قال قتادة -﵀-: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] «إن الله هو الوهابُ لعباده الإنابةَ إلى طاعته، الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه» (^١).
قال الطبري -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]: «إن الله- جل ثناؤه- هو التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه، … وتوبة الله على عبده هو أن يرزقه ذلك، ويؤوب من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه» (^٢).
قال الزجاج -﵀- في قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]: «يقبل رجوع عبده إليه، ومن هذا قيل: التوبة كأنه رجوع إلى الطاعة، وترك المعصية» (^٣).
قال الخطابي -﵀-: «هو الذي يتوب على عبده، ويقبل توبته كلما تكررت التوبة، تكرر القبول، … ومعنى التوبة: عود العبد إلى الطاعة بعد المعصية» (^٤).
قال الحَليمي -﵀-: «التواب هو المعيد إلى عبده فضل رحمته إذا هو رجع إلى رحمته، وندم على معصيته، ولا يحبط بما قدم من خير، ولا
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٥٤).
(٢) تفسير الطبري (١/ ١٩٥).
(٣) تفسير أسماء الله (ص ٦٢).
(٤) شأن الدعاء (ص ٩٠).
[ ١ / ٩٢ ]
يمنعه ما وعد المطيعين من الإحسان» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «فتوبة العبد محفوفة بتوبة قبلها عليه من الله إذنًا وتوفيقًا، وتوبة ثانية منه عليه قبولًا ورضًا؛ فله الفضل في التوبة والكرم أولًا وآخرًا لا إله إلا هو» (^٢).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «التواب الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، فكل من تاب إلى الله توبة نصوحًا؛ تاب الله عليه، فهو التائب على التائبين أولًا بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب عليهم بعد توبتهم قبولًا لها، وعفوًا عن خطاياهم» (^٣).
- قال ابن القيم في نونيته:
وَكَذَلِكَ التَّوَّابُ مِنْ أَوْصَافِهِ … وَالتَّوْبُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ
إِذْنٌ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ وَقَبُولِهَا … بَعْدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المَنَّانِ (^٤)
اقتران اسم الله (التوّاب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (التوّاب) باسم الله الرحيم:
جاء اسم الله التواب مقترنًا باسم الله الرحيم، في تسعة مواضع من كتاب الله، ومنها: قول الله -﷿-: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
[البقرة: ٣٧].
_________________
(١) المنهاج (١/ ٢٠٦).
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٩١).
(٣) تفسير السعدي (١/ ٩٤٦).
(٤) النونية (١/ ٢٠٩).
[ ١ / ٩٣ ]
وجه الاقتران:
قرن الله -﷿- التواب بالرحيم؛ لحكم جليلة، منها:
أن الرحيم يدل على تفضله -﷿- على عبده- مع التوبة- بالرحمة، ورحمته إياه إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جرمه، فقبول التوبة سببه رحمة الله لعبده.
أن في الجمع بينهما وعدًا بليغًا للتائب بالإحسان مع العفو والغفران.
يقول ابن جرير -﵀-: «قال قتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]: إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه، (الرحيم) بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه» (^١).
ثانيًا: اقتران اسم الله التواب باسم الله الحكيم:
جاء اسم الله التواب مقترنًا باسم الله الحكيم في موضع واحد، وهو قوله -﷿-: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠].
وجه الاقتران:
قرن الله -﷿- اسم التواب بالحكيم في هذه الآية، حيث جاء بعد ذكر حد الزنا، وحد قذف المحصنات وأحكام الملاعنة، وفي مناسبة ختمها بهذين الاسمين الكريمين.
يقول ابن عاشور -﵀-: «هذا تذييل لما مر من الأحكام العظيمة المشتملة على التفضل من الله والرحمة منه، والمؤذنة بأنه تواب على من تاب
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٥٤).
[ ١ / ٩٤ ]
من عباده، والمثبتة بكمال حكمته تَعَالَى؛ إذ وضع الشدة موضعها، والرفق موضعه، وكف بعض الناس عن بعض، فلما دخلت تلك الأحكام تحت كل هذه الصفات كان ذكر الصفات تذييلًا، وفي ذكر وصف (الحكيم) هنا مع وصف (تواب) إشارة إلى أن في هذه التوبة حكمة، وهي استصلاح الناس» (^١).