وهو بقاء الذات بصفاتها، كما في قوله تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، والثاني: في قوله تَعَالَى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧].
فالآية الأولى دلت على صفة من صفات الذات، وهى صفة الوجه، ودلت على بقاء الصفة ببقاء الذات، فأثبتت بقاء الذات بصفاتها، وأثبتت فناء ما دونها أو إمكانية فنائه؛ إذ إن الله هو الأول والآخر، وهو قبل كل شيء وبعد كل شيء.