فمن عظيم نعم الله تَعَالَى علينا نعمة البصر، وبها امتن الله تَعَالَى على خلقه في آيات كثيرة، منها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨]، وأمر سُبْحَانَهُ نبيه -ﷺ- أن يأمر المؤمنين
_________________
(١) مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٥٠٣).
[ ١ / ٨١ ]
بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم، مطلع عليها، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، والمراد بـ ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ هي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، … قال قتادة -﵀-: «خائنة الأعين: الهمز بالعين فيما لا يحب الله» (^١)، قال الضحاك -﵀-: «هو قول الإنسان: ما رأيت- وقد رأى-، ورأيت- وما رأى» (^٢)، … أما ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الضمائر، وتسره من معاصي الله، والله يقضي بالحق فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر (^٣).
ولابن القيم -﵀- كلام متين في تسلسل معاصي النظر: من نظرة، لخطرة، للفظة، لخطوة، فيقول في مختصر كلامه:
إن من حفظ اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات: أن يكون العبد بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، فأكثر المعاصي تدخل منها، فاللحظات هي رائدة الشهوات، وحفظها: أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات، وقد قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده، وفيه يقول الشاعر:
كُلُّ الحَوَادِثِ مبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ … وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ
كَمْ نَظْرَةٍ بَلَغَتْ مِنْ قَلْبِ صَاحِبِهَا … كَمَبْلَغِ السَّهْمِ بَيْنَ القَوْسِ والوَتَرِ
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٠/ ٣٠٤).
(٢) تفسير الماوردي (٥/ ١٥٠).
(٣) فتح القدير، الشوكاني (٤/ ٥٥٧).
[ ١ / ٨٢ ]
وَالعَبْدُ مَا دَامَ ذَا طَرْفٍ يُقَلِّبُهُ … فِي أَعْيُنِ العِينِ مَوْقُوفٌ عَلَى الخَطَرِ
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ … لَا مَرْحَبًا بِسُرورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ (^١)
ولقد عني السلف الصالح بغض البصر عناية عظيمة، ومن ذلك قولهم: «من حفظ بصره؛ أورثه الله نورًا في بصيرته» (^٢)، وكان سفيان -﵀- إذا خرج في يوم العيد قال: «إن أول ما نبدأ به اليوم غض أبصارنا» (^٣)، وقال ابن مسعود -﵁-: «الإثم حواز القلوب (يحز في القلوب)، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع» (^٤).
وكان الربيع بن خثيم يغض بصره، فمر به نسوة، فأطرق (أي: أمال رأسه إلى صدره) فظن النسوة أنه أعمى، وتعوذن بالله من العمى (^٥).
ومن الوسائل المعينة على غض البصر:
استحضار اطلاع الله، ومراقبته، يقول تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
الاستعانة بالله والانطراح بين يديه ودعائه، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
_________________
(١) انظر: الداء والدواء (١/ ٣٧٠ - ٣٧٦)
(٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٤٣).
(٣) الورع، لابن أبي الدنيا (ص ٦٦).
(٤) أخرجه هناد بن السري في الزهد (٢/ ٤٦٥).
(٥) ذم الهوى، لابن الجوزي (ص ٩١).
[ ١ / ٨٣ ]
مجاهدة النفس وتعويدها على غض البصر والصبر على ذلك، والبعد عن اليأس، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، يقول -ﷺ- «… وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ» (^١).
القيام بحقوق الأماكن العامة، كالأسواق والطرقات من غض البصر، وكف الأذى، يقول -ﷺ-: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ» (^٢).
الإكثار من نوافل العبادات، فإن الإكثار منها مع المحافظة على القيام بالفرائض، سبب في حفظ جوارح العبد، قال الله تَعَالَى في الحديث القدسي «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^٣).
تذكر شهادة الأرض التي تمارس عليها المعصية، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٢١).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٠٢).
[ ١ / ٨٤ ]
تذكر الملائكة الذين يحصون عليك أعمالك، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
أداء الواجبات كما أمر الله، ومنها: الصلاة قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
الزواج، وهو من أنفع العلاج، قال -ﷺ-: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (^١).
وتجدر الإشارة في نهاية هذا الأثر إلى بيان أن الأنبياء صلوات الله عليهم قد رفعهم الله عن خائنة الأعين، وجعل هذا من صفات النبوة، فعن سعد -﵁-، قال: «لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي -ﷺ-، فقال: يا رسول الله -ﷺ- بايِع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه، ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ، يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك؟ ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٩٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٦٨٣)، والنسائي، رقم الحديث: (٣٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٧٢٣).
[ ١ / ٨٥ ]