فهناك تلازم وثيق بين إثبات الأسماء والصفات لله وتوحيد الله تَعَالَى، فكلما حقق العبد أسماء الله وصفاته علمًا وعملًا كان أعظم وأكمل توحيدًا، وفي المقابل: فإن هناك تلازمًا وطيدًا بين إنكار الأسماء أو الصفات، وبين الشرك.
يقول ابن القيم في تقرير هذا التلازم: «كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كماله - أو بعضه - وظن السوء به لما أشرك به، كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٦ - ٨٧].
أي فما ظنكم به أن يجازيكم، وقد عبدتم معه غيره؟ وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟ أظننتم: أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم: أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده، حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك؟ أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم، أم هو قاس؛ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل؛ فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة، ويتعزز به من الذلة؟ أم يحتاج إلى الولد؛ فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه؟ تَعَالَى الله عن ذلك كله علوا كبيرا، والمقصود: أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه، فلا تجد معطلا إلا وشركه على حسب تعطيله، فمستقل ومستكثر» (^١)
يقول الشيخ السعدي في تقرير التوحيد بالإيمان بأسماء الله وصفاته: «إن
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، (٣/ ٣٢٤)
[ ١ / ٢٢ ]
الإيمان بأسماء الله الحسنى، ومعرفتها يتضمّن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبيّة، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي رَوح الإيمان وروحه، وأصله وغايته، فكلّما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه، وقوي يقينه.
ويقول ابن القيم: «إن العلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله، ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها، وكمالها وما تزكو به، وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد، والجهل به أصل شقاوته …، فلا شيء أطيب للعبد، ولا ألذ ولا أهنأ، ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه، ودوام ذكره والسعي في مرضاته، وهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأرسلت الرسل، وقامت السماوات والأرض، ووجدت الجنة والنار، ولأجله شرعت الشرائع» (^١)
ومن قوي إيمانه وعلمه ازدادت خشيته من ربه، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وفي الحديث: يقول -ﷺ-: «أما واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له» (^٢)، ويقول ابن مَسْعُودٍ في ذلكُ: «كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا» (^٣).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة، (١/ ٨٦)
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٠٨).
(٣) جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر القرطبي، (٢/ ٨١٢)
[ ١ / ٢٣ ]