فلصفاته سُبْحَانَهُ الكمال المطلق، يقول تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل: ٦٠]، والمثل الأعلى: هو الوصف الأعلى، وبالمقابل نزه الله نفسه سُبْحَانَهُ عن كل النقائص، يقول تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠]
وعليه فكل صفة لا كمال فيها تمتنع في حق الله تَعَالَى، كالموت، والجهل، والنسيان، والعجز، والعمى، ونحوها، وفي هذا آيات وشواهد كثيرة منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تَعَالَى على لسان موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى
وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، ويقول النبي -ﷺ- عن الدجال: «إنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ ربَّكُمْ عَزَّوجلَّ لَيْسَ بأعْورَ» (^٢)، وقال: «أَيُّهَا
_________________
(١) بدائع الفوائد، ابن القيم، (١/ ١٨٠)
(٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث (٧١٢٧)، ومسلم، رقم الحديث (٢٩٣٣).
[ ١ / ٣٧ ]
النَّاسُ ارْبَعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، إنَّكُمْ ليسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» (^١).
وإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال لم تكن جائزة في حق الله تَعَالَى، ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له إثباتًا مطلقًا، ولا تنفى عنه نفيًا مطلقًا، بل لا بد من التفصيل، فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا، وذلك كالمكر، والكيد، والخداع، ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله، أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله تَعَالَى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]
ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [الأنفال: ٧١]، فقال:
_________________
(١) أخرجه مسلم، واللفظ له، رقم الحديث: (٢٧٠٤).
[ ١ / ٣٨ ]
فأمكن منهم، ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهى صفة ذم مطلقا، وبذا عرف أن قول بعض العوام: خان الله من يخون. منكر فاحش يجب النهي عنه.