ورد اسم الله (البصير) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: «كنا مع النبي -ﷺ- في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال النبي -ﷺ- أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (^١).
معنى اسم (البصير) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀-: «يعني- جل ثناؤه- بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦] والله ذو إبصار بما يعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ ذاكر» (^٢).
قال ابن كثير -﵀-: «﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]: أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وما ذلك إلا لحكمته ورحمته» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «(البصير) الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السموات السبع، وأيضًا سميع بصير
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٨٤).
(٢) تفسير الطبري (١/ ٣٤١).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٣٥٤).
[ ١ / ٦٩ ]
بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته، والمعنى الأخير يرجع إلى الحكمة» (^١).
قال ابن القيم -﵀-:
وَهوَ البَصِيرُ يَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّـ … ـوْدَاءِ تَحْتَ الصَّخْرِ وَالصَّوَّانِ
وَيَرَى مَجَارِي القُوتِ فِي أَعْضَائِهَا … وَيَرَى نِيَاطَ عُرُوقِهَا بِعيَانِ
وَيَرَى خِيَانَاتِ العُيُونِ بِلَحْظِهَا … وَيَرَى كَذَاكَ تَقَلُّبَ الأَجْفَانِ (^٢)
اقتران اسم الله (البصير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (البصير) باسمه سُبْحَانَهُ (السميع):
ورد هذا الاقتران في كتاب الله -﷿- في إحدى عشرة آية، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
وجه الاقتران:
يمكن أن يقال: «إن اسمي (السميع والبصير) يشيران إلى اتصاف الله سُبْحَانَهُ بكمال السمع والبصر، وإحاطتهما ونفاذهما، فكل منهما صفة كمال له -﷿-، ويستفاد من اجتماعهما صفة كمال ثالثة، كما هو الشأن في الصفات
_________________
(١) تفسير السعدي (٥/ ٢٩٩).
(٢) النونية (ص ٢٠٤).
[ ١ / ٧٠ ]
المقترنة.
ويمكن اعتبار هاتين الصفتين مجتمعتين دالتين على تنزيهه تَعَالَى عن مشابهة المخلوقين، فإن لهم سمعًا وبصرًا لا كسمعه وبصره -﷿-، فضلًا عما يوحي به اقتران الصفتين من إحكام الرقابة على الأقوال والأفعال، والإحاطة التامة للمخلوقات كلها، وأن الله محيط بها لا يفوته شيء منهم، ولا يخفى عليه من أمورهم شيء، بل هم تحت سمعه وبصره.
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (البصير) باسمه سُبْحَانَهُ (الخبير):
ورد هذا الاقتران خمس مرات في كتاب الله -﷿-، من ذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١].
وجه الاقتران:
اقتران (الخبير) مع (البصير) يفيد شمول علم الله تَعَالَى للبواطن والحقائق، وكذلك للذوات والمشاهدات والمبصرات.